الدرس في مختصر سيرة الرسول 12، فصل في معجزاته صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته، مع التركيز على القرآن الكريم كأعظم معجزاته. كما يوضح أوجه إعجاز القرآن.
يعدد بعض المعجزات مثل انشقاق القمر ونزول الماء من بين أصابعه وتسبيح الحصى في يده، ويشير إلى تأثير القرآن على القلوب والأجساد.
يذكر العديد من دلائل النبوة مثل تسبيح الطعام بين يديه وتكلم الذئب والشجر معه وخضوع الدواب له، مما يعد معجزات ودلائل على صدق رسالته.
يشير إلى ورود دلائل النبوة في أحاديث نبوية متعددة، ويشير إلى احتمال استكمال الموضوع في درس لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ المقدسي رحمه الله تعالى: فصل في معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال: فمن أعظم معجزاته وأوضح دلالاته القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي أعجز الفصحاء وحير البلغاء وأعياهم أن يأتوا بعشر سور مثله أو بسورة أو آية. وشهد بإعجازه المشركون، وأيقن بصدقه الجاحدون والملحدون. وسأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر، فانشق حتى صار فرقتين. هذا الفصل جعله رحمه الله في الكلام على المعجزات التي يسميها العلماء بالدلائل، جلائل النبوة. وهذا التعبير الثاني أصح وأدق من التعبير بمعجزات؛ إذ ها هنا مسألة عقدية خلافية بين أهل السنة وأهل البدعة في مسألة معجزات الأنبياء، والفرق بينها وبين كرامات الأولياء. فإن الصحيح الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة أن دلائل الأنبياء لا يلزم منها الإعجاز، بل هي علامات كثيرة تكون سببا لإظهار نبوة هذا النبي أو رسالة هذا الرسول. فمنها ما يكون معجزا، ومنها ما يكون ليس من لازم الإعجاز. ولهذا قال العلماء: ليس من شرط الفرق بين معجزة النبي وكرامة الولي أن يكون أمر المعجزة أو الدلالة معجزا يعجز عنه البشر. وموضع بسط هذا في كتب العقائد. فلهذا ولأجل ما جاءت به النصوص في تسمية هذه دلائل، كان من الأدق الاقتصار على التعبير بالدلائل من المعجزات. ومن عبر به من أهل العلم فهو من باب التوسع في الألفاظ؛ إذا الألفاظ المترادفة المتقاربة قد يستعاض بعضها عن بعض. وكذلك لأن بعض تلك الدلائل من المعجزات أو الكثير منها من المعجزات. وقوله رحمه الله: «أن أعظم معجزاته وأوضح دلالاته القرآن العزيز»، أي الذي أنزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، المفتتح بالفاتحة المختتن بسورة الناس. فهو كلام الله سبحانه وتعالى، نزل به جبريل، وعلمه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلمه محمد صلى الله عليه وسلم الناس. فهذا القرآن معجز كما ذكر، وهو من أعظم دلائل نبوته من أوجه كثيرة. أولها وأعظمها في فصاحته وبيانه؛ فإنه نزل بلسان عربي مبين، وعند قوم بلغوا أكمل ما بلغ عليه، وفيه أهل هذه اللغة فصاحة وبيانا في زمان. ومع ذلك لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله. تحداهم الشرع أن يأتوا بعشر سور، فلم يستطيعوا، ثم بسورة، فلم يستطيعوا أولا بمثله لم يستطيعوا. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. ثم خفف التحدي بأن يأتوا بعشر سور، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، فلم يستطيعوا، فانتقل إلى السورة الواحدة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾، وكما قال سبحانه في الآية الأخرى مبينا هذا المعنى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾. وهكذا الآيات في هذا المعنى التي تدل على هذا الإعجاز في الفصاحة والبيان كثيرة. وأما ما ذكره رحمه الله: «أو آية»، فلعله سقط قلم؛ فإنه لم يأت التحدي بآية في نص القرآن ولا السنة، وإنما الذي جاء القرآن كاملا أو عشر سور أو سورة. أما الآية فلا؛ لأن من آيات القرآن كلمة واحدة «مدهامتان»، فإنه قد يؤتى بكلمة واحدة فيقولون: أتينا بآية. ولهذا لم يأت الإعجاز بآية، وإنما جاء الإعجاز بسورة، أقل ما جاء سورة، أي مجموعة من الآيات. ومن مواضع إعجازه وكونه من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام ما أخبر فيه من أخبار الأمم السابقة، وما هو من الأحوال الحاضرة، وما هو من الأخبار الآتية. وكله جاء حقا وصدقا، لم يستطع أحد أن يكذبه لا فيما مضى ولا فيما حضر ولا فيما يأتي. فكله يقع بمثل ما أخبر به ربنا سبحانه وتعالى في هذا القرآن. وهو كذلك من أعظم المعجزات؛ ولهذا دلائل كثيرة. أخبر الله عز وجل بقصص الأمم السابقة، الأنبياء والمرسلين، وقصص خاصة تناقلها أهل الكتاب. ونبينا عليه الصلاة والسلام أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك لم يستطع أهل الكتاب أن يكذبوه في حرف واحد. بل من قرأ القرآن لم يجد منه بدا إلا أن يؤمن به. وهذا كذلك موضع آخر من مواضع إعجازه؛ أنه لا يسمع ولا يسمعه أحد بإنصاف وصدق وعلم ومعرفة إلا آمن به. إنصاف وصدق وعلم ومعرفة؛ قد يسمعه من عنده علم لكن ليس عنده صدق كاليهود فلم يؤمن به. وقد يسمعه من عنده صدق وليس عنده علم فلا يؤمن به كجهال النصارى وجهال المشركين. وأما من آمن به وهو صادق منصف عالم عنده معرفة يؤمن به. ولما سمعه النجاشي سمع أول سورة مريم، قال: «إن الذي تلوت أو قرأت ليخرج من مشكاة واحدة مع الذي جاء به عيسى عليه السلام»، فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأسلم وكتم إسلامه. وهكذا كذلك آمن أناس كثر لما سمعوا به على وجه الإنصاف. عبد الله بن سلام آمن به لما سمع هذا القرآن، ووجد ما فيه كما جاء في الصحيح. بل والنصارى من النصارى من آمن به حين سمع، كما أخبر الله عز وجل في سورة المائدة. قال في أمر النصارى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، فذكر ما يؤثر بهم من خشية الله سبحانه وتعالى وإيمانهم. وهكذا كذلك حتى أهل الشرك إذا سمعوه بإنصاف وعدل ومعرفة وتفكر، كل بحسب معرفته. فصاحب البلاغة ببلاغته وفصاحته، وصاحب العلم بعلم أهل الكتاب وأخبار الأمم السابقة بما هو عليه، دعاه ذلك للإيمان. كما جاء في الصحيحين في قصة جبير بن مطعم حين دخل المدينة وهو مشرك لم يسلم، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور وهو يسمع الآيات. قال: «فلما بلغ قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾، قال: كاد قلبي أن يطير»، يعني أخذ القرآن بتلابيب قلبه، فآمن به، وكان هذا سببا لإسلامه بعد ذلك. وغير هذا كثير مما يدلنا على أن من مواضع إعجازه تأثير هذا القرآن على القلوب. وكذلك أثر هذا القرآن في شفاء القلوب والأجساد؛ فهو شفاء كما أخبر الله عز وجل به. وغير ذلك من الآيات. ثم ذكر رحمه الله من آياته ومعجزاته ودلائل نبوة وصدق رسالته انشقاق القمر. وانشقاق القمر حادثة معروفة معلومة، ليست فقط مذكورة في الكتاب والسنة وفي كتب التاريخ، بل حتى عند الكفار في تواريخهم وفي مؤلفاتهم ذكروا يوم انشقاق القمر؛ فإنه يوم معلوم لأهل الأرض، فذكروا ذلك وكتبوه. وكان سببه ما طالب به المشركون من آية للنبي صلى الله عليه وسلم تدل على صدق رسالته ونبوته. فجعل الله لنبيه انشقاق القمر آية، كما جاء في حديث ابن سعود في الصحيحين: «حتى وقف النبي صلى الله عليه وسلم والقمر في القتين عن يمينه وعن شماله خلف الجبل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لأهل مكة: اشهدوا». وجاء معنا من حديث ابن عمر، كذلك جاء من حديث أنس والصحيحين، ومن حديث ابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. قال: قال رحمه الله تعالى: وهو المراد بقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾؛ لأنه جاء في سبب نزولها هذه القصة، قصة انشقاق القمر، كما جاء في رواية الترمذي عن أنس، ورواية ابن عباس عند الطبراني، كلاهما بإسناد صحيح. وذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند من أسباب النزول. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى زوي لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». وهو حديث ثوبان في مسلم وغيره. وقد وقع ما أخبر. قال: وصدق الله قوله بأن ملك أمته بلغ أقصى المشرق والمغرب. وليمن ينتشر في الجنوب ولا في الشمال. هذا رأيي لبعض أهل العلم. والرأي الآخر والتفسير الآخر للحديث وهو الأقرب والله أعلم: أن المراد بالمشارق والمغارب ما تشرق وتغرب فيه الشمس، وليس المشارق ما كان بجهة المشرق والمغارب ما كان بجهة المغرب. وإن كان الملك قد بلغ أقصى المشرق وأقصى المغرب، فلا يمنع أن يبلغ كذلك شمالا وجنوبا. وقد بلغ ذلك في يوم من الدهر، وسيكون كذلك قبل قيام الساعة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا ويدخله هذا الدين بعز عزيز وذل ذليل، عزا يعزى الله به الإسلام وأهله، وذلا يذل الله به الكفار أو أهل الكفر وأهله أو الكفر وأهله. وهذا يكون قبل قيام الساعة حين يخرج المهدي المنتظر؛ فإنه يعم الأرض بالعدل، وينتشر الإسلام في الأرض حتى لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا ويدخله هذا الدين. وبشائر ذلك ظاهرة؛ فنحن نرى أن الإسلام في هذا الزمان يعم ويدخل مشارق الأرض ومغاربها، بينما كان الإسلام في مكة فقط في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة. ثم صار بعد ذلك إلى المدينة. وهاهو اليوم ما من بلد من بلاد المسلمين، من بلاد الدنيا من بلاد المسلمين أو غير المسلمين إلا وفيه من أهل الإسلام. ودخله الإسلام. وهذا من بعض معنى هذا الحديث، وهو من دلائل النبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «وكان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر وقام عليه حن الجذع حنين العشار»، يعني صغير الإبل، «حتى جاء إليه والتزمه، وكان يئن كما يئن الصبي الذي يسكت ثم سكن». وفي الحديث قصة، قصة صنع المنبر، وإهداء المرأة التي معها نجار المنبر للنبي عليه الصلاة والسلام. وكان قبل ذلك يخطب فوق هذا الجذع من جذع النخل. فأن هذا الجذع حزنا على فراق النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمع له ذلكم الصوت. والحديث في البخاري من حديث جابر بن عبد الله. ومعناه كذلك في البخاري من حديث ابن عمر. قال: «ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة»، يعني في قصص ووقائع متكررة. منها ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وجاء في الصحيحين كذلك من حديث جابر بن عبد الله. ووقائع أخرى نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام؛ يعني يكثر له الماء القليل، يضع يده في الإناء فيفور الإناء، وينبع الماء من أصابعه، فإذا به يسقي القوم جميعا. قال: «وسبح الحصى بكفه، ثم وضعه بكف أبي بكر ثم عمر ثم عثمان فسبح». وهذا رواية من حديث أنس، رواه الطبراني والبزار. لكن الصحيح فيه الإرسال؛ فإن صالح بن أبي الأخضر ليس بالقوي. خالفه من هو أوثق وأقوى، وهو الزهري، رواه ابن أبي الأخضر مرفوعا عن أبي ذر، ورواه الزهري عن رجل غير مسمى مرسلا. ورجح الحفاظ المرسل، فهو لا يصح. ولا يعني ذلك أن مثل هذا يمتنع عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فليس بممتنع. وقد وقع التسبيح. بل أخبر الله عز وجل بتسبيح كل شيء: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي بتسبيح أخبر بتسبيح الطعام بين يديه، وكذلك حديث الحجر وغيره له عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «وكانوا يسمعون تسبيح الطعام عنده وهو يؤكل»، كما جاء في البخاري من حديث ابن مسعود: «أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بهم يسمعون تسبيح الطعام بين يديه وهم يأكلون ذاك الطعام». قال: «وسلم عليه الحجر والشجر ليالي بعثه». وهذا كذلك جامعنا في أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإمام مسلم عن جابر بن سمرة أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي». قال: «وكلمته الذراع المسمومة، ومات الذي أكل معه من الشاة المسمومة، وعاشه صلى الله عليه وسلم بعده أربع سنين». وقصة الشاة المسمومة أصلها في الصحيحين. ومات فيها ابن معرور بما سمت به الشاة تلك اليهودية التي أهدت الشاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مشوية. فلما أكلها عليه الصلاة والسلام ورفع العظم إلى فيه مضغه ثم أخرجه، فقال: «لقد أخبرني هذا العظم آنفا أنه مسموم أنه مسموم». فنادوا اليهودية وقد أكل النبي عليه الصلاة والسلام منها شيئا، وأكل منها من معه، فمات من معه. فدعوا اليهودية وسألوها عن فعلها ذلك لما صنعت ذلك، فاعترفت وقالت: «إن كنت نبي فلن يضرك شيئا، وإن كنت غير ذلك أراحنا الله من شرك أو كما قالت». فلما مات ذلك من الصحابي أمر بها فقتلت قصاصا بما كان من قتلها. ولم كما جاء هنا لم يضر النبي صلى الله عليه وسلم فيموت عليه الصلاة والسلام، بل بقي حيا. وإن كان يأتي عليه ضرر أثر السم كما جاء في حديث أم سلمة: «أنه كان يأتيه كل عام»، حتى أنه كما جاء في حديث ابن عباس: «احتجم له عليه الصلاة والسلام في عمرته أو في إحرامه لأجل ما يأتيه من أثر السم». وتوفي عليه الصلاة والسلام من أثر السم، لكن ليس مباشرة، ليس مباشرة. جمعا جمع الله له بين أن تحققت آية ودليل من دلائل النبوة في صدق رسالته: بأنه لم يمت من السم مباشرة، وأن تكتب له الشهادة بأن يموت من أثر هذه السم بعد أربع السنوات، ويكون بذلك عليه الصلاة والسلام قد مات شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبه نعرف خبث اليهود؛ فإنهم قد قتلوا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. ومن ذلك ما حاولوه مع نبينا عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «وشهد الذئب بنبوته»، يعني كما جاء في قصة الذئب: «أن الراعي أخذ منه شاة، فقال: لم تأخذ مني رزقا رزقني الله إياه». فقال: «عجب ذئب يتكلم». قاعد على ذنب يتكلم. قال: «وأخبرك بأعجب من ذلك». قال: «نعم». قال: «نبي الله محمد يحدث أصحابه بالمدينة». فذهب إلى المدينة ولم يكن سمع بالنبي عليه الصلاة والسلام، فجاء فسأل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى وشهد بنبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمنت بذلك أنا وأبو بكر». الحديث وهو حديث صحيح مشهور. وهذه القصة كذلك من دلائل النبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. قال: «ومر في السفر ببعير يستقى عليه، فلما رأاه جرجر وضع جرانه». فقال: «إنه شكى كثرة العمل وقلة العلف». وكما أشار الحديث صحيح. وقد جاءت له طرق منها ما أشار إليه بالتعليق عن يعلى بن مرة الثقفي عند أحمد وغيره، صححه العلام الألباني رحمه الله. فقد كان يفهم الحيوان ويحدثه الحيوان، ويعرف أنه ينتصف له، فانتصف له عليه الصلاة والسلام. قال: «ودخل حائطا في بعير، فلما رأاه حن وذرفت عيناه». فقال لصاحبه: «إنه شكى إلي أنك تجيعه وتذئبه»، يعني تقلل الطعام وتكثر العمل عليه. وهو كذلك حديث صحيح، كما جاء عند أحمد وغيره. وأشار في التعليق أنه من حديث عبد الله بن جعفر، وقد جاء عن غيره، صححه العلام الألباني رحمه الله وغيره. فهذه وغيرها كثير من دلائل النبوة ورسالة عليه الصلاة والسلام. قال: «ودخل حائطا آخر فيه فحلان من الإبل، وقد عجز صاحبه عن أخذه ماء». فلما رأاه وحدهما جاءه حتى برك بين يديه، فخطمه ودفع إلى صاحبه. فلما رأاه الآخر فعل مثل ذلك. وهذا كله من خضوع هذه الدواب للنبي عليه الصلاة والسلام. ولم يكن ذلك إلا من علامات رسالته وصدق نبوة عليه الصلاة والسلام. قال: «وكان نائما في سفر، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى قامت عليه». فلما استيقظ ذكرت له، فقال: «هي شجرة استأذنت ربها أن تسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لها». وهو كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أشار في التعليق. قال: «وأمر شجرتين فاجتمعتا، ثم أمرهما فافترقتا»، كما جاء في صحيح مسلم في قصة جابر بن عبد الله الطويل، والذي فيه قصة ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء الحاجة، فلم يجد مكانا أن يستتر به، فدعا كل شجرة فجذبهما حتى اجتمعتا. فلما قضى حاجته، دفع بهما حتى افترقتا، وجابر يرى ذلك، فحدث به الناس من بعده عليه الصلاة والسلام. قال: «وسألوا أعرابيا أن يريه آية، فأمر شجرة فقطعت عروقها حتى جاءت فقامت بين يديه، ثم أمرها فرجعت إلى مكانها». وهذا كذلك. وأراد أن ينحر ست بدنات، فجعلنا يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، يعني تنافسنا وتبادرنا إليه كل واحدة تريد أن يبدأ بها فينحرها. فقد جاء هذا عند أبوداود وغيره من حديث عبد الله بن قرد، وهو الصحيح، صححه العلام الألباني وغيره. وفي الحديث خمس أو ست بدنات. فهذه الحديث وغيرها كثير. ولعلنا نقف قد انتهى الوقت عند هذا الحد. وغيرها كثير مما فيه دلائل النبوة عليه الصلاة والسلام. ولعلنا نكمل إن شاء الله ما سيذكره في الدرس اللاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم.