الدرس في مختصر سيرة الرسول 1، المقدمة,نسبه صلى الله عليه وسلم, أمه, ولادته, وفاة والده وأمه وجده . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المقطع يتناول مقدمة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك لرسالة الإمام عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. يشرح طريقة المؤلف في الابتداء بالحمد والثناء على الله، ثم يبين سبب اختصار الرسالة وأهميتها للمسلمين.
النص يتحدث عن نسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتفق العلماء على نسبه إلى عدنان، ولكنهم يختلفون فيما بعده. كما يشير إلى أهمية التمسك بالمعلومات المتفق عليها وعدم التعلق بالأقوال الشاذة والغريبة في الأنساب.
يتناول المقطع مولد النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفيل، وخلاف حول تحديد يوم مولده، ويحذر من احتفالات المولد كبدعة أحدثها الفاطميون. كما يذكر وفاة والده وأمه وجده، ويبين أنهم ماتوا على الكفر.
الحديث يشير إلى حكمة الله في إسناد الأعمال إلى أصحابها، حتى لا يغتر أحد بصلاح غيره، فلا ينفع الإنسان إلا عمله الصالح. يُظهر ذلك أهمية العمل الفردي في الإسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم، وبه ثقتي، قال الشيخ الإمام الحبر الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، رضي الله عنه، أرضاه: الحمد لله خالق الأرض والسماء، وجاعل النور والظلماء، وجامع الخلق لفصل القضاء، لفوز المحسنين وشقوة أهل الشقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يسعد بها قائلها يوم الجزاء، وصلى الله على سيد المرسلين والأنبياء محمد وآله وصحبه النجباء. وبعد، فهذه جملة مختصرة من أحوال سيدنا ونبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، لا يستغني عنها أحد من المسلمين، نفعنا الله بها. ومن قرأها وسمعها، هذه رسالة مختصرة كما رأينا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه العشرة للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، رحمه الله تعالى. وهو الإمام المشهور الحافظ المحدث الفقيه، الذي اشتهر بإمامته وتحديثه وفقهه، رحمه الله تعالى، له الكتاب المشهور «عمدة الأحكام». وهذا الكتاب كأنه قد كتبه الحافظ عبد الغني ابن عبد الواحد المقدسي رحمه الله في أوائل حياته، وسيأتي معنا في ثنايا هذا الكتاب شيء مما ينبه عليه على ذلك. والكتاب مروي عنه، وراويه ابتدأ بهذه المقدمة المنقول عن الإمام الحبر الحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، رحمه الله، فمن قوله: «الحمد لله خالق الأرض والسماء» كلام الإمام المقدسي، وما قبله من كلام من كلام الراوي عنه. ولا يعني أن المؤلف لم يفتتح كتابه بالبسملة، لكن لعل الراوي اكتفى بالبسملة التي ذكرها عن بسملة المؤلف ابتعادًا عن التكرار. وقوله: «وبه ثقتي» يعني تفويض وتوكيل الأمر إلى الله عز وجل، وحسن الظن به في التوفيق والتسديد لنقل هذا العلم وبثه في الناس. وقد ابتدأ المؤلف رحمه الله هذه الرسالة بحمد الله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله، على طريقة أهل العلم، وهي طريقة الكتاب والسنة. فالكتاب إذ افتتح كتاب الله بسورة الحمد التي فيها حمد الله والثناء عليه، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبة بحمد الله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله، كما جاءت بذلك أحاديث كثيرة، ومنها أحاديث خطبة الحاجة وغيرها من الأحاديث الأخرى. والعلماء يسلكون في هذا الباب مسالك ومذاهب، فتارة يفتتحون بخطبة الحاجة لعظيم قدرها وتكرار الإتيان بها في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة يسلكون مسلك الافتتاح بما فيه إشارة إلى مضمون الكتاب، فيكون ذلك من براعة الاستهلال وتوطئة حسنة للدخول في المقصود. وقد يكون أحيانًا بمعاني أخرى يقتضيها المقام، إشارة إلى زمان التأليف أو حال صاحب التأليف أو مكان التأليف أو غير ذلك من الاعتبارات الأخرى. وهنا كما نرى شرع المؤلف رحمه الله تعالى بالابتداء بهذه المقدمة التي فيها معنى الاصطفاء والاجتباء وتقسيم الناس بل خلق الله عز وجل إلى قسمين. فهو الذي جعل وخلق الأرض والسماء والنور والظلماء إلى آخر ما ذكر، مما فيه إشارة إلى سنة الله عز وجل في تقسيم الناس إلى صنفين: رسل وأتباع للرسل، وفي مقابلهم أعداء لهؤلاء الرسل. وثن بالشهادة لله عز وجل بالتوحيد، إلى شريك له مع تأكيدها والإشارة إلى يوم الجزاء، مما فيه إشارة إلى حسن عاقبة من اتبع الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن خرج عن ذلك. وختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآله وصحبه النجباء، وفيه إشارة وبراعة في الدخول للمقصود في هذه الرسالة مع توطئة لطيفة في هذه المقدمة المختصرة. ثم قال: «وبعد»، وكما قلنا جملة «أما بعد» أو «وبعد» يجوز هذا وهذا، يؤتى بها للفصل بين مقدمة الشيء وموضوعه، وتتبع بالفاء هذا هو الأفصح. «فهذه جملة مختصرة من أحوال سيدنا ونبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم»، إشارة منه إلى معنى هذا الاختصار لفظًا ومعنى، حتى يكون ذلك عذرًا له إن فاته شيء لم يذكره فلأجل الاختصار، أو شيء ذكره ولم يستوعبه فلأجل الاختصار. وهكذا كذلك مع بيان المقصود من هذا الاختصار، إذ المقصود هو سهولة ويسر الوصول إليها ليعم النفع بها. ولهذا قال: «لا يستغني عنها أحد من المسلمين»، يعني صغيرًا أو كبيرًا، إذ فيه أهم مواضع السيرة النبوية. وهكذا كذلك سيرة الخلفاء وأصحابه وأصحابه العشرة. ثم ابتدأ رحمه الله بذكر نسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رحمه الله تعالى: «قال: فنبدأ بنسبه، فهو أبو القاسم محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب ابن هاشم ابن عبد مناف ابن قصي ابن كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لؤي ابن غالب ابن فهر ابن مالك ابن النضر ابن كنانة ابن خزيمة ابن مدركة ابن إلياس ابن مضر ابن نزار ابن معد ابن عدنان». ابن عدد ابن آلي مقوم، ونسبه إلى عدنان متفق عليه، وما بعده مختلف فيه كما سيأتي إن شاء الله، «ابن ناحور ابن تيرح ابن يعرب ابن يشجب ابن نابت ابن إسماعيل ابن إبراهيم خليل الرحمن ابن تارح وهو آزر ابن ناحور ابن ساروع ابن راعو ابن فالخ ابن عيبر ابن شالخ ابن أرفخشد ابن سام ابن نوح ابن لملك ابن متشلخ ابن أخنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون، وهو أول بني آدم أعضي النبوة وخط بالقلم ابن يرد ابن مهليل ابن يقن ابن يانش ابن شيت ابن آدم عليه السلام». قال: هذا النسب ذكره محمد ابن إسحاق ابن يسار المدني في إحدى الروايات عنه، ومحمد ابن إسحاق أشهر من روى السيرة وأسندها، ومع ذلك فالكثير من أسانيده من الأسانيد المنقطعة والتي فيها شيء من الضعف، لكنه أحسن من اعتنى بالسيرة من جهة الرواية. ولا يعني ذلك أن كل ما ذكره ورواه فهو صحيح، ولهذا عقب فقال: «وهذه الأمانة العلمية والدقة التي ينبغي أن يحرص عليها العالم». قال: «وإلى عدنان متفق على صحته من غير اختلاف فيه»، يعني بين العلماء، «وما بعده مختلف فيه». ولهذا فأهل التحقيق من العلماء يكتفون بذكر نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان، وما بعد عدنان يسكتون عنه؛ لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ونحن لا يجوز لنا أن نخوض في شيء لا نعلمه، خصوصًا في هذا الباب باب النسب. لكن نحن نعلم أن جميع بني آدم يرجعون إلى آدم عليه السلام، ونحن نعلم بالأحاديث الصحيحة أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل، وأن إسماعيل ولد من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأن إبراهيم من نسل إدريس، وأن ناشيت من أبناء آدم، وأن آدم عليه السلام أبو البشر. لكن تفاصيل ما ذكر في هذا النسب ما بعد عدنان لا علم لنا به، هل بين عدنان وإسماعيل سبعة أم عشرة أم أكثر أم أقل من الأجداد؟ الله أعلم؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا نعلمه. وهكذا كذلك هل بين إبراهيم وإدريس أو بين إبراهيم وشيت أو بين إبراهيم وآدم أو حتى في دخول بعض الأنبياء في هذا النسب ما بين إبراهيم وآدم؟ هذا كله من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. فلذلك كان الواجب السكوت فيما بعد عدنان من نسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنقف إلى المتفق عليه ونترك ما بعده. وفي هذا فائدة في علم الأنساب، فإذا كان هذا في حق نسب النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حق نسب غيره من باب أولى. فما كان من أنساب الناس متفق عليه وهو غير مختلف فيه، أو كان قول الأكثرين على شيء فهو راجح، فإنه يؤخذ. وما كان قولًا شاذًا أو غريبًا، وما أكثر الأقوال الشاذة والغريبة في باب الأنساب، لا يجوز التعلق والتشبت بها. مثال ذلك: بعض الناس نسبه معروف، ولكن يوجد قول غريب أنه يرجع نسبه إلى آل البيت، فلا ينبغي له فرحًا بهذا القيل أن يترك المعروف المعهود المشهور ويتعلق بالغريب. يتعلق بالغريب فرحًا أنه من آل البيت. وأضرب مثالًا بنسب نفسي، يعني كما يقال: أتبرأ مما قد يتعلق به بعض الناس، فآل بريك مثلًا قبيلة مشهورة من قبائل العرب لها مرجعها مشهور، لكن هناك قول غريب ذكره بعض الناس أنهم يرجعون إلى آل حامد، وأن آل حامد مردهم من آل البيت، تمسك بعض الناس بهذا فقالوا: نحن نرجع إلى آل البيت، ليس أحد أفضل من أحد. هذا تتبع لقول غريب شاذ خلاف المعهود، ليش المعروف؟ ولو ذكر في الكتب، فليس كل ما يذكر في الكتب أو ذكره بعض أهل النسب فهو مما يعتد به؛ لأن هناك راجح ومرجوح، وهناك مشهور وغريب. فإذن قس على ذلك الكثير مما يذكر في كتب الأنساب. فإذا كان هذا في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، فمن دونه كما سمعنا من باب أولى، فعلينا بالمشهور والمتفق عليه، والذي رُجح عند أهل المعرفة. وأما الشاذ والغريب لا يلتفت إليه، حتى لا تتغير الأنساب، ولا يكون شيء من الشذوذات والخروج عن الحق. قال رحمه الله تعالى: «وإلى عدنان متفق على صحته من غير اختلاف فيه، وما بعده مختلف فيه». «وقريش بن فهر بن مالك، وقيل: النضر بن كنانة»، يعني مرد قريش إلى فهر بن مالك، وقيل: مردهم إلى النضر ابن كنانة، يعني كما مر معنا في سلسلة النسب فهر بن مالك ابن النضر ابن كنانة. ولا شك أن مرد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش، فهو قرشي، ولفظة «قرشي» تتناول مجموعة من القبائل مردها إلى جد واحد، ولكن الخلاف في هذا الجد: هل هذا الجد هو فهر؟ أم هذا الجد هو النضر؟ هذا معناه. قال: «أمه صلى الله عليه وسلم»، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم «آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب بن مر ابن كعب ابن لؤي ابن غالب»، فنسب أم النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي بنسب أبيه في كلاب ابن مرة. فمعناه أن بين النسبين قرابة وصلة من جهة هذا الجد الجد البعيد كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لؤي ابن غالب، فما فوقه جميعًا يلتقي فيه نسب أبيه وأمه إلى عدنان. قال رحمه الله تعالى: «ولادته»، ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفيل في شهر ربيع الأول، ليلتين خلتا منه، يوم الاثنين. وقال بعضهم: بعد الفيل بثلاثين عامًا، وقال بعضهم: بأربعين عامًا. والصحيح أنه ولد عام الفيل، وهو كما ذكر رحمه الله، فقد ولد عليه الصلاة والسلام في عام الفيل. وهذا هو الذي صحت به الآثار موقوفة، وبعضهم يصحح فيها شيئًا مرفوعًا. وأما يوم الاثنين فقد صح أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما كونه في شهر ربيع فهذا فيه خلاف، وليس فيه شيء صحيح صريح يدل عليه، وليس وقدر أنه في شهر ربيع فلا يدرى في أي يوم فيه. فما اشتهر عند الناس أنه في الثاني عشر من ربيع الأول لم يروى فيه شيء صحيح صريح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ولا حتى عن الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. ثم ها هنا تنبيه: لو قدر أنه صح تعيين يوم ولادته عليه الصلاة والسلام، فليس ذلك يعني أنه يخص بشيء من الاحتفال كما يفعل الناس اليوم. بل نص العلماء أن هذا من البدع والمحدثات التي لم تفعل لا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمن الصحابة ولا التابعين ولا أتباع التابعين ولا أحد من الأئمة المتبعين، ولا عن أحد من الأئمة المتبعين. بل نص العلماء أن هذه البدعة إنما أحدثت في عهد الفاطميين، من ينسبون أنفسهم كذبًا وزورًا إلى فاطمة رضي الله عنها. كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» وغيره من أهل المعرفة بالتاريخ، ونصوا أنهم أول من أحدث هذه البدعة. إنما كانوا أشد الناس فتنة للإسلام والمسلمين في زمانهم، رحمهم الله تعالى. وقصة العلماء مع تلك الدولة مشهورة، ومن قرأ في تاريخها استيقن أن مثلها لا تنصر سنة، ولا تحق حق، فضلًا أن يستدل بفعلها على أمر شرعي ديني. ولهذا كان كلام المحققين من أهل العلم أن مثل هذه الاحتفالات هي في الحقيقة نزعة وثنية، نزعة وثنية، وبدعة من بدع أهل الأهواء التي يكون بها إضلال الناس وصرفهم عن دين الله سبحانه وتعالى. فكيف إذا علم بعد هذا أنه لم يصح تعيين يوم معين؟ والله حكم في ذلك. يستطيع أحد ممن ينتسب إلى العلم أن يجزم به أنه اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ولهذا كثرت نصوص العلماء في التحذير من هذه البدعة. قال رحمه الله تعالى: «وفاة والد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه وجده»، يعني وفاة الثلاثة. قال: «ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتى له ثمانية وعشرون شهرًا»، يعني سنتين وأربعة أشهر. قال: «وقال بعض: مات أبوه وهو ابن سبعة أشهر». وقال بعض: «مات أبوه بدار النابغة وهو حمل، وقيل: مات بالأبواء بين مكة والمدينة». والأشهر أنه مات وهو حمل، وليس في هذا شيء صحيح صريح. قال أبو عبد الله الزبير بن بكار: «الزبير توفي عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن شهرين». «وماتت أمه وهو ابن أربع سنين، ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين». وقيل: «وماتت أمه وهو ابن ست سنين». وكل هذا لأنه ليس هناك شيء صحيح صريح يرجح أحد الأقوال المروية في كتب السيرة. ولهذا نقل مثل هذا الخلاف، لكن المشهور أنه ولد عليه الصلاة والسلام وقد مات أبوه، فكان يتيما. وهكذا كذلك بعده ماتت أمه، ثم جده. وأما ترتيب الفرق بين وفاة الثلاثة فليس فيه شيء صحيح صريح. أما هذا الترتيب متفق عليه: موت الأب أولًا، ثم الأم، ثم الجد، هذا متفق عليه. ولكن تحديد المدة في الفرق هذا مختلف فيه. وقد مات أبوه على الكفر، وماتت أمه على الكفر، ومات جده على الكفر. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، سأله رجل عن أبيه، أي: الرجل، فقال له: «أبي وأبوك في النار». وهذا معناه أنه من قامت عليه الحجة، فأهل الفترة، أي: من كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، منهم من قامت عليهم الحجة ببلوغ دعوة الرسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء من لم يدخل في التوحيد كان من أهل النار. ومنهم من لم تبلغه دعوة، فكان معذورًا بسبب جهله، ولكنه يوم القيامة يمتحن كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من بلغته دعوة ودخل فيها، ومن هؤلاء ورقة بن نوفل وغيرهم ممن صحت فيهم الأحاديث. فإذن هم ثلاثة أقسام، وأبوي النبي صلى الله عليه وسلم من القسم الأول. وقد صح أنه قال -كما في صحيح مسلم-: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». فكان النبي صلى الله عليه وسلم يزور قبرها فيبكي، ويبكي من حوله عليه الصلاة والسلام. وفي هذا رد ادعاء بعض المتصوفة ممن زعم أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، فهذه دعوى باطلة لا دليل عليها. بل صح الدليل الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم -بما سمعنا- ولله حكمة في ذلك، لله حكمة في ذلك، حتى لا يغتر أحد بصلاح ولد ولا والد؛ فإنه لا ينفع المرء إلا عمله. طيب، نقف اليوم إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.