الدرس في شرح مختصر السيرة 80، الدرس الثمانون:من( ثم دخلت السنة الثامنة فكانت فيها غزوة مؤتة ... ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
كانت غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة بسبب قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسوله الحارث بن عمير. أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة أميرًا للبعث ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة.
تجهز جيش المسلمين لغزو الروم بقيادة زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة يشجعهم على القتال طلبًا للشهادة. ثم يتحرك الجيش ويتشاور قادته في مواجهة العدو.
يروي تفاصيل معركة مؤتة واستشهاد جعفر بن أبي طالب، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ودافع عن المسلمين. كما يذكر تفاؤل عبد الله بن رواحة بالشهادة.
يُشير إلى أهمية التأسي بالصحابة في بذل النفس والمال لنصرة دين الله وتوحيده، ويُبرز كيف أفنوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». قال: ثم دخلت السنة الثامنة، فكانت فيها غزوة مؤتة، وكانت -كما قال أهل السير- في جمادى الأولى، في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، فكانت قبل حنين، وسيأتي الكلام على حنين إن شاء الله تعالى. ومؤتة موضع معروف اليوم من أرض الأردن، هي بأدنى البلقاء، ودون دمشق أدنى البلقاء، ودون دمشق. قال رحمه الله تعالى: وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير بكتاب إلى ملك الروم أو بصرى، وهذا الاختلاف من بعض أهل السير، وقيل: إنه بعث إليهما جميعًا، إلى ملك الروم وإلى ملك بصرى، فعرض لهذا الرسول فقتل، كما سيأتي. قال: فعرض أو فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم غيره، فاشتد ذلك عليه، فبعث البعوث واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب على الناس -يعني أميرًا-. وقد أمر زيد بن حارثة رضي الله عنه، وطعن بعض الناس في إمارة زيد من المنافقين، وربما كذلك تناول هذه الكلمة أناس آخرون، حتى غضب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما طعنوا مرة أخرى في إمارة أسامة بن زيد، قال عليه الصلاة والسلام الحديث المشهور: «إن يطعنوا في إمارة أسامة، فقد طعنوا في إمارة أبيه من قبل». والمعنى: كلهم أهل فضل، ولا يجوز الطعن في إمارة أحد. وطعن في إمارة زيد لأنه كان -كما تعرفون- مولى قبل أن يكون حرًا. وفي إمارة أسامة لهذا، ولكونه كذلك كان صغيرًا. ومع ذلك، فأفاضل الصحابة تلقوا ذلك بالقبول، حتى كان عمر رضي الله عنه لا ينادي أسامة بن زيد إلا بالأمير، تأكيدًا ومبالغة في إثبات الانقياد لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان يقول: يا أمير، فيقول أسامة: أستغفر الله يا أمير المؤمنين -يعني لا تدعني بهذا اللقب- فيقول: يا أمير، تأكيدًا لطاعته لما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا فعل أبو بكر بعد أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد أمر أسامة بن زيد أمضى إمارته على ما كان من أمر النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: وقال: إن أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب على الناس -يعني أميرًا-، وإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة. هكذا جاء في البخاري من رواية الزهري، وله شواهد ومتابعات. وفي بعض الروايات قال: فإن قتل، فليرتضِ المسلمون منهم رجلًا فليجعلوه عليهم. قال: فتجهزوا، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم، ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عليهم، فبكى عبد الله بن رواحة، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أما والله، ما بي حب الدنيا، ولا صبابة بكم -ومعنى الصبابة يعني حزن وتعلق- قال: ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار -يعني قبل خروجه- ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا﴾، ولست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود -يعني إذا أنا توفيت-. فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقال ابن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة، وضربة ذات فرع تقذف الزبد، أو طعنة بيد حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبد، حتى يقال إذا مروا على جثثي: يا أرشد الله من غاز وقد رشد -يعني سأل الله عز وجل الشهادة في هذه الغزوة-. وهذه التفاصيل ذكرها بعض أهل السير، وما سيأتي كذلك، وبعض ذكره ابن منده كما أشار الحافظ ابن حجر في الإصابة، وبعض ذكره البيهقي رحمهم الله تعالى. قال: ثم مضوا حتى نزلوا معان -يعني اسم مكان- فبلغهم أنه رجل بالبلقاء في مئة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجنام وبلي وغيرهم مئة ألف -يعني قبائل من قبائل شمال الجزيرة- فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم يتشاورون. وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره، فإما أن يمدنا -يعني بزيادة- وإما أن يأمرنا بأمره. فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون -الشهادة-، وما نقاتل الناس بقوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظفر -يعني نصر- وإما شهادة. فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع، والتخوم مرتفعات، فانحاز المسلمون إلى مؤتة، ثم اقتتلوا عندها، والراية في يد زيد، فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم، فأخذها جعفر -يعني قتل- فأخذها جعفر، فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره، فاحتضن الراية حتى قتل، وله ثلاث وثلاثون سنة رضي الله عنه. ومن حينها سمي بجعفر الطيار، أبدله الله عز وجل بجناحين -قال يعني يكرمه الله بها في الجنة-. ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويقول: «أكسم بالله لتنزلن، لتنزلن أو لتكرهن»، يا طالما قد كنت مطمئنًا، إن أجلب الناس وشد الرن، ما لآراك عندي بالفتح، ولعل به بالكسر أفصح، ويخاطب الخيل: ما لآراك تكرهين الجنة. ويقول أيضًا -يعني يحث نفسه على الإقدام وعدم التأخر- قال: ويقول أيضًا: «يا نفس إن لم تقتلي تموتي، هذا حمام الموت قد صليتي، وما تمنيتي فقد أعطيتي، إن تفعلي فعلهما هديتي». والمعنى: أن الموت حق ولا بد منه، فإن لم يكن في هذا اليوم، فلا حاجة لي فيه في تأخره. قال: ثم نزل، فأتاه ابن عم له بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت. فأخذها فانتهس منها نهسة -يعني بطرف أسنانه- ثم سمع الحطمة في ناحية الناس -يعني اشتباك الرجال مرة أخرى- ومعنى أن الحرب استمرت أيام بين المسلمين وبين الكافرين، فقال: وأنت في الدنيا، فألقاها من يده وتقدم، فقاتل حتى قتل رضي الله عنه أرضاه. قال: ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، وقيل: كما ذكر ابن منده -فيما ذكره الحافظ في الإصابة- إنه أخذها أولًا ثابت بن أقرم، ثم أعطاها لخالد بن الوليد، ولكنه روي بإسناد فيه ضعف. قال: فدافع القوم، وأما إمارة خالد في هذا الجيش فقد جاء في أحاديث أخرى وروايات أخرى كثيرة، حتى قيل: إنه سمي سيف الله في هذه المعركة. قال: فدافع القوم وخاش بهم، ثم انحازوا، وانصرف الناس -ومعنى انحازوا يعني انصرفوا إلى جهة-. قال: وقال ابن عمر: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبه -وما أقبل منه- تسعين جراحة، وهذا يستدل به على شدة القتال، معناه لم يسقط إلا وقد طعن بطعنات ورميات كثيرة حتى بلغت التسعين. قال: وقال زيد بن أرقم: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة، فخرج به في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله -يعني خرج معه فأخرج الناس معهم بعض قرابتهم كما أخرج زيد بن حارثة ابنه أسامة- قال: فوالله إنه ليسير ذات ليلة إذ سمعته وهو ينشد شعرًا: إذا أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فأنعمي وخلاكي ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون وغادروني بأرض الشام مستنهي السواء قال: وردك كل ذي نسب قريب إلى الرحمن منقطع الإخاء هناك لا أبالي طلع بعل ولا نخل أسافلها روائي. والمعنى: أنه يدعو الله عز وجل ويتفاءل أن يرزقه الله عز وجل الشهادة، ولا يرجع مع من يرجع من الجيش، فكان كما ظن بربه سبحانه وتعالى، فأكرمه بالشهادة. قال: فبكيت، فخنقني بالصوت، وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل -يعني ما يضرك إن رزقني الله الشهادة فهو كرم وترجع أنت بالسلامة وتأخذ رحلي يعني لك- وهو بكى حزنًا على ما يقول رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. والشاهد من إرادة هذا من السيرة كذلك ما سبق، فهو يورد كيف أفنى الصحابة رضي الله عنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أنفسهم وأموالهم في نصرة دين الله وتوحيده، فكذلك ينبغي أن يكون الموحد. وإلى هنا والله تعالى أعلم.