الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح آراء الفقهاء حول مس الذكر والوضوء، حيث عرض أربعة أقوال رئيسية في هذه المسألة. يُظهر اختلاف الفقهاء في حكم الوضوء عند مس الذكر.
عرض آراء الفقهاء في حكم الوضوء من مس الذكر وترجيح الوضوء مع تفصيل في بعض الحالات. كما تطرق إلى حكم الوضوء مما مسته النار وترجيح نسخه.
يتناول حكم الصلاة في مرابض الإبل والغنم، حيث نهى النبي عن الصلاة في معاطن الإبل وأمر بالصلاة في مرابض الغنم. يوضح طهارة روث وبول ما يؤكل لحمه.
يتضمن ختامًا بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكدًا على أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.
يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام بن تيمية، رحمهم الله تعالى. تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السابع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بمسائل الصيام، في أثناء ذكره لبعض المرجحات التي استدل بها في رد بعض أقيسة بعض الفقهاء في القول بالإفطار في تلك المسائل التي أشار إليها، مع عموم البلوى بها وعدم ورود شيء صحيح صريح يدل على الإفطار بها. فقد ذكر أوجها من هذه الأوجه: الأول فيما يتعلق بالقياس، وأنه ليس فيه حجة، وقياس يعارض الشرط، لأنه يعارض الأصل، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. والثاني ما يتعلق بعدم البيان مع الحاجة، ودواعيه كثيرة، فدل على عدم الحكم بالإفطار في تلك المسائل، أي: الكحل وما كان بمعناه مما تعم به البلوى، ولم يأت ما يدل على أنه مفطر. وهكذا كذلك في ثنائه ذلك، وأثناء ذلك، أشار رحمه الله إلى بعض المسائل استطرادا. ومن ذلك ما أشار إليه في قضية غسل المني وفركه، سبق الكلام على ذلك. ثم ما أشار إليه كذلك في مسألة ملامسة النجاسات أو النجاسات الخارجة من غير الجسد، من غير المخرج، ولكن من أطراف الجسد. وهكذا كذلك كان آخر ما ذكره رحمه الله الكلام على الملامسة، وتوضيح معناها: أن المقصود بها الجماع، ليس مطلق مس المرأة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة، كما تقدم معنا عند أبي داود وغيره: أنه كان يقبل بعض نسائه، فيخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ. ثم قال رحمه الله تعالى: قال، وأمره بالوضوء من مس الذكر إنما هو استحباب، إما مطلقا وإما إذا حرك الشهوة. وكذلك يستحب لمن لمس النساء فتحركت شهوته أن يتوضأ، وكذلك من تفكر فتحركت شهوته فانتشر. وكذلك من مس الأمرد أو غيره فانتشر، فالتوضؤ عند تحرك الشهوة من جنس التوضؤ عند الغضب، وهذا مستحب. لما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وإن النار تطفأ بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ». يشير إلى الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود، كما أشار المعلق، ولكنه ضعيف. كان الشيخ الألباني رحمه الله يحسنه، ولكن تراجعا فضعفه، كما في الضعيفة حديث خمسمائة واثنين وثمانين، ففيه مجاهيل، وليس له شاهد صحيح. لكن معناه ورد في بعض الأدلة الأخرى. والمقصود أنه يشير هنا إلى أن مس الذكر ليس فيه الوضوء مطلقا، وإنما فيه التفصيل الذي أشار إليه، يعني إذا تحركت الشهوة، وإذا بدون شهوة، فهو على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب. وهذه المسألة مسألة من مسائل كتاب الطهارة، ذكرها العلماء في كتب الفقه والشروح الحديث. وقد اختلف العلماء فيها اختلافا واسعا وكبيرا، ويذكر هذا في كتب المطولات. ولكن يذكر على وجه الاختصار، إتماما للفائدة، ولأن الشيخ رحمه الله هنا ذكر أشياء يحتاج تنبيه عليها. وقد أشار الشيخ رحمه الله كذلك في الشرح إلى بعض الخلاف في المسألة. فخلاصة ما ذكر من أقوال في هذه المسألة أربعة أقوال. ممكن أن تختصر الأقوال كثيرة أكثر من هذا، لكن ممكن أن تختصر في أربعة أقوال. القول الأول: أنه لا ينقض مطلقا، أي: مس الذكر والفرج والقبل والدبر لا ينقض مطلقا. وهذا هو قول أكثر الحنفية، وجماعة من المالكية. واستدلوا بأدلة من هذه الأدلة ما سأشير إليه: حديث طلق بن علي: «إنما هو بضعة منك». والقول الثاني: أنه ينقض مطلقا، على أي كيفية ووصف كان مس الذكر أو الفرج أو الدبر، فإنه ينقض الوضوء لما ورد من أدلة في هذا الباب. وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة، وبعض المالكية، وجماعة من أهل الحديث. واستدلوا بما أشار إليه الشيخ رحمه الله في الشرح، وهو حديث بسرة بن صفوان الذي رواه أحمد والأربعة بإسناد حسن. وقد صح عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مس ذكره فليتوضأ». وجاء في لفظ عن أم حبيبة وأبي أيوب عند ابن ماجة وغيره بإسناد حسن كذلك: «من مس فرجه». وجاء من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ذكر لفظ مس قبل المرأة. وهكذا أحاديث أخرى بعضها فيها ضعف، يرى بعض أهل العلم أنها ترتقي للحسن كحديث أبي هريرة وغيره، فيها ألفاظ تؤكد الوضوء من مس الفرج عموما، أو القبل خصوصا، فيجمع القبل والدبر في استدلال بعض أهل العلم لعموم اللفظ في ذلك. فلهذا قال من قال من أهل العلم بهذا القول، خصوصا وأن ما يعارضه هو حديث طلق بن علي، هو من حيث الرواية كذلك فيه شيء من الكلام. فقد ذكر بعض أهل العلم أن الحديث حسنا، وبعض أهل العلم يرى أن الحديث لا يرتقي إلى الحسن، وذلك لأنه من حيث الرواية فيه شيء من الضعف. فقد استدلوا كذلك بكلام بعض أهل العلم حين ذكر حديث طلق بن علي: أنه فيه كلام، أنه فيه كلام. وذلك أن هذا الحديث، أي: حديث طلق، في بعض رجاله من لا يعتمد عليه. فلذلك ذكر بعض أهل العلم نكارة في هذا الحديث، وهو أن قيس بن طلق لا يتحمل التفرد، وقد تفرد بهذا اللفظ، ولم يتابعه أحد. ولهذا قالوا أن الحديث فيه ضعف، وإضافة أنه من حيث المعنى لا يقوى على معارضة هذه الأحاديث الكثيرة الصحيحة الصريحة. فلهذا قال من قال بهذا القول. القول الثالث: ما أشار إليه شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: أن ما جاء من أمر في هذه الأحاديث يحمل على الاستحباب، جمعا بينه وبين حديث طلق بن علي الذي أشار إليه رحمه الله تعالى. وهذا قول جماعة من المالكية، وبعض الحنابلة، ومنهم كما ترون شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله فيما يشير إليه ها هنا. والقول الرابع: وهو التفصيل في المسألة، ثم اختلفوا في هذا التفصيل. فذهب بعض أهل العلم إلى أن التفصيل يكون بين باطن الكف وظاهره. فإن كان المس بباطن الكف فإنه ينقض الوضوء، وإذا كان المس بظاهر الكف أو بغير الكف فإنه لا ينقض الوضوء. وهذا قول جماعة من الشافعية، وبعض الحنابلة. واستدلوا بعمومات وأدلة تدل على هذا المعنى، لأن المس في اللغة إنما يطلق على باطن الكف لا ظاهره. واليد تطلق على الكف، وإنما الحكم يدور مع ما جرى به معنى اللغة وشرعا وعرفا وهو كذلك. وهذا هو معنى اليد، استدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية، وقالوا: إنما تقطع اليد من الكف، بينته السنة وسماها الله عز وجل يدا. وهكذا القول الثاني بالتفصيل: أن المقصود بالكف مطلقا دون غيره من سائر الأعضاء. وهذا قول جماعة من الحنابلة، وبعض الشافعية، وجماعة من أهل الحديث. والثالث من التفصيل: التفصيل بين العمد والخطأ، لعموم الأدلة في العفو في الخطأ. وهذا قول جماعة من الحناب، والشافعية. ويشير إليه كلام شيخ الإسلام وغيره في بعض كتبه رحمه الله. والأخير: التفصيل بين ما إذا كان بشهوة وغير شهوة. وهو قول كذلك جماعة من الحنابلة والمالكية والشافعية. وهو كما ترونها هنا اختيار شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى. ثم أخذوا كذلك بأن الأصل الجمع بين الدليلين، وإعمالهما لا طرح أحدهما. والراجح والله أعلم من هذه الأقوال هو القول بترجيح الوضوء من مس الذكر، لكن بشيء من التفصيل. لعموم الأدلة التي تدل على هذا التفصيل. فيعفى في مس الذكر الأصل: أن من مس ذكره فليتوضأ، لأن الأدلة الواردة في هذا كثيرة، وهي بمختلف ألفاظها تؤكد هذا المعنى. ولكن لوجود أدلة وعمومات لا يمكن تركها، مع ورود هذا الحديث الذي يحسنه بعض أهل العلم: «إنما هو بضعة منك»، لزم علينا إعمال هذه الأدلة بجمع هذه الأدلة، والقول بشيء من التفصيل. وهذا التفصيل هو أن نقول: الأصل أن من مس ذكره فليتوضأ، ولكن إذا كان على وجه العمد لا على وجه الخطأ، لأن الله تجاوز عن هذه الأمة الخطأ. وثانيا: أنه كذلك إذا كان المس بدون حائل، وأما إذا كان بحائل فلم يحصل المس المقصود شرعا ولغة وعرفا، فإذن لا ينتقض الوضوء. وتعم البلوى أحيانا بأن يحتاج الإنسان إلى مس ذكره أو عضوه لسبب أو لآخر. فإذا احتاج وفعل ذلك بحائل فإنه لا ينتقض وضوءه. وأما إذا تعمد ذلك بدون حائل فإنه ينتقض وضوءه، جمعا بين الأدلة. جمعا بين الأدلة. فإن قال قائل: لماذا لا نقول بالتفصيل بين الشهوة وغير الشهوة؟ الجواب الصحيح: أن هذا المعنى لم يشر إليه دليل واحد، فلم يكن القول به فيه حجة. ولأن الأمر بالوضوء عام لم يذكر فيه هذا التفصيل، وذكر هذا التفصيل يحتاج إلى دليل. ثم حديث طلق: «إنما هو بضعة منك» يدخل فيه هذا المعنى، سواء بشهوة وغير الشهوة، هو بضعة منك، هو بضعة منك إذا كان بشهوة، وهو بضعة منك إذا كان بغير الشهوة. إذن ما هو الدليل على هذا التفصيل؟ ولهذا كان الصحيح أنه إذا كان بشهوة وخرج شيء فهذا يؤكد الوضوء. ثم نقول: الأمر بالوضوء في الشرع ليس كله بأمر محسوسة، بل بعضها بأمر معنوية قد تكون غير معقولة عند بعض الناس، مثل الوضوء من لحم الإبل. فكذلك الوضوء في من مس ذكره، فقد يكون من باب سد الذرائع ونحوها من المعاني الأخرى. ولأن الألفاظ الواردة في حديث النهي عن مس الذكر، والأمر بالوضوء ممن مس فرجه وذكره كثيرة، الألفاظ الواردة، فهذا كله يؤكد هذا المعنى. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: «فالتوضؤ عند تحرك الشهوة» هذا تقدم معنى الكلام عليه. قال: وكذلك أمره بالوضوء ممن مسته النار أمر استحباب، لأن ما مسته النار يخالط البدن، فليتوضأ. فإن النار تطفأ بالماء، وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ، بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب. واستحباب الوضوء منه أعدل الأقوال من قول من يوجبه، وقول من يراه منسوخا. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. وهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم. والصحيح: أنه منسوخ، لورود النص الصريح في ذلك. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن آخر الأمرين كما أخبر الصحابة من أمره عليه الصلاة والسلام: عدم الوضوء مما مست النار. فقولهم: «آخر الأمرين» دل على هذا المعنى الذي هو نسخ القول بالوضوء مما مست النار. فلذلك ينبغي الوقوف على ما وردت به النصوص. ولأن الاستحباب حكم شرعي لا ينبغي كذلك القول به إلا بدليل. فلما لم يرد الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على ذلك، علم بهذا أن الذي ينبغي في هذا المسلك: الدوران مع الأدلة حيث دارت. وقد دل الدليل على هذا المعنى الذي سمعناه: وهو أنه منسوخ. وهكذا نقول في غيرها من المسائل: أن الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل صحيح صريح. وهنا كما تقدم معنا: جاء أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترك الوضوء مما مست النار، كما أشار إليه الشيخ في الشرح. وقد جاء من حديث جابر بن عبد الله وغيره، وهو حديث حسن، وهو حديث حسن. وهذا هو الراجح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك أمره بالوضوء مما مست النار». طيب، هذا قرأناه. قال رحمه الله: «وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ». تقدم معنا: أنه جاء ما يدل على ذلك. وقد أشار الترمذي رحمه الله لهذه الرواية وحسنها، وهي رواية حسنة. وقد أشار إليها الشيخ في الشرح: خرج أبو داود والنسائي وجماعة، جاءت من حديث جابر بن عبد الله، في رواية أبي داود، وهي رواية حسنة. وبعد أن ذكر هذه الرواية أشار إليها الإمام الترمذي رحمه الله: أشار إلى أنه قول أكثر الأمة، وسمى عددا من أئمة الحديث والفقه: أنه قولهم لهذا الحديث، فإنه يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخر أمره على هذا. فهذا ينسخ القول الأول. مع أن بعض أهل العلم: أنه لم يرد شيء صحيح صريح يدل على الأمر بالوضوء. قال رحمه الله تعالى: «بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب، واستحباب الوضوء من أعدل الأقوال من قول من يوجبه، وقول من يراه منسوخا». وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. يعني: هناك قول آخر وهو ما أشار إليه الترمذي رحمه الله: أنه قول أكثر أهل العلم القول بالنسخ. قال: وكذلك بهذه الطريق يشير: بهذه الطريق، أي: كما أشار الشيخ رحمه الله: كون الشيء مما تعم به البلوى، ويكثر وقوعه بين الناس، ولم يأت في الشرع ما يدل على الأمر به أو وجوبه، فدل ذلك على أنه ليس كذلك. قال رحمه الله: «يعلم أن بول ما يؤكل لحمه وروثه ليس بنجس». وهذا هو الذي دلت عليه عمومات الأدلة. فإن روث ولحم ما يؤكل لحمه، روث وبول ما يؤكل لحمه طاهر. فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع الغنم، ونهيه عن الصلاة في مرابض الإبل إنما لأنها خلقت من شيطان، كما ستأتي الإشارة، وسبقت الإشارة إليه. وقد صح عن الصحابة أنهم كانوا يفعلون ويصلون في أماكن يكون فيها روث الإبل أو بعرها، روث الغنم وبعر الإبل. قال رحمه الله: «والقوم كانوا أصحاب إبل وغنم، يقعدون ويصلون في أمكنتها، وهي مملؤة من أبعارها». فلو كانت بمنزلة المراحيض، كانت تكون حشوشا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم باجتنابها، وأن لا يلوث أبدانهم وثيابهم بها، ولا يصلون فيها. والصحيح كما أشار إليه رحمه الله تعالى: روث وبول ما يؤكل لحمه طاهر، لعمومات الأدلة في هذا. قال رحمه الله تعالى: أشار الشيخ رحمه الله إشارة لطيفة، وهو أنه إذا قال قائل: أنهم كذلك كانوا يملكون الحمير والبغال، فهل حكمها كحكم الغنم والإبل؟ أشار بأنه ليس كذلك، لماذا؟ لأن الذي فرق هو الدليل. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في روث الحمار أو الحمر: «إنها رجس» أي: نجسة. أي: نجسة، حين أتي له بها ليستنجي بها، فقال: «إنها رجس». فدل ذلك على نجاسة روث الحمار، وهذا فيه دليل على هذا التفصيل بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. ولهذا على الصحيح: لا نقول هذا الحكم في الخيول، لأن الخيول يؤكل لحمها. فإذن الحمار يحرم لحمه، فنجس بوله وروثه. والخيل يحل لحمه، فطاهر بوله وروثه. والبغل لأنه مختلط بين الحمار والخيل، فيغلب التحريم الحل والإباحة، فيحرم كذلك لحمه وروثه، على الصحيح من أقوال أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «فقد ثبتت الأحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون في مرابض الغنم، وأمر بالصلاة في مرابض الغنم، ونهى عن الصلاة في معاطن الإبل». فعلم أن ذلك ليس لنجاسة الأبعار، الأبعار يعني: جمع بعرة، التي هي ما يخرج من البعير. قال: «بل كما أمر بالتوضؤ من لحم الإبل، وقال في الغنم: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ». وهو يشير إلى حديث جابر في صحيح مسلم: جابر بن سمرة، وهو طويل، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل أن يصلي في مبارك الإبل، قال: «لا». قال: «لا». فأذن لهم أن يصلوا في مواضع الغنم، ولم يأذن لهم في مبارك ومرابض ومعاطن الإبل. قال: «وقال: إن الإبل خلقت من جن، وإن على ذروة كل بعير شيطانا». والحديث كما أشار في التعليق: فيه ضعف. الحديث جاء عند ابن ماجة وغيره، ولكن فيه ضعف. فقد رواه أحمد وابن ماجة والنسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وزاد فيه: «ألم تر كيف ترفع أو تشمخ بأنفها». ولكنه حديث فيه ضعف، لأنه من طريق عنبسة عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر، وعنبسة متروك. وعنبسة متروك. لكن كونها فيها شيطان جاء معنا في أحاديث أخرى. وقال: «الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل، والسكينة في أهل الغنم». وهذا حديث حديث صحيح، جاء معنا في روايات كثيرة. فالشاهد من هذا وهذا: لفظ حديث أبي هريرة، جاء معنا من حديث أبي هريرة، رواه الحاكم وغيره، وصحح الألباني في صحيح الجامع. وجاء كذلك معنا عن عدد من الصحابة. قال رحمه الله تعالى: قال: «فلما كانت الإبل فيها من الشيطان ما لا يحبه الله ورسوله، أمر بالتوضؤ من لحمها، فإن ذلك يطفئ تلك الشيطان». ونهي عن الصلاة في عطانيها، لأنها مأوى الشياطين، كما نهى عن الصلاة في الحمام، لأنها مأوى الشياطين. فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب بالصلاة فيه، وفي موضع الأجسام الخبيثة. بل الأرواح الخبيثة تحب الأجسام الخبيثة. ولهذا كانت الحشوش محتضرة، تحضرها الشياطين. والصلاة فيها أولى بالنهي من الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل. والصلاة على الأرض النجسة. ولم يرد في الحشوش نص خاص، لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين، أن يحتاج إلى بيان. ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش، يريد بذلك مواضع النجاسة المغلوطة. فإن هذه المواضع بالعقل وبالشرع وبكل معنى من المعاني، يعلم أنها ليست موضع صلاة. فلما ورد النهي في الحمام وما كان بمعناه، علم أن هذا من باب أولى. هذا ما يقصده رحمه الله تعالى، ويريد بذلك: أن معنى الخبث قد يكون حسياً، وقد يكون معنويا. ولكل المعنيين قد يرد النهي، قد يرد النهي. طيب، نقف هذا اليوم عند هذا الحد لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. وننظر إن شاء الله الآن إلى ما يتيسر من الأسئلة. السؤال الأول: يقول: هل قول الزور والكذب والنميمة مما يفطر الصائم؟ الجواب: الصيام مراتب، فمن مراتب الصيام: الصيام حسا ومعنى. وقول الزور والكذب والنميمة لا يفطر الحس، ولكن يفطر من جهة المعنى، فيحرم الأجر. ولهذا جاء في الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فعلم بذلك: أنه مما ينافي الصيام، ولكن لا يعني أنه مفطر، ولكن معناه: أنه حرم نفسه أجر الصيام. فلا ينبغي للمسلم أن يحرم نفسه الصيام بالذنوب والمعاصي، لأن الصيام إنما شرع للتقوى. يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لماذا؟ لعلكم تتقون. فالذي لا يدع قول الزور والنميمة ونحوها من الذنوب والمعاصي، لم يحقق التقوى، فحرم نفسه حقيقة الصيام، فأفسد على نفسه. والله المستعان. طيب، السؤال الثاني: يقول السائل: هل يجوز رد السلام وتشمية العاطس والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والإمام يخطب؟ الجواب: لا يجوز ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى من يحضر الخطبة أن يأمر بالمعروف، وهو أعظم من هذا، فهو واجب. ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام كما بالحديث الصريح: «من قال لاخيه أنصت فقد لغا». فعلم أن استماع الخطبة أعظم من هذا. طيب، هذا فيما يتعلق مع الغير. أما مع النفس، يعني: تشمية العاطس، خطاب مع الغير، فمع نفسه إذا صلى بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. الجواب: قال بعض أهل العلم: الأولى أن يكون بتحريك شفته، لا برفع صوته، حتى لا يحصل التشويش، حتى لا يحصل التشويش. فهذا هو أعدل الأقوال في هذه المسألة، والله تعالى أعلم. وسائل يسأل كذلك: يقول: إذا أدركت مع الإمام الصلاة، أو لم يدرك مع الإمام إلا ركعة واحدة، فسلم الإمام، متى أقوم لإتمام الركعة؟ هل إذا انتهى من التسليمة الأولى أو بعد أن ينتهي من الثانية؟ الصحيح: بعد أن ينتهي من الثانية، حتى يتم صلاته كاملة. فأنت تقوم تكمل ما بقي عليك، هذا هو الصحيح في هذا، والله تعالى أعلم. ونكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.