الدرس في جواهر البلاغة 25، الدرس الخامس والعشرون:من( المبحث الثاني:في كيفية إلقاء المتكلم الخبر للمخاطب ... ونحو:والله ما المستشير بنادم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُستخدم الخبر الابتدائي عندما يكون المخاطب خالي الذهن من الخبر ولا يحتاج إلى توكيد، ويكون مناسبًا عندما لا يكون هناك شك أو إنكار من قبل المخاطب. يُعتبر هذا النوع من الأخبار بسيطًا ولا يتطلب مؤكدات.
الخبر الطلبي يستخدم عند شك المخاطب ويتطلب تأكيدًا، بينما الخبر الإنكاري يُستخدم عند إنكار المخاطب للخبر ويتطلب تأكيدًا أقوى. يُؤكد الخبر بمؤكد أو أكثر حسب قوة الشك أو الإنكار.
التأكيد في اللغة العربية يُستخدم لتأكيد الأخبار، خاصة في حالة الإنكار، ويمكن أن يكون بلسان المقال أو لسان الحال. يُستخدم التأكيد في الإثبات والنفي على حد سواء لتوضيح المعنى وتأكيده.
الجمل الخبرية والإنشائية لها معاني مختلفة بناءً على السياق، فمثلًا 'عبد الله قائم' تُستخدم كخبر، بينما 'إن عبد الله قائم' تُستخدم كجواب لسؤال، و'إن عبد الله لقائم' كجواب لمنكر، مما يظهر أن استخدام هذه الجمل له معاني مناسبة في مقامها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: من يكون بقدر الحاجة، لا زائدًا عنها؛ لئلا يكون عبثًا، ولا ناقصًا عنها؛ لئلا يخل بالأمر، وهو الإفصاح والبيان. والمعنى أن الإنسان يراعي في كلامه حاجة المخاطب في طول الكلام وقصره، وفي تأكيده وعدم تأكيده، أو زيادة تأكيده. وهذا هو المقصود الأخير، فهذا المبحث خاص بمواضع التأكيد: متى يؤتى بالكلام مجردًا من التأكيد، ومتى يؤتى به مؤكدًا، ومتى يؤتى به فيه زيادة من التأكيد. قال رحمه الله تعالى: لهذا تختلف صور الخبر في أساليب اللغة باختلاف أحوال المخاطب، الذي يعتريه ثلاثة أحوال أو ثلاث أحوال. أولًا: أن يكون المخاطب خالي الذهن من الخبر، غير متردد فيه، ولا منكر له. فخالي الذهن يعني ليس عنده شيء من هذا الخبر، وغير متردد يعني ليس عنده شك، ولا منكر يعني ليس بمكذب أو مخالف لهذا الخبر. قال: وفي هذه الحال لا يؤكد له الكلام لعدم الحاجة إلى التوكيد، لا يضع له شيء من أدوات وأساليب التوكيد لعدم الحاجة إلى ذلك. قال: نحو قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فهذا خبر "المال والبنون زينة الحياة الدنيا". والمراد بالأخبار في هذا الموضع، على ما سبق، الأخبار التي هي بالمعنى البلاغي لا بالمعنى النحوي. فربما تقول حتى جملة فعلية: "ذهب زيد"، هذا خبر مجرد عن التوكيد. والمراد بالخبر، كما تقدم، ما يحتمل الصدق والكذب. قاله: يسمى هذا الضرب من الخبر ابتدائيًا، وسمي ابتدائيًا لأن الذهن خالٍ عن أي مدلول خبري. قاله: يستعمل هذا الضرب -يعني هذا النوع- حين يكون المخاطب خالي الذهن من مدلول من مدلول الخبر، فيتمكن فيه لمصادفة إياه خاليًا، وهذا ظاهر وواضح. فالنوع الأول من أنواع الأخبار هو الخبر المسمى بالخبر الابتدائي، فهذا النوع من الخبر لا يحتاج إلى توكيد. قال: ثانيًا: أن يكون المخاطب مترددًا في الخبر، يعني شاكًا، طالبًا الوصول لمعرفته والوقوف على حقيقته، فيكون إما سأل بلسان الحال أو بلسان المقال عن صحة هذا الخبر. هو شاك، لسان الحال بأن يقول مثلًا: "هل ذهب زيد؟" فتقول: "إن زيدًا ذهب"، لماذا أكدته؟ لأنه سأل. قال: فيستحسن تأكيد الكلام الملقى إليه تقوية للحكم؛ ليتمكن من نفسه -أي هذا الخبر- ويطرح الخلاف وراء ظهره -أي ذاك الشك- نحو: "إن الأمير منتصر"، يعني إذا أخبرت عن نصر وقع، ليس عن شيء لم يقع تفاؤلًا، وإنما تريد في شيء وقع، ولمن سأل عن ذلك. قال: ويسمى هذا الضرب من الخبر طلبيًا، وسمي طلبيًا؛ لأن صاحبه يطلب التأكد فيه، إما بلسان المقال أن يسأل، وإما بلسان الحال. قال: ويؤتى بالخبر من هذا الضرب حين يكون المخاطب شاكًا في مدلول الخبر، طالبًا التثبت من صدقه. ولهذا يقولون: قد ينزل غير السائل منزلة السائل، قد ينزل غير السائل منزلة السائل إذا تقدم إليه أو قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر، فاستشرف له استشراف المتردد الطالب للخبر. فهنا يكون السؤال بلسان الحال، ليس بلسان المقال، يعني كأن الإنسان متشكك من حاله، عند ذلك يؤتى له بما يؤكد هذا الخبر. ومنه ونحوه كثير قول ربنا جل وعلا فيما أخبر عن امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، فقولها: "إن النفس لأمارة بالسوء" هذا جواب عن سؤال سائل بلسان الحال، لا بلسان المقال، ما أحد سألها، لكن لسان الحال فيه معنى السؤال، فكان هذا التأكيد لهذا الخبر. ومثله مثلًا لو أنك قدمت إلى قوم وهم يترقبون من تأخر مجيئه، فإنك تقول: "إن زيدًا قادم الجمعة"، لماذا أكدت بإن؟ وهم لم يسألوك، ولم يتبين لك بلسان مقالهم أنهم شاكون في مجيء زيد؟ الجواب: أن لسان الحال فيه معنى السؤال، فلذلك أكدته بهذا المؤكد، فالشاهد هذا النوع يسمى خبرًا طلبيًا. قال: ثالثًا: أن يكون المخاطب منكرًا للخبر الذي يراد إلقاؤه إليه، معتقدًا خلافه، معتقدًا خلافه، تأكيد الكلام له بمؤكد، هكذا عندنا ظهر هناك صعب، معتقدًا خلافه، فيؤتى بالكلام أو يؤكد له الكلام بمؤكد أو نحو ذلك. فالمقصود أنه إذا كان عنده معنى الإنكار بلسان الحال أو لسان المقال، فإنه يؤكد له بأكثر من مؤكد، إما مؤكد أو مؤكدين أو أكثر. قال: على حسب حاله من الإنكار قوة وضعفًا، يعني إذا كان الإنكار شديدًا أكد بأكثر من مؤكدين، وإن كان ليس بذاك ربما اكتفي بمؤكدين مثلًا، وهكذا. قال: نحو "إن أخاك قادم" أو "إنه لقادم"، "إن أخاك قادم" أكد بمؤكد واحد، و"إن أخاك لقادم" بأكثر من مؤكد، و"والله إن أخاك لقادم" أكد بثلاثة مؤكدات: القسم و"إن" واللام. قال: "أول عمري إن الحق يعلو ولا يعلى عليه"، والغالب أن هذه الجملة تقولها لمن عنده معنى الإنكار بلسان الحال أو لسان المقال، لسان المقال أن يعارض في قضية يستحق أن يؤتلوا بهذه الجملة مؤكدة، أو بلسان الحال إن لم يتكلم بلسانه، لكن حاله القضية تدل على أن عند هذا الرجل معنى الإنكار. قال: ويسمى هذا الضرب من الخبر إنكاريًا، وسميه إنكاريًا؛ لأنه عنده معنى الإنكار والمخالفة لهذا الخبر، إما بلسان المقال أو بلسان الحال. قال: ويؤتى بالخبر من هذا الضرب حين يكون المخاطب منكرًا، وهذا الإنكار كما قلنا قد يكون بلسان المقال، وقد يكون بلسان الحال. ولهذا يقولون: قد ينزل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهر عليه علامات الإنكار، بماذا ظهر؟ بلسان الحال لا بلسان المقال، كما قال الشاعر: "جاء شقيق عارضًا رمحه، إن بني عمك فيهم رماح". لما يأتي الرجل وهو عارض لرمحه يعني مفتخر بشجاعته وقوته، وكما يقولون: متعنتر عن الناس، فهنا أكد له بهذه الجملة التي هي جواب لفعله هذا: "إن بني عمك فيهم رماح"، يعني انتبه لا تظن أنك وحدك عندك رمح، فالناس عندهم رماح مثل ما عندك أنت رمح. وهكذا قد ينزل غير المنكر منزلة المنكر إذا كان معه ما يدل عند التأمل أنه بلسان الحال منكر، كحال الكافرين مع أخبار الرسل، فإنه يؤتى لهم بالمؤكد؛ لأن لسان حالهم من كفرهم يدل على إنكارهم. ومنه قول الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ونحوه. قال رحمه الله: وعلم أنه كما يكون التأكيد في الإثبات -يعني في الجمل غير المنفية- قال: يكون في النفي أيضًا -يعني في الجمل المنفية- نحو "ما المقتصد بمفتقر"، ونحو "والله ما المستشير بنادم"، يعني قد تؤكد شيء وقع، وقد تؤكد شيء لم يقع، فالتأكيد لا يكون لإثبات الأشياء فقط، بل كذلك لنفيها. وبه نعرف أن اللغة العربية ليس فيها حشو، أن اللغة العربية ليس فيها حشو. ويحكى أن يعقوب بن إسحاق الكندي المشهور بالفيلسوف سأل أبو العباس محمد بن يزيد المبرد صاحب كتاب الكامل، قال: وجدت في كلام العرب حشوًا؟ قال: أين الحشو؟ يقول المبرد: أين الحشو؟ قال له: يقولون "عبد الله قائم" و"إن عبد الله قائم" و"إن عبد الله لقائم"، والمعنى واحد، يعني إيش الفرق "عبد الله قائم" و"إن عبد الله قائم" و"إن عبد الله لقائم"؟ يريد أن اكتفاء المتكلم بقوله "عبد الله قائم" هو بعيد عن الحشو والزيادة، و"إن" والجملة الثالثة "إن عبد الله لقائم" حشو. فأجابه المبرد بقوله -الذي هو فيه معنى هذا الذي ذكرنا- فقال له: أما قولك "عبد الله قائم" فهذا خبر، وأما "إن عبد الله قائم" فهذا جواب لسؤال، وهذا جواب لسؤال، وأما قولك "إن عبد الله لقائم" فهذا جواب لمنكر، هذا جواب لمنكر، يعني ليس من الفصاحة أن تفتتح الكلام بقولك "إن عبد الله قائم"، لكن يكون "إن عبد الله قائم" جوابًا لسؤال سائل، وليس من الفصاحة أن تفتتح الكلام "إن عبد الله لقائم"، لكن يكون ذلك جوابًا لإنكار منكر. وبهذا نعلم أنه ليس فيه حشو، وهذا مناسب لهذا المقام، وذكر هذا القزويني في الإيضاح. والله تعالى أعلم.