الدرس في كتاب الحج 10، شروط السعي ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح شروط الطواف والسعي في الحج والعمرة، مع ذكر آراء مختلفة حول هذه الشروط وتوضيح الأحكام المتعلقة بها. كما يشمل الحديث عن أحكام الحرم المكي وحرمة مكة.
يتناول تحريم صيد الحرم المكي وقطع شجرها وأخذ لقطتها، وتحريم المدينة المنورة وما بين عير إلى ثور، وتوضيح حدود الحرم والحمى.
يدور الإنسان في وجوده وعدمه حول الله تعالى، مما يشير إلى ارتباط وجود الإنسان بربه، ويدل على عظمة الله وسيطرته على كل شيء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل تتعلق بالحج، وآخر ما أخذناه ما ذكر من أنواع الدماء. ثم ذكر رحمه الله تعالى... ومر معنا شروط الطواف مطلقًا، وقلنا إنه ذكر هذه الشروط على الاختصار. ومرت معنا أربع شروط ذكرها رحمه الله، وهي: النية، وأن يبدأ به من الحجر -يعني إلى الحجر شوط-، وأن يجعل البيت عن يساره، وأن يكمل الأشواط السبعة. وعلمنا الشرط الخامس، وأن فيه خلاف وهو أن يتطهر من الحدث والخبث. فبهذا تصير، إذا قلنا والخبث كذلك، ستة. فذكر رحمه الله ستة شروط: النية، وأن يبدأ من الحجر، وأن يجعل البيت عن يساره، ويكمل الأشواط السبعة، وأن يتطهر من الحدث، وأن كذلك يتطهر من الخبث. كم صارت؟ ستة. هذه ستة شروط. وبعضهم زاد شروطًا، من هذه الشروط: دخول الوقت، لما له وقت. دخول الوقت لما له وقت، مثلاً ما يجوز أن يطوف طواف الحج في يوم الثامن، ولا يوم التاسع. طواف الحج لابد أن يطوفه يوم ماذا؟ العاشر، أو ماذا؟ ليلة العاشر لمن ترخص له، وكانت له رخصة في أن يخرج من مزدلفة بعد منتصف الليل، وما بعد ذلك لو أخره يجوز. نعم. وكذلك بالنسبة لطواف العمرة، مثلاً في أشهر الحج، لابد أن تكون في أشهر الحج. فلو أتى بعمرة يريدها للحج، لكن في غير أشهر الحج، الطواف غير صحيح؛ لأنه لابد أن يكون في وقته. وأما طواف ليس له وقت، كطواف العمرة، فلا حرج عليه في ذلك. وهكذا كذلك من هذه الشروط التي ذكرها بعض أهل العلم: الإسلام والعقل. وهذه كما تقدم معنا في دروس سابقة كثيرة: أنها شروط تعم جميع العبادات، تعم جميع العبادات. فذكرها تحصيل حاصل؛ لهذا بعضهم يذكرها، وبعضهم لم يذكرها. فالمؤلف لم يذكر هذا الخامس، أو ماذا؟ ما بعد السادس، الذي هو الإسلام والعقل، للعلم به، ودخول الوقت؛ لماذا؟ لأنه ليس كل طواف يحتاج إلى وقت، وبعض الطواف فيه وقت، وبعض الطواف ليس فيه وقت. نعم. ومن الشروط، وذكرها بعض أهل العلم، ولم يذكرها هاهنا: ستر العورة. إذا قلنا: الطواف بالبيت صلاة، فهو يحتاج إلى ستر عورة؛ فلابد من ستر العورة من السرة إلى الركبة. وهذا هو الصحيح كذلك؛ فهو من الأدب مع هذه العبادة. وبعضهم يجعله من الواجبات، وكونه من الواجبات أقرب؛ كما نقول في الصلاة. في الصلاة هو من الواجبات، فكذلك في الطواف. ولهذا المؤلف، ولهذا المؤلف كذلك لم يذكره. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: «ويسن له أن يطبع في طواف القدوم، بأن يجعل وسط رداء تحت عاتق الأيمن، وطرفه على عاتق الأيسر، وأن يرمل في الثلاثة أشواط الأوائل منه، ويمشي في الباقي. وكل طواف سوى هذا لا يسن فيه رمل ولا الطبع». وقد تقدم معنا أن طواف الحج، أن طواف القدوم يختلف عن غيره من أنواع الطواف. والطواف ثلاثة أنواع: طواف قدوم، وطواف حج، وطواف وداع. طواف قدوم، وطواف حج، وطواف وداع. فأما طواف القدوم، فلابد أن يكون صاحبه محرمًا. هذا بالنسبة لطواف النسك. وهناك طواف غير طواف النسك، وهو طواف المتنفل. أما طواف النسك، فقدم وحج ووداع. فطواف القدوم لابد أن يكون محرمًا. هذا مما يتميز به عن غيره، بخلاف الوداع والحج؛ ليس من لازمه أن يكون محرمًا. قد يكون محرمًا، وقد يكون غير محرم. فإذا تحلل، فهو لن يكون محرمًا بلباسه. سيطوف كما تقدم معنا. والثاني مما يتميز به، كما ذكر رحمه الله: أن يطبع في طواف القدوم، بخلاف طواف الحج؛ لا يطبع. يستر كتفه الأيمن. وهذا يجهله الكثير من الناس. والثالث أنه كذلك ماذا؟ لا يرمل فيه -يعني في الأشواط الثلاثة-. هذه ثلاثة فروق. قال رحمه الله: «وشروط السعي: النية، وتكميل السبعة، والابتداء من الصفا». هذه ثلاثة شروط: النية لعموم الحديث: «إنما الأعمال بالنيات». وتكميل السبعة؛ لما تقدم؛ لأنها عبادة لابد أن يتقيد بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها. «خذوا عني مناسككم». «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». والابتداء من الصفا كذلك لابد؛ لقوله: «خذوا عني مناسككم». ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ابدأوا بما بدأ الله به». فلابد من هذه الثلاثة، وهي شروط السعي. وبعضهم زاد: الإسلام والعقل. وهذا كما تقدم ماذا؟ ليس من شرط السعي خاصة، بل هو لكل عبادة؛ فلهذا لم يذكره المؤلف رحمه الله. وزاد بعضهم أشياء، لكن الصحيح فيها خلاف. ذلك زادوا في شروط السعي، وشروط الطواف: الموالاة والمشي. والصحيح أن الموالاة ليس شرطًا؛ فلو أن إنسانًا كبيرًا يتعب من السعي، يجوز أن يسعى اثنين، ويرتاح نصف ساعة، ساعة. الحمد لله، الأمر فيه سعة. ومن قال بشرطية الموالاة، فقد أخطأ؛ لعدم وجود الدليل على ذلك. ومثله الطواف: طاف شوطين، فوجد زحامًا شديدًا ما استطاع أن يكمل، أو تعب، يريد أن يذهب يرتاح، أو اشتد عليه الحر، لا بأس يرتاح في الحرم، أو يذهب إلى السكن يرتاح، حتى ولو أكمل الأشواط في اليوم الثاني، أو في الليل، لا حرج عليه في ذلك. لا حرج عليه في ذلك. فليس على الصحيح من أقوال أهل العلم من شروط السعي الموالاة. ومثله المشي؛ ليس من شرطه المشي على الصحيح. وقد صح، كما تقدم، معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى ماشيًا، وماذا؟ وراكبًا. فإذا كان إنسان كبير في السن، أو ثقيل في الوزن، أو امرأة حامل، أو امرأة ضعيفة، أو نحو ذلك، هل يجوز أن يسعى؟ ماذا؟ راكبًا؟ نعم، يجوز. وهل يجوز للشاب القوي أن يسعى راكبًا؟ الجواب: هذا خلاف الأفضل، وينقص بهذا أجره لغير عذر. إلا إن كان فيه مصلحة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لماذا ركب؟ لأجل أن يبرز للناس. فمثلاً يوجد في هذا الزمان عربات -سيارة تسوقها دراجة- مثل السيارة، عندك. إن رأى ضعيفة حامل، أو ضعيفة، أو أب كبير في السن، تقول له: اركب. يقول: ما أركب إلا تركب معي. كيف تفعل؟ تمشي به وتعذبه؟ أم تتساهل وتركب معه؟ أي الأمرين يحبه الله؟ لابد تتنازل عن بعض ما هو لك، وتركب معه حتى تعينه على أداء هذه العبادة، ولا تجعله يفعلها بمشقة وكلفة فيه ضرر عليه، ونحو ذلك. فإذا الصحيح: لا يجب، أو بل نقول: أخص. لا يشترط، بل والصحيح: لا يجب. لا يشترط، ولا يجب الموالاة، ولا المشي، لا في الطواف، ولا في السعي. قال رحمه الله تعالى: «والمشروع أن يكثر الإنسان في طوافه وسعيه وجميع مناسكه من ذكر الله تعالى ودعائه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفى والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله». وهذا الحديث بهذا اللفظ لم يصح مرفوعًا عن النبي عليه الصلاة والسلام. روي عن عائشة، رواه أبو داود، والحاكم، وهو ضعيف مرفوعًا، لكنه صح موقوفًا. وهذا الموقوف الصحيح أن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا ما يقال بالرأي. وعمومات الأدلة تدل عليه. فجعل الطواف في البيت، وبالصفى والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله. إذن كما قال: يكثر الطائف، ومن يسعى، ومن يؤدي المناسك، من ذكر الله سبحانه وتعالى. كما كان فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يذكر الله في حجه كثيرًا. بل كما كان يفعل ابن عمر: يمر بالخيام فيكبر، ويكبر الناس بتكبيره في أيام التشريق. فإذا كان هذا في مثل هذا، فكيف في أداء النسك؟ طواف وسعي ورمي جمار؛ فينبغي أن يحرص على ذكر الله سبحانه وتعالى. وأنواع الذكر كثيرة: يقرأ قرآن، يسبح، يهلل. ومن الخطأ الالتزام بالكتاب الذي يقرأ فيه الذي يقرأ فيه للدعاء: دعاء الشوط الأول، دعاء الشوط الثاني، دعاء الشوط الثالث. وبعضهم أول شيء هذا لم يثبت فيه شيء عن الشبيه عليه الصلاة والسلام. وباب العبادات توقيفي. أنك تجعل لكل شوط دعاء خاص، هذا يحتاج إلى دليل. وأمر آخر: أن بعضهم ربما لا يحسن التصرف. يطوف بسرعة، أو يقرأ بسرعة، ويطوف ماذا؟ ببطء. أو العكس. فتجده يقرأ كأنه يقرأ جريدة: دعاء الشوط الثالث، ويبدأ يقرأ دعاء الشوط الرابع، ويكون هو في الشوط الخامس، ويقرأ دعاء الشوط الرابع. وأذكر مرة نصحت أحد هؤلاء، قلت له: اقرأ قرآنًا، واذكر الله. وترك هذا الكتاب. فنظر إليه، وسكت، ثم مشى. دعاء الشوط الخامس. فقلت له: أنت في الشوط كم الآن؟ معه المسبحة، رأى. قال: الشوط الثالث. قلت له: أنت الآن في الثالث، وتقرأ دعاء الشوط الخامس؟ فسكت، وابتسم، ثم رد الصفحات إلى الوراء مرة ثانية: دعاء الشوط الثالث. فهذا من يعني ماذا؟ آثار مخالفة السنة. وهكذا كذلك لم يزل العلماء ينصحون في هذا الباب، ينصحون في هذا الباب. فالحرص على السنة هو الأفضل: تقرأ قرآنًا، تستغفر، تدعو الله سبحانه وتعالى، تفعل ما يتيسر من أنواع الذكر، وهي كثيرة. قال رحمه الله تعالى: «قالوا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسوله مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وصلت عليها رسوله والمؤمنين. وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي. فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد. ومن قتل له قتيل، فهو بخير النظيرين». فقال العباس: «إلا الإذخر يا رسول الله! فإننا نجعله بقبورنا وبيوتنا». فقال: «إلا الإذخر»». متفق عليه. نعم، هذا جعله رحمه الله، وختم به هذه الأحكام فيما يتعلق بالحج، في الكلام على حرمة مكة. فمكة حرام بحرمة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وحرمة مكة في ألا يسفك فيها دم، وأن لا كذلك يصاد فيها صيدًا، بل ولا ينفر صيدها، ولا يقطع شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تؤخذ لقطتها؛ تعظيمًا لمكة. وحدود حرم مكة معلوم إلى يومنا هذا، له علامات حفظها الناس من زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وقد أنزلت لجنة حديثًا لاستحداث هذه العلامات وتجديدها حتى لا تندثر. وأخبرنا الشيخ وصي الله عباس -وهو كان في هذه اللجنة- قال: شيخنا الشيخ وصي حفظه الله قال: صعدنا على الجبال، فوجدنا آثارًا عجيبة قديمة تدل على هذه الحدود للحرم. سبحان الله! كيف حفظها الله سبحانه وتعالى؟ فحدود الحرم معروفة من قديم، يتوارثها الأجداد عن الآباء، ويجدونها أمامهم كما نجد اليوم نحن هذه الجبال. نعرف هذا الجبل ما اسمه؟ قالوا: هذا جبل الضبة. ما أحد يخطئ فيه. وهذه سدة الخور. ما أحد يخطئ فيها. وهذه سدة العيدروس. ما أحد يخطئ فيها. علامات كذلك لحدود الحرم في مكة علامات معلومة. واليوم جددت هذه العلامات بعلامات أوضح، كتب عليها: «حدود الحرم» من كل الجهات. من كل الجهات توجد حدود للحرم؛ فلا يجوز كما ذكرنا أن يعتدى على هذه الحدود. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما حلت لي ساعة من نهار» -يعني في فتح مكة- أحلها الله له خاصة هذا الوقت؛ ليفتح مكة، وتتحول مكة من بلاد كفر إلى ماذا؟ إلى بلاد إسلام. إلى بلاد إسلام. وبعد هذا لا يحل، كما قال عليه الصلاة والسلام، لأحد بعدي. وقوله: «حبس عن مكة الفيل» -معنى عذب أهل الفيل- لماذا؟ لحرمة مكة، ولعظم منزلة مكة. فمكة حرام محرمة. ومن تعظيمها وتحريمها: أنه لا ينفر صيدها، فضلاً أن يصاد. ومن صاد شيئًا، فعليه جزاء الصيد. بل ويعاقب من ولي الأمر بما يناسبه. ولا يجوز أن ينفر الصيد؛ حتى هذا الحمام الكثير الذي في مكة، لا يجوز أن تهشه -تنفيره- هشه تركه. وكذلك الأولاد؛ حتى الأولاد نعلمهم أن صيد مكة لا ينفر؛ تعظيمًا لمكة. وكذلك شجرها لا يقطع، وحشيشها لا يختلأ؛ يترك. قال العباس: «إلا الإذخر» -استثنى الإذخر- حشيش يستعملونه. نوع من الشجر معروف، مثل الحشيش يستعملونه في طين البيوت. مثل نحن ما نستعمل هنا: نخالة البر الذي يسمى التبن. تعرفون التبن؟ يستعمل لماذا؟ يليس به الطين، أو يخلط مع اللبن. كذلك الإذخر. وهكذا يجعل في القبور؛ فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقاس عليه العلماء كل ما تدفع به الضرورة؛ فإنه يجوز. ويستثنى من هذا ما يزرعه الإنسان. وإن المقصود الزرع الطبيعي. أما ما يزرعه الإنسان، فإنه يستثنى؛ كما يستثنى بهيمة الأنعام؛ لأنها ليست من الصيد. وكذلك ذكر العلماء من الأحكام: أنه لا يجوز أن تلتقط اللقطة إلا لمعرف -أي منشد-. واليوم إذا وجدت لقطة، فعرفها، أو ضعها في الأمانات. أم من تأخذها؟ فلا يجوز. لا تأخذها. قال رحمه الله: «وقال: المدينة حرام ما بين عير إلى ثور». رواه مسلم. بل هو في البخاري ومسلم -الحديث الصحيحين-. ومعنى: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» -أي حرمة المدينة من هذين الموضعين-. وعير: جبل في مدخل الداخل إلى المدينة، بالقرب من ذي الحليفة. وثور: وثور جبل صغير خلف جبل أحد معروف، يسمى ثور. هذا حدودها من جهة الشمال والجنوب. ومن جهة الشرق والغرب؛ فكما جاء في الحديث الآخر: «ما بين لابتيها». واللابتان: الحرتان الشرقية والغربية. الشرقية والغربية. فهذا حدود حرم المدينة. وقال عليه الصلاة والسلام كذلك: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة». والحديث في الصحيحين، عن عباد بن تميم رضي الله عنه أرضاه. وهكذا كذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حمى المدينة كل ناحية بريدًا. بريدًا. لا يخبط شجره، ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل» -يعني ما يمكن أن تسوق به الجمل مما تقطعه وتجر به الجمل- تمسكه بيدك، تأخذ بيدك شيء معك جمل استعصي عليك أن يذهب معك إلى البيت، فتقطع شيء لأجل أن تجره وتسوق به الجمل. لا لأجل أن يعلف ويأكل. هذا هو الصحيح. وبريد في بريد البريد: أربعة فراسخ. والفرسخ كما مر معنا في دروس سابقة في كتاب الصلاة، في مسألة السفر: أنه ثلاثة أميال. يعني معناه: اثنا عشر ميلاً. قال العلماء: أكثر من هذا الحد المذكور؛ فيدل أن حمى المدينة يزيد عن حرمها. فللمدينة حمى، وللمدينة حرم. بخلاف مكة: الحرم والحمى واحد. أما المدينة فالحمى أكثر من الحرم. الحمى أكثر من الحرم. كيف ذاك؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا الحمى أن يكون محلاً لإبل الصدقة ترعى منه؛ ترعى منه إبل الصدقة. لا يعتدي عليها أحد بقطع واحتطاب وغيره. ولاحظوا اللفظ: لفظ الحمى جاء في البريد. بريد. وهو الحديث عند ماذا؟ النسائي، وغيره. جاء من حديث جابر، وأبي هريرة، وجماعة من الصحابة. وذكروا الشيخ الألباني في «الصحيحة». فالحمى غير التحريم. حرمة المدينة ما بين لابتيها، وما بين عير لثور. وأما الحمى فهو أكثر من هذا. والحكمة هو ما سمعتم: لأجل أن تستفيد إبل الصدقة من هذه الأشجار؛ فترعى فيها، وأن لا يعتد عليها باحتطاب، ولا غيره. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر من يعتدي على حرمة الحرم أن يؤخذ سلبه. فقد جاء عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنه وجد رجلاً بوادي العقيق -وهو ذاهب إلى قصره- وكان قصر سعد في وادي العقيق كما مر معنا في درس السيرة قريبًا. فرأى رجلاً، وكان غلامًا لبعض الناس المدينة، يقطع شجرًا في وادي العقيق؛ فأخذ سلبه. فجاء إليه، فقال: ما كنت لأرده. وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأيتموه يصيد، أو يقطع شجرًا، فلكم سلبه» -يعني في حرم المدينة-. فهذه عقوبة لأجل أن تبقى حرمة المدينة، ولا يعتدى عليها، ولا يعتدى عليها بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «وقال: خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور». متفق عليه. وقد جاء من حديث عائشة بالصحيحين، وله ألفاظ. ومن حديث ابن عمر كذلك في الصحيحين، وله ألفاظ. وهذا الحديث جاء في لفظ: «خمس من الدواب» وذكر ذلك. وجاء في لفظ: «أربع من الدواب» ولم يذكر العقرب. وجاء في لفظ: «ست» وزاد: «الغراب الأبقع» والحية. ولم يذكر العقرب. وجاء في لفظ: «خمس من الدواب» وقدم وأخر بعض المذكور. المقصود من هذا: أن هذا الاختلاف في العدد يؤكد قاعدة نبه عليها العلماء، وتكرر تنبيه عليها في دروس سابقة: أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، ولا حكم له. ولكن ماذا يفيد؟ يفيد تأكيد المذكور. وما كان بمعنى: فإنه يلحق به في الحكم. فالغراب، وما يلحق به من أنواع الطيور التي تنزل كثيرًا. والحدأة، وما يلحق به من أنواع الطيور التي تنزل قليلاً. والعقرب، وما كان بمعنى من التي بمعنى العقرب من دواب الأرض الصغيرة، بمثابة الحشرات الضارة، كالعنكبوت الأسود، وغيرها من أنواع هذه. والفأرة، وما كان بمعناها من الفويسق. والكلب العقور، وما كان بمعناه من السباع؛ فالذئب من باب أولى، والسبع من باب أولى. وهكذا. فإذن هذا لا يقتل في الحل، ولا هذا لا يحرم في الحل، ولا في الحرم؛ حتى في الحرم يقتل. ويستثنى من معنى السباع: الضبع؛ فإن الضبع صيد كما جاء في حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يستثنى الضبع؛ فإنه صيد. وهذا هو القول الصحيح الذي صححه سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا يجوز قتله؛ لأنه صيد. لكن إذا اعتدى عليك، فيجوز قتله. ولهذا فإنه يقتل حتى الصيد إذا صار بمعنى الكلب العقور؛ قد يعقر الكلب قد يعقر الكلب -مثلاً الوعل- ويقع هذا الكلب العقور ربما يعض الناقة، فتصير الناقة مثل الكلب العقور تريد تعض؛ فتقتل. وكذلك الوعل إذا صار مثل الكلب معقورًا، ويجري خلف الإنسان يريد عضّه؛ فماذا يفعل به؟ يقتل. فإذا الحكم يدور مع التي ماذا؟ وجودًا وعدما. يدور مع التي وجودًا وعدما. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.