الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 2، الدرس الثاني:(يتقربون إلى المليك بفعلهم*طاعاته والترك للعصيان ... شكروا الذي أولى الخلائق فضله*بالقلب والأقوال والأركان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن صفات أهل السعادة الذين يسيرون إلى الله والدار الآخرة، وأهمية الفرائض والنوافل في نيل السعادة. الحرص على الفرائض يوفق لفعل النوافل وسائر الطاعات.
يُعد الصبر والشكر من أهم صفات المؤمنين، حيث يُشكل الصبر نصف الإيمان ويتحقق بثلاثة أقسام. الشكر يتحقق بالتوحيد وترك المعاصي وهو من أعظم صفات أهل كرامة الله.
يشرح منازل الصبر والرضا والشكر عند ابتلاء الإنسان بمصيبة، ويبين أن الشكر هو أعلى منازل الصبر وهو نصف الإيمان. الصبر هو تحمل الألم دون تسخط، والرضا هو الرضا بقضاء الله.
يتحدث عن أهمية توجيه الجوارح لطاعة الله والابتعاد عن معصيته لتحقيق منزلة الإيمان. استخدام الجوارح في أبواب مرضاة الله يحقق هذه المنزلة العظيمة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته في السير إلى الله والدار الآخرة: قال رحمه الله تعالى في ذكر صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة أهل السعادة. قال: يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته والترك للعصيان، فعل الفرائض والنوافل دأبهم مع رؤية التقصير والنقصان، صبروا النفوس أو صبروا النفوس على المكاره كلها شوقًا إلى ما فيه من إحسان، نزلوا بمنزلة الرضا فهموا بها قد أصبحوا في جنة وأمان. هذه صفات أخرى من صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة، صفات أهل السعادة الذين ذكرهم في أول بيت في هذه المنظومة. وقد ذكر كما مر معنا عددًا من صفات هؤلاء أهل السعادة الذين تجنبوا سبل الردى وتيمموا منازل الرضوان. ومن هذه الصفات أنهم يتقربون إلى المليك بفعلهم، أي إلى الله سبحانه وتعالى يتقربون إليه بفعلهم طاعاته والترك للعصيان. ومعناه أن من صفاتهم حرصهم على طاعة الرب المليك، أي الملك سبحانه وتعالى مبالغة في الملك، فهو له ملكوت السماوات والأرض وكل شيء جل وعلا. فهم يتقربون إليه سبحانه وتعالى بفعل الطاعات وترك المعاصي والسيئات، ومن كان هذا وصفه نال السعادة في الدنيا والآخرة. ولهذا كان من علامة ولاية الرب جل وعلا لعبده وتحقق عبودية الرب لخالقه أن يكون هذا وصفه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيح، وهو حديث قدسي: «قال الله عز وجل: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب... الحديث»، إلى أن قال: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» الحديث. وفي هذا دليل على أن رضى الرب سبحانه وتعالى ومحبة الرب سبحانه وتعالى يتوصل إليها بالتقرب إليه بفعل طاعاته واجتناب معاصيه وسيئاته. وأعظم ما يتقرب إلى الله من الطاعات الفرائض، ولهذا قدم ذكرها في الحديث القدسي. فإذا من صفات أهل السعادة السائرين إلى الله والدار الآخرة حرصهم على الطاعات، وأعظم الطاعات حرصًا الفرائض. ومن كان حريصًا على الفرائض وفقه الله على طاعات النوافل، ومن فرط في الفرائض فرط في النوافل. إذا رأيت الرجل يحافظ على الصلوات الخمس، يحافظ على صلاة الفجر، يبكر إليها، فهي علامة على أنه بإذن الله تعالى موفَّق لفعل النوافل وموفَّق لفعل سائر الطاعات. وإذا رأيته يفرط في هذه الفرائض، مضيعًا لها، مفترًا فيها، فاعلم أنها علامة على تفريطه لغيرها من الطاعات والنوافل. لأنه لا يتقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما افترضه عليه. وإذا حرص على ذلك وفقه الله لغيره، وإذا لم يحرص على ذلك حرمه الله غيره. وكما أنها علامة، فهي كذلك مكرمة منه سبحانه وتعالى. فلذلك من أراد السعادة والصدق في سيره إلى الله والدار الآخرة، فليحرص على فعل الطاعات وترك المعاصي والسيئات. وإذا لم يفعل ذلك ابتلاه الله عز وجل بخسارة الدنيا والآخرة، والذل في الدنيا والآخرة. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري» رواه أحمد وغيره من حديث عبد الله بن عمر بإسناد صحيح. بل أخبر الله عز وجل عن أهل السبت كيف جعل الله عز وجلهم الذلة بما كان من معصية الله سبحانه وتعالى. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في أهل معصيته، والجزاء من جنس العمل. فالعزة إنما هي بطاعة الله وبالحرص على اجتناب معصية الله، والذلة بخلاف ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: فعل الفرائض والنوافل دأبهم مع رؤية التقصير والنقصان. كذلك من صفاتهم هو تبع لما سبق، حرصهم على الفرائض والنوافل دأبهم، يعني صار خلقًا وسجيةً لهم، حرصهم على الفرائض وإكثارهم من النوافل. ومع ذلك فهم يرون أنفسهم مقصرين، وهذا ما أخبر الله عز وجل به عن الصالحين من عباده الذين يعطون ما آتوا وقلوبهم وجلة. لأن هذا يمنع من العجب الغرور، لا يزال العبد ينظر إلى تقصيره ونقصه وعظمة ربه وخالقه، فيدعوه ذلك إلى الإكثار من الطاعات والزيادة في الإحسان ونوافل المستحبات. ومع ذلك فهو يتهم نفسه بالتقصير والنقصان حتى لا يغتر بعمل ولا يعجب فيبطل على نفسه أعماله الصالحة. وهذا من كمال عبوديتهم لله سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله: صبر النفوس على المكاره كلها شوقًا إلى ما فيه من إحسان. ومن صفاتهم كذلك أنهم حققوا منزلة الصبر، والصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى. ومن حقق ذلك فقد حقق نصف الدين، فنصف الدين ونصف الإيمان صبر، كما أن نصفه شكر، كما جاء معناه في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي رواه الإمام مسلم وغيره من حديث صهيب، قال عليه الصلاة والسلام: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن». فالمؤمن من جمع بين الصبر والشكر، من جمع بين الصبر والشكر، فبالصبر يعان على فعل الطاعات وترك المعاصي والسيئات، والصبر على أقدار الله المؤلمات. وبالشكر يتحقق له أعلى مقامات الطاعات، ويكون له ما يكون من النجاح من سائر الموبقات. ولهذا وصف الله عز وجل أهل كرامته بأنهم اعتبروا بهذين الوصفين العظيمين، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. فرأس الشكر التوحيد، ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى من الشرك والبدعة والمعصية. فمن حقق ذلك حقق الإيمان كله، حقق الإيمان كله. فصح بذلك أن الإيمان كما قال العلماء نصفه صبر ونصفه شكر. وذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الصبر ذكر في القرآن في أكثر من تسعين موضعًا، وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصبر ضياء، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. فإذا استوفى المؤمن خصال الصبر فقد استكمل نصف الإيمان، وإذا أتى معه بالنصف الآخر هو الشكر، وهو ما سيأتي ذكره إن شاء الله، حقق بذلك الإيمان كله كما سيأتي إن شاء الله ذكره. ومن الصبر على طاعة الله الصبر أولًا في الوصول إليها، وفي عملها، واستكمال واجباتها وشروطها وأركانها، بل ومستحباتها ومكملاتها. بل وكذلك الصبر كذلك على طاعة الله في أن يداوم عليها، وأن يتقبلها الله عز وجل منه بتحقيق كل ما طلب منه تحقيقه، واجتناب كل ما طلب منه اجتنابه مما ينافي العمل الصالح من الإخلاص والصدق وعدم الرياء وغير ذلك. كل هذا يحتاج إلى الصبر، فحتى تؤدي طاعة واحدة يحتاج منك منازل كثيرة من منازل الصبر. ومثله كذلك قل في المعصية حتى يجنبك الله عز وجل إياها، فأنت تحتاج إلى الصبر في شهوة نفسك، وفي شهوة جوارحك، وفي كذلك مجاهدة نفسك ألا تجرك هذه الشهوات والذنوب والسيئات. فلا تزال مجاهدًا، وعند ذلك يتحقق لك أعلى منازل الصابرين. والله عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. لماذا؟ لأنهم لا يزالون في صبر ومصابرة حياتهم كلها صبر ومصابرة، صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان من أعظم صفات المؤمنين الصادقين تحقيقهم لهذه الصفة، صفة الصبر. وقد ذكر الله عز وجل الصبر في مواضع كثيرة، من تأملها ودقق النظر فيها استيقن إلى عظيم منزلتها، كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله ذكرت في أكثر من ستين موضعًا. ثم قال رحمه الله: نزلوا بمنزلة الرضا فهموا بها قد أصبحوا في جنة وأمان. ومنزلة الرضا منزلة من منازل الصبر، فالصبر على أقدار الله أربعة أقسام: الناس فيه على أقسام أربعة: ساخط وهو الخاسر، وصابر وهو المأجور غير المأزور، وراضٍ وهو من زاد مع أجر الصبر أجر الرضا، وشاكر وهي أعلى منازل الصابرين. فمثلًا لو ابتلي الإنسان بمصيبة، فتسخط بلسانه قضاء الله وقدره، أو ضرب الخدود وشق الجيوب وحث التراب، وصفع وتكلم، لصار من الصاخطين الآثمين. وإن كظم غيظه وألمه فصبر، فلم يحصل منه ما يغضب الرب سبحانه وتعالى لا بقول ولا بفعل ولا بحال، فهو قد أدى ما أوجب الله عز وجل عليه، ويؤجر على هذا الصبر. فإذا تعدى هذه المنزلة بشيء أكثر منه، وهو أن حقق هذا الوصف للصبر، وزاد معه رضاء القلب والجوارح بما اختاره الله له، علم علم اليقين أن ما اختاره الله له خير مما يختاره لنفسه، زاد مع أجر الصبر أجر ماذا؟ أجر الرضاء، وهي منزلة أعلى من منزلة الصبر. ومن زاد على هذه المنزلتين هاتين المنزلتين، منزلة الشكر، ليس فقط صبر ولا كذلك رضي، بل زاد على ذلك أن شكر ربه سبحانه وتعالى على لطف القضاء. يصاب الإنسان بمصيبة مثلًا، يصيبه حادث تنقلب به سيارته، فيخرج من سيارته، ويخر لله عز وجل ساجدًا شاكرًا لله عز وجل على لطف قضائه في مصابه. فهو لم يتسخط، وهو كذلك صبر، وزاد على هذا الصبر أن رضي، وزاد على هذا الرضاء ماذا؟ أن شكر بقلبه، بقلبه وبلسانه وبجوارحه، فسجد لله شاكرًا على لطف القضاء. وهي من أعلى منازل الصبر، منزلة الشكر، وهي منزلة من منازل من منازل الدين والإيمان. الصبر أعلى منازل الصبر الشكر، وهي كذلك منزلة من منازل الدين والإيمان، فهي باعتبار أحد الصبر تعتبر أعلى منازل الصبر، وباعتبار وصفها منزلة من منازل الدين ومعنى من معاني الإيمان. فهو نصف الإيمان لأن الإيمان كما تقدم معنا نصفه صبر ونصفه شكر. فبالشكر يؤدي ما أنعم الله عز وجل عليه من الطاعات والنعم وسائر المنا فيما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه، فهو شاكر لربه سبحانه وتعالى أولًا على ما افترضه عليه من طاعات، وعلى ما وفقه الله من ترك السيئات، وعلى ما لطف به فيما قدر عليه من أنواع البلاء والملمات. ومن استوعب خصال الشكر في هذه الأحوال الثلاثة فقد استكمل خصال الإيمان، وهو في نفس الوقت شكر الله بقلبه لصدق اعترافه بعظيم حق ربه وخالقه عليه، وفقره وضعفه ونقصه. لأن العبد إذا نظر إلى نقص نفسه علم أن نفسه الناقصة تستحق عقوبة من الله. فإذا جاءت العقوبة أقل مما كان يخافه كان ماذا؟ شاكرًا لله سبحانه وتعالى. وهذا لا يتحقق إلا من كملت عبوديته لله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأنه لا يزال ينظر إلى نفسه بنظر النقص، وينظر إلى ربه وخالقه بنظر العظمة والإجلال وعظيم الحق. فهو بذلك لا يزال يجتهد في الخير ويتهم نفسه بالنقص ويخاف أن يبتليه الله بما كان من نقصه. فإذا ابتلاه الله عز وجل بشيء شكر الله على لطف قضائه، فهو ينظر دائمًا لنفسه بالنقص وإلى ربه سبحانه وتعالى بالإكرام والمنة والفضل سبحانه وتعالى. لأنه إن أعطى بفضله، وإن حرم وعاقب بماذا؟ بعدله سبحانه وتعالى، وهو الرحيم الكريم جل وعلا. فيتحقق ذلك بقلبه أي الشكر، ويتحقق بلسانه، ويتحقق بجوارحه. بقلبه بكمال عبوديته لربه بتحقق هذا الإقرار، وتحقيق معنى العبودية بالنظر إلى عظمة ربه ونقص نفسه. ولا يزال يتدرج في هذه المنازل حتى تتحقق كمال العبودية لله. وبلسانه بكثرة الثناء على الله بما هو أهله، والتحدث بما أنعم الله عز وجل عليه من مننه، فلا يزال يشكر ربه سبحانه وتعالى سواء شكر المنة على وجه الخصوص أو العموم. فإذا نعم عليه بنعم خاصة شكره عليها، أو نعم عامة شكره عليها، فلا يزال يشكر ربه سبحانه وتعالى. وإذا كان قد قال الله: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله»، فكيف بما كان من عظيم نعمة الله سبحانه وتعالى، وهو القائل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. وهكذا كذلك بالجوارح بأن يكفها عن معصية الله، ويستعين بها على طاعة الله، ويوجهها في أبواب مرضاته سبحانه وتعالى. فعند ذلك يحقق هذه المنزلة العظيمة من منازل هذا الدين ومراتب هذا الإيمان. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، فالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.