كتاب الخصومة  1

كتاب الخصومة 1

الدرس في كتاب الخصومة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام الخصومة والشهادات

يناقش الشوكاني أهمية البينة على المدعي واليمين على المنكر، ويستشهد بالأحاديث النبوية الصحيحة مثل حديث الأشعث بن قيس وحديث ابن عباس. كما يشير إلى شروط قبول الشهادة وأنواعها.

أقسام شهادة النساء وضوابطها

قسم العلماء شهادة النساء إلى أربعة أقسام: ما تقبل فيه بشهادة امرأتين مع رجل في الأموال، وما تقبل فيه بشهادة امرأة واحدة في أمور النساء الخاصة، وما لا تقبل فيه شهادتها أبدا في الدماء والحدود، وما فيه خلاف بين العلماء.

شروط وضوابط قبول الشهادة في القضايا المختلفة

يشترط في الشاهد العدالة والأمانة، ويجوز التسامح في بعض الشروط عند الضرورة حتى لا تضيع الحقوق. كما يبين أن معنى العدالة قد يختلف باختلاف الزمان والمكان، ويتناول مسألة شهادة الخائن أو ذي الخصومة أو القريب.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: كتاب الخصومة: قال: على المدعي البينة، وعلى المنكر اليمين. ويحكم الحاكم بالإقرار، وبشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو رجل ويمين المدعي. قالوا: بيمين المنكر، وبيمين الرد. قالوا: بعلمه. ولا تقبلوا شهادة من ليس بعدل، ولا الخائن، ولا ذي العداوة والمتهم، والقانع لأهل البيت، والقاذف، ولا بدوي على صاحب قرية. وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة. وشهادة الزور من أكبر الكبائر. وإذا تعارض البينتان... كذا عندكم؟ نعم. قال: وإذا تعارض البينتان ولم يوجد وجه ترجيح، قال: قسم المدعي أو المدعيان. قال: وإذا لم يكن للمدعي بينة، فليس له إلا يمين صاحبه، ولو كان فاجرا. ولا تقبل البينة بعد اليمين. ومن أقر بشيء عاقلا بالغا غير هازل، ولا بمحال عقلا أو عادة، لزمه ما أقر به كائنا ما كان. قال: ويكفي مرة واحدة من غير فرق بين موجبات الحدود وغيرها، كما سيأتي. أورد المؤلف -رحمه الله- على ما مر معنا من كتب وأبواب ومسائل كتاب الخصومة هاهنا، وما تضمنه هذا الكتاب من مسائل أشار إليها قوله: كتاب الخصومة، كما تقدم. كتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في أحكام الخصومة. ومعنى الخصومة واضح وظاهر، فهو من التنازع. ابتدأ هذه المسائل بقوله: على المدعي البينة، وعلى المنكر اليمين. وأشار بالشرح على وجه الاختصار إلى بعض أدلة هاتين المسألتين. ومن ذلك حديث الأشعث بن قيس الذي أشار أنه في الصحيحين، شاهداك أو يمينه. والصواب أن الحديث من أفراد الإمام البخاري عن الأشعث بن قيس، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث فقط. وفيه قصة يحكيها -رضي الله عنه- أنه كانت بينه وبين رجل خصومة في بئر، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يشكي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «شاهداك أو يمينه». فقال: إذن يحلف ولا يبالي -يعني أن الرجل ممن ليس عنده دين- فقال النبي -عليه الصلاة والسلام- عند ذلك: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان». قال الأشعث بن قيس -رضي الله عنه-: «ثم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] إلى آخر الآية». هذا هو لفظ الإمام البخاري. وجاء عند الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، وهو من أفراد الإمام مسلم، نفس الحديث بهذا اللفظ: «شاهداك أو يمينه»، ولكن ليست هذه القصة -ليست في قصة الأشعث بن قيس- يعني لم يذكر فيها الأشعث بن قيس، لعلها تكون في قصة الأشعث، ولم يذكر اسمه، ولعلها في قصة أخرى، والله أعلم. وروي في مسلم، في رواية أخرى، في حديث ابن مسعود: زاد النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الحديث قوله: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان». فكأن هذا الحديث -حديث ابن مسعود- هو نفس قصة الأشعث بن قيس، لكن رويت في البخاري من حديث الأشعث بن قيس، ورويت في مسلم من حديث ابن مسعود بدون ذكر الأشعث بن قيس. والشاهد من هذا قوله -عليه الصلاة والسلام-: «شاهداك أو يمينه». والشاهدان هم البينة. من البينة، من معنى البينة، معناه: فيه ما تقدم: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. وهكذا أشار إلى حديث وائل بن حجر الذي رواه الإمام مسلم، قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للكندي: «ألك بينة؟» قال: لا. قال: «فلك يمينه». وهذا الحديث كذلك فيه قصة. وفيها أنه جرى خلاف بين حضرمي وكندي في أرض هي في يد الحضرمي. وبه نعلم أن قوله: قال للكندي: «ألك بينة؟» خطأ. فالذي في صحيح مسلم: أنه قال للحضرمي: حين قال: «يا رسول الله، إن هذا -أي الكندي- أخذ أرضا لأبي». وأشار أنها تحت يده، فقال: «ألك بينة؟» قال: لا. قال: «فلك يمينه» -يعني يحلف- فقال عند ذلك الحضرمي: «إن الرجل فاجر يا رسول الله، لا يبالي على ما حلف، وليس يتورع في شيء». فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «ليس لك منه إلا ذلك». فلما أراد الرجل أن يحلف، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «معنى ما تقدم من حلف على يمين ليأكل مالا لا يحل له -أو كما قال-: لقي الله لقي الله وهو عنه معرض، لقي الله وهو عنه معرض» -يعني بمعنى ما تقدم، وهو عليه غضبان-. والشاهد منه قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ألك بينة؟» فالبينة على المدعي، واليمين على من أنكر. وكما قال: ولو كان فاجرا، كما سيأتي -إن شاء الله-. وهكذا أشار إلى لفظ حديث ابن عباس في الصحيحين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال -أو أنه قال: قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- باليمين على المدعى عليه -أو قضى: نعم- باليمين على المدعى عليه. وأوله قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لو يعطى الناس بدعواهم لدعاء ناس دماء قوم وأموالهم». لدعاء ناس دماء قوم وأموالهم. «ولكن البينة على المدعي». هكذا جاء في لفظ. وأشار إلى لفظ آخر هو من حديث ابن عباس، وقد صححه الحافظ -أو حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح- فيما رواه البيهقي عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». وأشار إلى أحاديث أخرى تدور حول هذا المعنى وهذه الألفاظ، وكلها أحاديث صحيحة -صحة- عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أحاديث ابن عمر، وحديث عبد الله بن عمر. فهذه كلها أحاديث صحيحة، فهي تدل أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. ومعنى البينة: يدخل فيه الشاهد، كما تقدم في حديث وائل بن حجر، حين قال: «ألك بينة؟» وقال في حديث الأشعث بن قيس: «شاهداك». فعلم أن الشاهدين مما يدخل في معنى البينة. وسيأتي معنا -إن شاء الله- تفاصيل فيها إضاح أكثر لمعنى هذا الحديث؛ لأن اليمين قد ترجع على المدعى عليه في أحوال. وقوله -رحمه الله-: ويحكم الحاكم بالإقرار. أشار إلى مستند هذه المسألة. وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في المسائل الآتية. أشار إلى حديث أبي هريرة المشهور في قصة العسيف، وهي في الصحيحين. وفيها قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «واغدوا يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». والشاهد في قوله: «فإن اعترفت». والمراد بالاعتراف هنا الإقرار، يعني: إذا أقرت بأنها زنت مع هذا الخادم، وهي متزوجة، فهي تستحق الرجم. وقوله -رحمه الله-: وبشهادة رجلين أو رجل وامرأتين. أما شهادة رجلين، فأكثر أدلة الكتاب والسنة تدل عليه، وهو ظاهر، وهو الأصل في الشهادات؛ لكثرة ما روي في هذا الباب. وخرج عن الأصل مواضع دل عليها الدليل. فمن أدلة الكتاب: ما أشار إليه -رحمه الله- في آية سورة البقرة، فإن الله -عز وجل- جعل مما يكون فيه توثق الحقوق شهادة رجلين. وقوله: أو رجل وامرأتين لنفس الآية في سورة البقرة، فإن الله -عز وجل- قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] هذا نص الكتاب. وفي الصحيحين، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، عن سعيد الخدري -رضي الله عنه-، حين ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للجل الحازم منكن». فسئل عن نقصان العقل ودين، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» فدل ذلك على هذا المعنى الذي دل عليه دليل الكتاب. والعلة من ذلك: كما قال الله -عز وجل-: «أن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» [البقرة: 282]؛ لأن النساء قد يحصل لهن من النسيان وعدم الضبط ما لا يحصل للرجال، وهذا على الوجه الغالب. والأحكام تقوم على الوجه الغالب. ولأن النساء قد يضعفن بخلاف الرجال، فإذا ضعفت واحدة ذكرتها الأخرى. وغير ذلك من المعاني التي تدخل في معنى الضلال. فالضلال هاهنا: المقصود به قول خلاف الصواب، سواء بعمد أو بخطأ. «أن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى». ولغرض تذكر: يشمل ما إذا كان ذلك الضلال على وجه خطأ، أو على وجه عمد. فإن كان من نسيان ذكرتها، وإن كان من ضعف دين، أو هوى، أو غير ذلك: كذلك ذكرتها. كله يدخل في معنى التذكير. وهذا من بلاغة القرآن. وقد نبه العلماء: أن شهادة النساء تنقسم إلى أربعة أقسام. القسم الأول: ما شهادتها بنصف شهادة الرجل، وهو بنص الكتاب في الأموال. وهكذا كذلك في السنة؛ لأنه في بعض الروايات: تل النبي -صلى الله عليه وسلم- الآية في سورة البقرة. وهذا له نظائر؛ فإن المرأة نصف الرجل في مواضع من الشرع، حصرها أهل العلم بالاستقراء، فهي خمسة: في شهادة الأموال، وفي الميراث، وفي الدية، وفي العقيقة، وفي العتق. هذه خمسة مواضع: المرأة فيها نصف الرجل. ولله -عز وجل- حكمة في ذلك. فالحكمة في الشهادة: كما ذكر الله: «أن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى». فهذا دليل الشرع. وفي العرف والحس والمشاهدة: وإن صاف العقول إذا أنصفت لا تجد بدا إلا أن توافق الشرع: أن المرأة ليست مثل الرجل. هذا هو الحكم الأغلبي لهن في ضبط الشهادات -في ضبط الشهادات-. ولهذا كانت شهادتها بنصف شهادة الرجل في الأموال. وألحق بالأموال بعض أهل العلم الحقوق؛ كل ما كان بمعنى إثبات الحقوق، فيشمل البيع والشراء، والوكالة، والإجارة، وغير ذلك من أنواع المعاملات التي يكون فيها إثبات الحقوق. وأما القسم الثاني من شهادة النساء: أن يكتفى فيه بشهادة امرأة واحدة. وقد جاء في صحيح البخاري، في حديث عقبة بن الحارث: أن امرأة سوداء شهدت أنها أرضعته هو وزوجته، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبره بذلك، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كيف وقد قيل؟» ففارقها عقبة -فارق امرأته- بشهادة امرأة واحدة -بشهادة امرأة واحدة-. قال العلماء: في هذا دليل أن شهادة المرأة في الرضاع، وقول جمهور أهل العلم هو الصحيح فيما هو من خصائص النساء: يكفي فيه شهادة امرأة واحدة، مثل الشهادة على البكارة، وأثيوبة. وكذلك على الصحيح: الاستهلال بولادة المولود أنه استهل صارخا. وغير ذلك مما يتعلق بأمور النساء مما لا يطلع عليه إلا النساء. وخالف بعض أهل العلم في بعض هذه المسائل. والصواب هو هذا؛ فإن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. والقسم الثالث من أقسام شهادة النساء: ما كان في الدماء والحدود، فإنه لا تقبل فيه شهادة المرأة أبدا. فلا يقبل فيه شهادة امرأة، ولا... يعني ذلك أنه إذا وقعت الشهادة لا يثبت به حكم، قد يثبت حكم، لكن ليس هو الحد، قد يكون تعزير، قد يكون غير ذلك، لكن لا تثبت به في الدماء والحدود أي أحكام -ولا تقبل-. والقسم الرابع: ودليل ذلك الأدلة الكثيرة التي جاءت في أدلة الكتاب والسنة في مسائل الحدود، وما كان بمعناها، وما كان بمعناها: فليس فيه ذكر النساء أبدا. وهكذا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلم أنه قبل فيه شهادة امرأة في هذا. وقد رويت فيه آثار كثيرة تثبت معنى هذا الحكم. فقد روي عن الزهري أنه قال: «مضت السنة أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود». وجاء في رواية عنه: في الحدود والنكاح والطلاق. أما النكاح والطلاق: فهذا فيه خلاف، وهو القسم الرابع: ما كان من شهادة النساء في غير الأقسام الثلاثة، مثل النكاح والطلاق والخلع، وما كان بمعناه. فهذا فيه خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من ألحقه بالحقوق. ومن أهل العلم من جعله لا يدخل في الحقوق. ومن تأمل الأحاديث: وجد أنها ليس فيها ذكر النساء. «لا نكاح إلا بوليٍ وماذٍ وشاهدي عدلٍ وشاهدي عدلٍ». ولهذا كان الأحوط عدم قبول شهادة النساء في النكاح، وما كان بمعناه. فإن قيل: لماذا في شهادة الحقوق حصل فيه هذا التوسعة؟ وهكذا ما كان من خصائص النساء؟ أما ما كان من خصائص النساء، فلا إشكال؛ حتى لا تضيع الحقوق؛ لأنه قد جرت العادة والعرف أن مثل هذا لا يطلع عليه إلا النساء، فإذا لم يشهدن سقطت هذه الحقوق. فلأجل هذا قبل الشرع بشهادتهن. هذا أمر. وأمر آخر: كما ذكر بعض أهل العلم؛ لأنهن يضبطن هذا الباب أكثر من الرجال -يضبطنه أكثر من الرجال-. ما كان من خصائص النساء: قد تنسى المرأة أمور الأموال، وقد تنسى أو تخاف أو كذلك لا تستطيع أن تضبط أمور الجرائم، لكن ما يتعلق بخصائص النساء لا تكاد امرأة تخطئ في ذلك إلا القليل النادر، فلا تنسى لو رأت بنتا ولدت وهي ليست فيها بكارة، ما تنسى مثل هذا. أو كذلك أنها أرضعت فلان من الناس، لا تكاد المرأة تنسى مثل هذا. والنادر لا حكم له. وأما ما يتعلق بالأموال، وما كان بمعناه من حقوق -على ما تقدم على الصحيح-: فكما تقدم: قبل بشهادة امرأتين مع رجل. وذلك أولا؛ لأن هذا يكثر التعامل به والابتلاء، حتى لا تضيع الحقوق، قبل شهادة النساء على هذا الشرط والقيد. ولأنه كذلك؛ لكثرة التعامل به صار عند النساء من الخبرة والمعرفة والجرأة في هذا الباب ما لا يكون في غيره. ومع ذلك احتياطا وتثبيتا للحقوق: جعلت شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل. قال -رحمه الله تعالى-: أو رجل ويمين المدعي. وأشار في الشرح إلى دليل ذلك، وهو ما تقدم في حديث ابن عباس، والذي فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بيمين وشاهد -بيمين وشاهد-. وهذا هو من المعاني التي تضاف في قوله: البينة على المدعي؛ فإن البينة قد تكون شاهد واحد، ولكن يعضد الشاهد الواحد ماذا؟ يمين -يمين المدعي-. فلو مثلا اختلف اثنان، فقال أحدهما: هذه الأرض لي. وقال من تحت يده: بل هذه الأرض لي. فهنا؛ لأن الأرض تحت يد الثاني، فالأول عليه البينة، والثاني عليه اليمين. فإن كان الأول ليس عنده بينة، لكن عنده شاهد واحد فقط، فيقال: شاهدك مع اليمين تستحق به الأرض -شاهدك مع اليمين-. وأشار إلى عدة أحاديث بعضها فيه ضعف، وبعضها صحيح. وأصل هذا الحديث -كما تقدم- صحيح، وهو يثبت هذا الحكم. وقد أشار -كما ذكر الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- إلى أن عدة من روى هذا الحديث بحكمه ومعناه أكثر من عشرين صحابي، وهو قول جمهور أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. ثم قال -رحمه الله تعالى-: أو وبيمين المنكر -نعم- ويمين -نعم- أو رجل ويمين المدعي وبيمين المنكر وبيمين الرد. هذه مسألة أخرى. ومعنى يمين المنكر: أن يجوز الحكم بيمين المنكر إذا لم تكن عند المدعي بينة، حتى ولو كان هذا المنكر فاجرا، كما تقدم في الحديثين السابقين: حديث الأشعث بن قيس، وحديث وائل بن حجر. ففي حديث الأشعث بن قيس: قال: «إذن يحلف ولا يبالي». قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «من حلف على يمين صبر يقطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر لقي الله عليه غضبان». وفي حديث وائل بن حجر: قال: لما قال الرجل: «إن الرجل فاجر يا رسول الله، لا يبالي على ما يحلف، وليس يتورع في شيء». فقال -عليه الصلاة السلام-: «ليس لك منه إلا ذلك» -يعني اليمين- يعني ليس لك منه إلا اليمين، وهو اتهم الاثم -هذه اليمين الفاجرة-. وقوله: وبيمين الرد. معنى يمين الرد: يعني ما يرجع من يمين على المدعي، لو أنكر أو رفض أو رفض المدعى عليه الحلف، فترجع اليمين إلى من؟ إلى المدعي. فإن حلف استحق ذلك. وهذا قد يحصل لسبب أو لآخر. وأشار إلى أنه جاء في بعض ألفاظ حديث ابن عباس: «ولكن اليمين على المدعى عليه». فاستدل العلماء بهذا مع آثار كثيرة رؤيت في الباب، وعموم قول الله -عز وجل-: «أَنْ تَرُدُّوا أَيْمَانًا بَعْدَ أَيْمَانِكُمْ» [المائدة: 89]. وهذا فيه دليل على تراد اليمين، يعني: إذا لم يرض من عليه اليمين أن يحلف، يحلف الآخر ويستحق الحق -ويستحق الحق-. فالأصل: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. طيب، فإذا حلف الاثنان، فلمن؟ الجواب: لمن هي في يده -لمن هي في يده- هذا هو الأصل: بقاء ما كان على ما كان. وقوله -رحمه الله-: قال: وبعلمه. ومعنى وبعلمه: يعني بما يعلم القاضي، إما من بينة لا يمكن حضورها، أو بنكول كذلك عند قول بعض أهل العلم: كما أشار -رحمه الله- «ولكن اليمين على المدعى عليه». قال: فعلى القاضي... أشار في الشرح، قال: فعلى القاضي أن يلزمه بعد النكول عن اليمين بأحد أمرين: إما اليمين التي نكل عنها -يعني رفض- أو الإقرار بما ادعاه المدعي. وأيهما وقع كان صالحا للحكم به، كما مر، وكما تقدم: اليمين ترجع إلى الآخر، فإذا حلف ثبتت له. وإذا رفض هذه اليمين، وأتى هناك ببينة، أو حتى بنصف بينة كشاهد واحد: كفى هذا بالقضاء بذلك. أو كذلك بما يعلمه القاضي، فله أن يجتهد. فإذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر. وقوله وذكر بعد ذلك الحكم بعلمه، قال: لأنه يدخل في معنى العدل الذي أمره الله -عز وجل- به. وما دام أنه عنده علم في ذلك، فإنه له أن يقضي بهذا، ولا شك أنه لن يفعل ذلك على وجه الهواء، إذا كان محل أمانة -أمانة ودين وعدل-. وقوله: ولا تقبل شهادة من ليس بعدل، ولا الخائن إلى آخره. لعموم الأدلة في هذا، وهي كثيرة. وأشار إلى بعضها: «وأشهدوا ذوي عدل منكم». وهكذا قوله -سبحانه-: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] يعني: ممن يرضى في عدالته وأمانته. وقوله -سبحانه-: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: 6] كل هذا وغيره من الأدلة: يدل على شرطية وجود صفة الشاهد المرضي في الشرع. ولكن ها هنا أمر نبه عليه العلماء في معنى العدالة؛ إذ معنى العدالة في اصطلاح أهل العلم قد يختلف باختلاف الزمان والمكان؛ لأن المقصود هو عدم إضاعة الحقوق -عدم إضاعة الحقوق-. فاشتراط عدم الفسوق من أعظم معاني العدالة. لكن معروف تفاصيل ذكرت في كتب المصطلح، ومرت معنا في دروسنا. لكن المقصود هنا: معنى الفسوق قد يختلف من زمان إلى آخر. فمثلا: حلق اللحية كان في زمن ليس ببعيد يعتبر من معاني الفسوق التي يكون بها نقصان وصف العدالة. ومثله شرب الدخان. أما اليوم: أكثر المسلمين -وللأسف- ابتلوا بهذا، فلو قلنا بهذا الشرط ضاعت أكثر حقوق الناس -ضاعت أكثر حقوق الناس-؛ لأن الواحد ما سيستطيع يثبت حقه، من أين يأتي بصاحب يشهد أن هذا أخذ أرضه؟ أو واحد لا يشرب دخان بأن هذا أخذ ماله؟ هذا صعب. ولهذا قال العلماء: هو يختلف من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر. وإن كان الأصل: أنه ينبغي أن يأتي بأكمل الشهداء صفة. وبعض أهل العلم فرق بين ما يكون ابتداء وبين ما يكون تبعا، يعني مثلا: أنت ستأتي بالشاهد، أتي أكمل الصفات، لكن شيء قد ثبت ووقع، ما عندك أحد يشهد إلا هذا الموجود، كان حاضرا في وقت الخصومة. هذا يختلف، قد يتسامح فيه بنقصان الصفات. فإن قال: قال: ما هو الدليل على هذا؟ الدليل على هذا: قال العلماء: التفريق بين باب الأموال وما كان بمعناها من الحقوق التي تكون بمعنى التبع، وبين باب الحدود وما يلحق به من أبواب الأنكحة وغيرها التي تكون ابتداء. هذا معنى كلامهم. يعني: تأملوا في الحدود: أربعة شهداء في الزنا. وفي هذا ماذا؟ هذا إنشاء. الآن أنت ستقيم شيء، ليس تريد تثبت شيء، تريد تقيم حد -تنشئ-. ومثله النكاح: شاهدي عدل، ما في شاهدتي عدل، ولكن ماذا؟ شاهدي عدل. بخلاف الحقوق الأموال وغيرها، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] فإن لم يكونا... نعم. فهنا حصل التفريق. فقال العلماء: كذلك يكونوا بالنسبة لعدم توفر الشاهد كامل الصفات؛ حتى لا تضيع حقوق الناس. ومما يؤيده: قضاء النبي -صلى الله عليه وسلم- باليمين والشاهد هناك، قال ماذا؟ «شاهداك». وفي الحديث الآخر: قضى بماذا؟ باليمين والشاهد. فدل على أن هذا الباب لأجل أن لا تضيع الحقوق، إذا اضطر إلى ذلك: فيتسامح ببعض هذه الشروط؛ حتى ما كان من خصائص النساء، انظروا: قبل فيه شهادة امرأة واحدة. وكله يدور حول هذا المعنى. وهذا من الفقه الذي ينبغي أن يتأمل ويتدبر؛ فإن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وقوله: ولا شهادة للخائن، وللحاقد، وللمتهم. أدلة كثيرة. ومنها ما أشار إليه فيما رواه بعض أهل السنن والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن نبيه عن جده عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه» -يعني صاحب عداوة وخصومة- «ولا يجوز شهادة القانع لأهل البيت» -يعني القريب- ومن تكون له بهم صفة. فالقانع: ذكر بأنه الذي ينفق على أهل البيت. وقيل: الذي يحسن. وقيل: الذي يكثر قربه ودخوله. وقيل: غير ذلك. فكلها معاني تدل على من له صلة ومعرفة؛ لأن ذلك مظنة عدم الصدق في الشهادة. وأشار إلى أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، وكلها تدور حول هذا المعنى. فإذن: لا شهادة لمن عنده ما هو ينافي العدالة من الفسوق. وكذلك خوارم المرؤة التي مثلها قد تكون سببا لعدم الأمان في الشهادة، أو عدم ضبطها. ومن باب أولى المعاني الأخرى التي أشار إليها: من الخيانة والتهمة، كأن يكون علم بسرقة أو زنا أو غير ذلك. والله -عز وجل- قال في حق الزانية والزانى: ﴿وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمَا شَهَادَةٌ أَبَدًا﴾ [النور: 4] وفي حق من يرمي المحصنين -المحصنات-: ألا تقبل لهم شهادة أبدا. وهذا يدل ويؤكد هذا المعنى. وكذلك من كان عنده مظنة المحاباة من الأقربين ونحوهم، أو مظنة التشفي من الأعداء وأهل الخصومات. ثم ذكر شهادة القاذف، كما تقدم؛ لأن الله -عز وجل- قال: ﴿وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ شَهَادَةٌ أَبَدًا﴾ [النور: 4] بعد أن ذكر من يرمي المحصنات. وذكر من المسائل: شهادة البدوي على صاحب القرية. ودليله: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود، وابن ماجة وغيرهم بإسناد حسن، وقد صححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه. وفيه قال -عليه الصلاة والسلام-: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية». وقد اختلف العلماء في سبب هذا الحديث وتفسيره. قال بعض أهل العلم: لأن البدوي مظنة عدم ضبط الشهادة بجهله بإحكام الشرع، وقلة دينه. قال الله -عز وجل-: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: 97] فالأعراب يدخل فيهم البدو، فهم مظنة عدم ضبط الشهادة، إما لقلة العلم، وإما لقلة الدين. وقال بعض أهل العلم: بل هو لكثرة وغلبة ما يقع من تنافر بين أهل البادية وأهل الحاضرة. وهذا كان من قديم، وهو إلى يومنا هذا: يوجد تنافر بين أهل البادية وأهل الحاضرة، فقد تكون الشهادة فيها شيء من البغي بسبب هذه العداوة التي قد توجد بينهما. أو التنافر الذي يكون سببا في نصرة البدوي لصاحبه، أو نصرة الحضر لصاحبه. وكل الأمرين والمعنيين صحيح. فلا يجوز شهادة بدوي لبدوي كما لا يجوز شهادة حضري لحضري -العكس-. لماذا؟ لأن الشرع دل على رد الشهادة في كل ما هو مظنة التحاب والتناصر، وما كان بمعناه مما يكون به عدم أداء الشهادة على وجهها. وكذلك الأمر الآخر: شهادة البدوي إذا كانت ممن مظنته الجهل وقلة الدين. أما إذا كانت ممن ليست مظنته الجهل وقلة الدين: فتقبل مثل شهادة بدوي على بدوي، ليس فيها مظنة البغي، وكانت ممن ظاهره قبول عدالته: فتقبل. لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «شاهداك أو ماذا؟ أو يمينه». هذا عام يشمل شهود الحاضرة وشهود البادية. وبهذا تجتمع الأدلة -والله أعلم-. وقوله: قبول شهادة من المقر. دليلهما تقدم في قصة حديث أُنيس. فهذا معنى من معاني الإقرار. وكذلك ما هو أوسع من ذلك: ممن يشهد على تقرير، مثل قصة عقبة الذي تقدم. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: حين ذكر له قصة المرأة السوداء التي شهدت، قال: «كيف وقد قيل؟» تقرير. ومعنى... أن هذا الأمر حصل فيه تقرير؛ لأنها أقرت أنها أرضعته. وبعض أهل العلم استدل ببعض ألفاظ القصة: أن القيل ذكر، ثم سئلت المرأة فأقرت، يعني: أن بعض الناس قالوا: كأن سمعنا أن فلان أرضعتك -وهذه المرأة- فسألها، فقالت: نعم. فعند ذلك قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «كيف وقد قيل؟» فإذن: المقر على نفسه، والمقر على غيره: كله يثبت به الحكم. المقر على نفسه: قصة أنيس. والمقر على غيره: قصة عقبة في المرأة التي أرضعت. ثم ذكر -رحمه الله تعالى-: نعم. وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة. وهذا القيد: إذا انتفت التهمة من باب التأكيد، وإلا هو في كل معنى الشهادة والإقرار منه. فبالنسبة للمقر على نفسه: سيأتي -إن شاء الله- ما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر باستنكاه ماعز حين اعترف على نفسه. ومعنى: شم: هل تجدون فيه رائحة خمر؟ يقول: يعني وهو يشعر ما يقول أم لا؟ وفي رواية: أنه سأله: أبيك جنون؟ قال: لا. وهكذا كذلك بالنسبة للمقر على غيره: إذا كان ليس هو مظنة التهمة، انتفت عنه التهمة: فيقبل. وقول: وشهادة الزور من أكبر الكبائر. لما روي في هذا الباب. ومنه حديث أنس في الصحيحين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور وشهادة الزور». وفي حديث أبي بكرة في الصحيحين: كررها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألا وقول الزور وشهادة الزور». فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت -يعني رفقا به -عليه الصلاة والسلام-. ومعنى أنه كررها أكثر من ثلاث مرات. ومن المسائل: ما أشار إليه من الحكم عند تعارض البينة -عند تعارض البينة-. وأشار في ذلك إلى حديث أبي موسى. وجاء معناه في أصل في الصحيحين. وفيه قصة الرجلين ادعيا بعيرا، فبعث كل منهما -أو كل واحد منهما- بشاهدين، فقسمه النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما نصفين -قسمه بينهما نصفين-. وفي هذا دليل على أنه عند استواء البينة أو تعارضها: يقسم -يقسم-. فهل معناه هنا: أنه يذبح الجواب؟ لا. هو بينهما نصفين، بعد ذلك: يتفقان، إما أحدهما يشتريه من الآخر النصف، وإما غير ذلك. ولا شك أن أحدهما مخطئ، لكن قد يكون مخطئ بغير عمد؛ لأنه قد يحصل الاشتباه، قد يحصل الاشتباه. وإنما الأعمال بالنيات، كل واحد بنيته. لكن هذا حكم الشرع فيما وقع مثله. وأشار إلى قصة أخرى تدور حول هذا المعنى كذلك، وإن كان فيها ضعف، لكن هي بمعنى ذلك. وأما قوله في الحكم عند فقد البينة وعدم وجود ترجيح: أنه قال: وَأَمَّا كَوْنُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا يَمِينُ صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ فَاجِرًا. فلحديث الأشعث الذي مر معنا سابقا، ونحوه حديث وائل بن حجر. فعند ذلك: إذا لم يكن بينة، فيبقى على من كان تحت يده؛ لأن الأصل: