خطر الغرب والتغريب

المحاضرة بعنوان خطر الغرب والتغريب، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش يوم الجمعة 7 رجب 1445هـ الموافق 19 يناير 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التغريب وآثاره على المجتمعات المسلمة

يتحدث الشيخ عن خطر التغريب على الهويات الثقافية والدينية للمسلمين، ويشرح كيف يستهدف الغرب النخبة من الشباب والفتيات المسلمين. يوضح ذلك من خلال مثال فتاة يمنية تأثرت بالثقافة الغربية وعادت إلى الله بعد حياة منحرفة.

مخاطر التغريب ومحاولات تشويه الإسلام

يتناول المقطع خطورة التغريب ومحاولات أعداء الإسلام في محاربته بفصل الدين عن الحياة وتشويه صورته. يستعرض ثلاثة محاور يستخدمها الأعداء: زرع الخلافات، تعزيز المذاهب الرديئة، ومحاربة أهل ودعاة الحق.

وسائل التغريب وسبل المواجهة

يشرح كيف يستهدف الغرب القيم الإسلامية وينشر أفكار التغريب، ويحارب المراكز العلمية ودور القرآن. يشير إلى أهمية إعادة النظر في التعليم والتربية لمواجهة هذه المخططات.

دور الأفراد في نصرة الدين

يجب على كل فرد المساهمة في نصرة الدين بما يستطيع، سواء بماله أو جاهه أو علمه. على كل مسلم مراجعة نفسه فيما قدم لدين الله ومحاربة العداء له، ونسأل الله الهداية والتوفيق لنصرة الدين.

التفريغ النصي الكامل

خطأ الغرب والتغريب كلمة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ السابع من شهر رجب لعام 1445 من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، بين يدي هذا اللقاء المفتوح وقفة يسيرة في معضلة من المعضلات ومشكلة من المشكلات التي ابتليت بها الكثير من المجتمعات، وخصوصًا هذه المجتمعات المسلمة، وعلى وجه أخص المجتمعات المسلمة في البلاد العربية. هذه المعضلة والمشكلة أثارني للكلام فيها رسالة ثانية محزنة مؤلمة تحكي قليلًا من الواقع، كما يقول القائل: قليل من كثير مما ابتليت به مجتمعاتنا من آلام وأحزان تتعلق بكثير من المشاكل والمعضلات، ومنها هذه القضية والمعضلة التي ألمحت إليها. وكنت قد تكلمت في محاضرات ودروس قديمًا عن هذه المعضلة، بل حلقات، وهي قضية التغريب. قضية التغريب، التغريب ربما الكثير من الناس لم يسمع هذه الكلمة، ولا يدري أبعادها وعظيم خطرها. قضية التغريب التي يراد منها ليس فقط كما يظنه بعض المثقفين والذين وقفوا على هذه الكلمة، ربما وقفوا على معناها الصدفي، فظنوا أن معناها هو التطبيع وصراع الحضارات والثقافات، وكيف أن الحضارة الغربية تحاول فرض حضارتها وثقافتها على المجتمعات الأخرى في العالم. فيظن أنه يقف الخطر عند هذا، ولكن الأمر أكبر من ذلك بكثير، إذ الأمر أمر طمس هوية. كان الأمر أمر صراع حضارات وثقافات لكان أهون على عظيم الشر الذي فيه، لكن القضية أعظم من ذلك بكثير. القضية هي طمس الهويات، ويبقى هوية واحدة تكون فيها التبعية الكاملة للغرب. وهذا باختصار معنى التغريب الذي يهدف إليه أعداء لا أقول الإسلام فقط، بل أعداء البشرية، فإن البشرية تحارب بهذه الأداة حربًا ثقافيًا وفكريًا وحضاريًا وسياسيًا وعسكريًا لتكون التبعية الكاملة لهذا المعسكر الغربي بكل ما فيه. وقد بدلوا لذلك الوسائل الكثيرة العديدة المتنوعة لجر العالم إلى هذه التبعية المقيتة. والشاهد، وأختصر عليكم، جاءتني رسالة من أحد الأخوات اليمنيات، وللأسف ممن كانت ضحية هذا التغريب. أحد المبرزات التي اختيرت أن تكون ممن يفوز بمنحة خارجية بسبب أنها من الأوائل العشر في بلدتها، فكانت في فرح وأهلها في فرح لذلك. وهذا موضع من مواضع التغريب الذي تستهدف به مجتمعاتنا، ينتخبون أفضل ما في المجتمع ويسرقونهم من المجتمع ويأخذونهم لأجل أن يرجعوهم أعداء لمجتمعاتهم. قد أزالوا كل قيم وكل معنى من معاني، لا أقول فقط الدين والأدب، ولكن حتى الإنسانية. هذه حقيقة الحياة الغربية، حياة عديمة الإنسانية لمن يعرفها من الداخل. ومن لم يعرفها من الداخل فإنه سيغتر بالتكنولوجيا الظاهرة والحضارة المزخرفة، لكنها من الداخل مجتمعات هشة خالية من معاني الإنسانية، فضلًا أن يكون فيها آداب أخلاق أو قيم مبادئ أو دين أو غير ذلك من المعاني الأخرى. الشاهد، سارت في رحلتها، وأختصر عليكم، أرسلت رسالة بعد أن رجعت إلى الله وتابت إليه. خرجت فتمردت على أهلها وبلدها، وكما حكت عن نفسها: ما من شيء يخطر ببال إنسان من القبائح إلا ودخلت فيه وجرفته، حتى أنها قاطعت أهلها وهجرها أهلها، بل توعدوها إن رجعت أن يفتكوا بها، فانقطعت عنهم انقطاعًا كليًا، وخاضت لهذه الحياة إلى أن أصابتها بعض المصائب. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى: أنه يبتلي ليذكر ويرجع إليه سبحانه وتعالى. فعرفت أنها في حياة بهيمية، وأن المجتمع الذي تعيش فيه مجتمع بعيد كل البعد عن الإنسانية. وكانت في أحد البلاد الأوروبية في هولندا، وتعرفت بعد أن تابت على أحد المساجد، وعرفت بعض الأخوات اليمنيات، فأعطوها رقمي ورسلتني تسأل: إن كنت في السويد - والظاهر عندهم معلومات قديمة - أنني أقوم دعوة في السويد، وقالت: أنا وصلت إلى السويد، وأريد أن أعيش حياة غير الحياة التي كنت فيها. تبت إلى الله ورجعت إليه، ولا أريد أن أرجع إلى أهلي لأنهم سيقتلوني. فالشاهد من هذا، دللتها على بعض المراكز الإسلامية في السويد، وبعض الأخوات هناك والإخوة القائمين بدعوة. لكن الشاهد من هذا، انظروا إلى هذه الحادثة لتعرفوا كم يسرق الغرب من أبنائنا وفتياتنا في كل عام. في كل عام يأخذون العشر الأوائل، ثم يذهبون بهم إلى تلك البلدان ليزيلوا ما في قلوبهم من دين وقيم، حتى عقولهم يسرقونها، فيخرجونهم حتى من معاني الإنسانية. نعم، المنصف منهم إذا هداه الله يعرف أنه في حياة بهيمية، حياة بعيدة كل البعد عن معاني الإنسانية. الحياة في الغرب ليس فيها الترابط الأسري. يولد المولود ولا يعرف من أباه، إذا سأل أمه: من أبي؟ قل له: ما أدري، ما أدري من أبوك؛ لأنني في الأسبوع الواحد أكون مع أكثر من رجل. وليس من المهم أن تعرف من أبوك، هذه حياتهم. بل وصل بهم الأمر أن يضعوا بنوكًا كما يوضع البنك للدم، يوضع البنك لبويضة النساء، والبنك لماء الرجل، ثم يعملون من التهجين والتزريع ما ينشئون به ما يشاءون من السلالات. يعني حتى البهائم ما يفعل معها هكذا، فينتقون أقوى الرجال في أقوى النساء ليفرجوا سلالة يجعلونها هذه السلالة للجيش، وللأعمال الشاقة، وهكذا. سلالة أخرى للجمال وللفن ولغير ذلك، وسلالة أخرى لجهات أخرى، وهكذا. أي حياة يكون حالها كهذه الحال؟ لأن نعرف ما وصل إليه هؤلاء، يتكلمون عن العدالة والإنسانية، وهم أشرس الناس في محاربة العدالة والإنسانية. يتاجرون بالبشر، يسرقون البشر من الدول الضعيفة والفقيرة، فإذا بهم يؤت بهم بالعشرات والمئات من داخل دول آسيا، من تايلند وبورما وبيتنام وغيرها من الدول الفقيرة الضعيفة، فيكونون هؤلاء نساء وأطفالًا في الملاهي والمراقص وأماكن الفساد. ويأخذون على قيام من الرجال من أفريقيا ومن غيرها من البلاد ليعملون في مزارعهم ويشغلونهم في مناجمهم وفي الأعمال الشاقة، بل وربما اختاروا أقوى رجل منهم وجعلوه مثل تيس، مثل تيس الزريبة، فقط ليخرج لهم قويا مثله. وهذا مدوّن في كتبهم، وفي صحفهم، وفي كتاباتهم، فضلًا عن المصانع التي تشغل الناس كأنهم حيوانات. يوجد مصانع في بعض الدول الأوروبية يدخلها بعض من يأتي من الصين وآسيا، لا يخرجون من هذه المصانع من حين أن أتوا. يتناوبون في السرير الواحد ثلاثة، وقد رأيت هذه المصانع في إيطاليا وفي ألمانيا، وفي بعض الدول يحطونهم في أماكن خاصة يتناوب على السرير الواحد ثمانية، في كل ثمان ساعات يذهب واحد ويأتي الثاني، ويذهب واحد ويأتي الثالث، وهكذا يتناوبون على الأسرة، ويشتغلون ليل نهار. أين الإنسانية؟ أين البشرية؟ وما يفعلونه بالعالم اليوم كما ترون: الحروب هنا وهناك، والإبادات الجماعية، والفتن. هذا قليل من كثير مما يفعلوا هؤلاء. ولكن أبشركم، أبشركم بأن وعد الله حق، وخبره صدق، وهو يقول سبحانه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. اللهم تم نورك. ونحن نرى بفضل الله سبحانه وتعالى كيف أن هذا الدين بعز عزيز وذل ذليل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ينتشر ويجري جريان النار في الهشيم، شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا. فما من بلد من هذه البلدان إلا بفضل الله سبحانه وتعالى ينتشر فيها الإسلام بقوة. ولذلك فإن أكبر عدو أمام هؤلاء دعاة التغريب هم المسلمون. منزلة المسلمين في العالم ليست الأولى، ولا الثانية، ولا العاشرة، ولا الوسط، بل هم في آخر الصف. إن جئت في الأمور التكنولوجية فهم ليسوا الأوائل، وإن جئت في الأمور الاقتصادية فليسوا بالأوائل، لكنهم الخطر الأول الذي يحسب له أعداء هذا الدين ألف حساب؛ لأنهم علموا أن حقيقة القوة والنصر هي قوة القيم، وقوة الدين. ودين الإسلام يختلف عن سائر الأديان. استطاع أعداء هذا الدين أن يفصلوا الدين عن الدولة، وعن السياسة، وعن الحياة في دولهم، لكنهم حاولوا في فترات الاستعمار أن يفصلوا الدين عن الحياة في بلاد الإسلام فلم يستطيعوا، فلم يستطيعوا؛ لأن أصالة هذا الدين تتناول الحياة كلها. قد علم ذلك الصغير والكبير: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. معاشر المسلمين والمسلمات، ويا طلبة العلم وطالباته، ويا معشر الدعاة والمشايخ والعلماء، قضية التغريب قضية خطيرة، وحربها حرب كبيرة، هي حرب بين الإسلام والكفر، وهي من أقوى الحروب في الزمن المعاصر. ليس أحد يمكر بأهل هذا الدين بمثل مكر أهل التغريب، فهم سبب دعوات كثيرة شريرة وخطيرة في المجتمعات، منبعها ومنبثقها من هذه الدعوة: دعوة التغريب. حاربوا الإسلام والمسلمين من محاور كثيرة، من حين بدأ الاستعمار لم يكن هدف الاستعمار المال بقدر ما كان هدفهم القضاء على العدو الأول الذي يخيفهم ويقلقهم، وهو الإسلام؛ لأنهم رأوا حضارة المسلمين في الأندلس وما حولها، وعلموا أن حقيقة الإسلام وأهله ككتلة ضخمة كبيرة مغلغلة. متى من فك من هذه السلاسل فإنه سيجتاح الأرض كلها، وقد رأوا ذلك في تاريخ المسلمين. فلذلك هم يهابون ويخافون من المسلمين أعظم من غيرهم. إن جئت إلى تركيب المسلمين من جانب الحضارة التكنولوجية المعاصرة فهم ليسوا الأوائل، يوجد كثير ممن ينافس الغرب، بل وربما فاق الغرب، لكن ما يشغلهم هؤلاء بمثل ما يهمهم ويشغلهم أمر المسلمين. بمثل ما يخيفهم ويزعجهم رجوع وقوة المسلمين، ولذلك فهم يبدلون الغالي والرخيص، والقليل والكثير في محاربة الإسلام وأهله. وقد بدلوا لذلك وسائل كثيرة ومحاور عديدة. وحسب أن أشير بهذا المقام المختصر إلى ثلاثة محاور سعوا فيها، ومن خلالها إلى محاربة الإسلام والمسلمين، وبث فكر التغريب. أولها: زرع الخلافات والصراعات بين المسلمين، من خلال إنشاء أسباب الخلاف، واستغلال ما هو موجود، تارة الخلافات المذهبية أو الفرق، أو السياسة، أو كذلك الحدود والجوار بين الدول المسلمة، أو غير ذلك من الأسباب الكثيرة التي تجعل المسلمين ينشغلون بالصراعات فيما بينهم البين، فيكونوا بذلك ضعفهم. فالواجب على أهل الإسلام: رعاة ورعية، أن يتنبهوا من أن هذه الخلافات والصراعات المستفيد الأول منهم أعداء هذا الدين. وأن نخسر قوتنا بهذا التمزق والتفرق، وهذا الصراع والاختلاف، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي قوتكم. والأمر الثاني: زرعوا المذاهب الرديئة وتقويتها، بل والديانات الدخيلة وتعزيزها. أنشأوا البهائية والقاديانية، كلها أديان مستحدثة ما كانت معروفة من قبل، استحدثت بعد الحروب الصليبية، وهكذا فكر الرافضة والباطنية والصوفية، وتصوير ذلك للعالم بوسائل الإعلام المتنوعة: أن هذا يمثل الدين الصحيح، والدين المعتدل، وغير ذلك من الدعايات، وكذلك الزخرفات. وفي المقابل: محاربة أهل الحق، محاربة أهل الحق ودعاة الحق من لدن السلف الصالح. الطعن في الصحابة، واصفة الرافضة والناصبة، ومن كان على طريقهم ممن يستطيعون الدخول بهم، ومنهم إلى الطعن في خيار هذه الأمة. إخراج معايب من يستطيع إخراجه من التابعين واتباع التابعين، وأئمة الدين. بل لو استطاعوا حتى عن الصحابة الأفاضل رضي الله عنهم، الذين أكرمهم الله وأثنى عليهم من فوق سبع سماوات. فتخرج الكتابات من المستشرقين وأذيالهم في الطعن في عثمان، والطعن في معاوية رضي الله عنهما، والطعن في عمر، وفي أبي بكر، إن استطاعوا. وهكذا حتى لا تبقى مرجعية لهذه الأمة، ويتدرج الأمر إلى الوصول إلى العلماء، ولأئمة. ما من عالم إلا وطعنوا فيه، وفي تراثه. طعنوا في الإمام البخاري، وفي الإمام مسلم. فتجد أقلامًا مستأجرة من هنا وهناك، وأصواتًا كذلك مستخدمة من هنا وهناك، تارة طعنًا في البخاري، وفي كتاباته ومؤلفاته، وتارة في الحديث، والتشكيك في عدد الصحيح منه، وتارة وتارة. ربما قيل لك: هذا مفتي البلد الفلاني، وهذا مفتي البلد الفلاني، تستغرب. أو هذا العامل في هيئة الأمر بالمعروف في المدينة الفلانية، كيف ينبع هؤلاء من هنا وهناك، وفي وقت متقارب؟ السبب أن هناك من يدفع، وأن هناك من يدفع: يدفع حسًا ومعنًا، حتى وجدوا هذه الأصوات والأقلام المستأجرة التي تخدم طريق أهل التغريب. طعن في المجددين من علماء الدين، طعن في الأئمة المحققين الذين ردوا هذه المجتمعات إلى حياض الدين الصحيح. يقعنون في شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وابن عبد البر، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم. ما لهؤلاء وهؤلاء؟ إلى أئمة. وهؤلاء العلماء والمحققين، حرفوا، وحاولوا يحرفوا التاريخ. وكل من جدد الدين ودعا إلى الدين الصحيح، جاءوا إلى دعوة الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله رحمة واسعة، فحاربوها، وزيفوا الأكاذيب الكثير الكثير عنها، وفيها. حتى صار صاحب التوحيد والعقيدة الصحيحة يستحي أن يذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، من شدة الحملة الشرسة التي يديرها أعداء هذا الدين، وأقلامهم وأصواتهم المستأجرة في بلاد المسلمين على أمثال هؤلاء الأئمة والمجددين. فعند ذلك تجد ذاك المسؤول ينخنس من أن يذكر مثل هذا الإمام بكل شجاعة وقوة كما كان يفعل من قبل. بل وتجد بعض الدعاة والمشايخ والعلماء ينخنس أن يذكر مثل هؤلاء الأئمة والعلماء. بل وصل الأمر في بعض البلاد: تجريم من يذكر أسماء هؤلاء الأئمة، والأئمة جريمة يحاسب عليها؛ لأنه سيتهم بأنه من دعاة التكفير. انظروا إلى الكذب والزور. من حارب دعاة التكفير والخوارج إلا أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا؟ من يعرف زوايا وخبايا دعاة التكفير والتفجير إلا أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا؟ ولكن هؤلاء يكذبون ويحرفون ويحاربون أهل الدين الحق بمثل هذه الوسائل الماكرة، وهذه الطرق الدنيئة. وهكذا ليس الأمر يقف عند هذا، بل كذلك بدعم الفكر المضاد. يتهمك بالتكفير وهو يدعم التكفير، يتهمك بالتفجير وهو يدعم التفجير. بينما يتهم الكثير من أهل السنة بالتكفير والتفجير، وإذا بأماكن الإيواء في الدول الأوروبية تجمع الشباب وتسفرهم إلى تركيا، وإلى سوريا، وإلى العراق؛ لأجل أن يكونوا ضحية أفكار التفجير والتكفير. رؤوس التكفير أين هم؟ هل في البلاد المسلمة؟ كل عاقل ومنصف يعرف أن مأوى رؤوس دعاة التكفير هي بالبلاد الكافرة، من داخل البلاد الكافرة يصدرون الأوامر، ويوجهون تلك الجيوش المستأجرة التي هي في الحقيقة أجندة من أجندة دعاة التغريب. هذا قليل من كثير مما يفعل في هذه الأمة. وسر بعد ذلك حتى يصل الأمر إلى محاربة المراكز العلمية، وكذلك دور القرآن، والهيئات الإصلاحية. والشماعة جاهزة: التهمة التكفير. لا نريد الغلو في المجتمعات، لا نريد منابع التكفير. حتى صار لبس النقاب علامة من علامات التكفير، وإعفاء اللحية علامة من علامات التكفير، لبس الثوب وتقصيره علامة من علامات التكفير. فينبغي أن ننتبه من هذه الدعوات والدعايات التي يحاول أن يثبتها أعداء هذا الدين، والمستأجرون الذين هم وللأسف أجندة من أجندتهم في بلاد المسلمين. والأمر الثالث من وسائلهم، ومن محاورهم - على وجه الاختصار - أنهم يحرصون كذلك على اختلاس واسترفاء من استطاعوا من المجتمعات المسلمة، سواء بوسائل الإعلام المتنوعة: المقرؤة والمسموعة والمرئية، أو كذلك من خلال المدارس التي تنشر هنا وهناك، وتبث هذا الفكر، فينتشر الإلحاد، وينتشر كذلك الدعوة إلى التحرر. كأن الحضارة لن تتحقق إلا كما قال قائلهم: نريد دولة بلا حدود ولا قيود. نريد دولة بلا حدود ولا قيود. لا حضارة مرجوة، ولا رفاهية تأتي إلا أن نقيم دولة بلا حدود ولا قيود. وهذه الكلمة لها معاني عميقة، معناها الانسلاخ من الدين، الخروج من القيم والمبادئ، التخلي عن كل أصيل. وهذا الذي وللأسف يسعى إليه دعاة التغريب من الكافرين، ومن أجندتهم في بلاد المسلمين. وهذا الذي يحصل الآن، من استطاعوا أن يأخذوه ليغسلوا عقله وقلبه، أخذوه. فإن كان بالشهوات فبالشهوات، أو بالشبهات فبالشبهات، أو بالإغراءات فبالإغراءات، أو بالوقت والزمن فبالوقت والزمن. ومن لا يستجيب فالتهم جاهزة، أو كذلك التخلص منه سهل. ومن ذلك كذلك: انتقاء واصطفاء ذوي الخبرات، وذوي التميز في المجتمعات. أليس نحن معاشر المسلمين أولى بأن نستفيد من هؤلاء؟ نحن أولى أن نستفيد من هؤلاء. لماذا لا ينبري من ولاة أمر المسلمين، ومن تجارهم، من يحتوي هؤلاء المبرزين، بدلًا من أن يسرقهم الغرب منا؟ نحن نقيم لهم المدارس التي توجههم إلى النجاح، وأن يكونوا لبنات بناء في مجتمعاتنا المسلمة، بدلًا من أن يخرج من عندنا ويرجع عدوًا علينا. لماذا لا نعيد النظر في إصلاح طريق التعليم؛ لأن طريق التعليم كذلك من وسائل التغريب؟ محاربة التعليم في هذه البلاد، محاربة قضية التعليم. ولذلك لا تستغرب إذا صرت ترى أن الأمم تحتفي بالعاب الكرة. صار لاعب الكرة هو محل الأنظار، ومحل الاعتناء والاهتمام. إذا فاز فريق الكرة يبدل التجار والأمراء والرؤساء الأموال الطائلة. لكن من الذي يكرم من في طريق التعليم؟ من يبدل لبناء هذه البلد حسًا ومعنًا؟ من يلتفت إليهم؟ من الذي أراد أن يحرف الكفة؟ أن يشغل المجتمعات بالتفاهات، ويصرفهم عما ينفعها ويهمها، ويبني بلدها. انظروا، انظروا، وزنوا بالموازين الصحيحة. كلنا يقرأ ويسمع وسائل الإعلام، والتهويل الذي حصل: فاز فريق اليمن للناشئين، ذاك يبدل كذا وكذا مليون، وذاك يبدل كذا وكذا مليون، وذاك يستضيف اللاعبين. وحصل الفوز والنصر والتكبير: الله أكبر، كأنهم فتحوا فلسطين. بينما قضية التعليم يبخل وزير - فضلًا عن من دونه - أن يبدل من مخصص الوزارة لاختبار طلاب تعليم القرآن. ما فيه عندنا مخصص للاختبار. سبحان الله، وزارة ما عندها مخصص للاختبار، وعندها مخصص لكرة القدم، ولدعمهم بالملايين والمليارات. يوجد مخصصات لهذا، لكن لا يوجد مخصص لاختبار المساكين الذين أضاعوا سنة كاملة، ثم يأتي يوم الاختبار ليس عندهم مخصص للاختبار. إذن من الذي يدفع؟ أولياء الأمور، وأهل الخير يجمعون المال لأجل أبنائهم يختبروا، ويمتحنوا، ويتعدوا هذه السنة بسلام. يعني لا مدارس، لا مدرسين، لا كهرباء، لا مواصلات، لا مخصصات، حتى يوم الاختبار يتقاعص الجميع ليقف من يؤدي رسالة عظيمة: رسالة التعليم. لا يجد أحد يقف معه. أليست هذه مأساة؟ أليست هذه أمورًا محزنة مؤلمة؟ وانظر في المقابل: ماذا تبدل جهات كثيرة ومتنوعة لفريق كرة القدم؟ حققوا نصرًا عظيمًا. طيب، هؤلاء الذين سيخرج منهم الأطباء، وسيخرج منهم العلماء، وسيخرج منهم أهل الكفاءات والخبرات، أين موقعهم؟ وأين مكانهم؟ وماذا أعددنا لهم؟ حين ترى أن الصواريخ تأتي على باص مليء بالطيارين، فيقتلون بصاروخ واحد، وتحصل الاغتيالات لأئمة المساجد. ينتقون انتقاءً. وحين تأتي كذلك التصفيات لأهل الكفاءات، فيؤتى إلى بيوتهم: هذا ابنه خمسين سنة، وهذا ابنه ستين سنة، وهذا ابنه سبعين سنة، لكن هذا متخصص في كذا وكذا في الجانب العسكري، وهذا متخصص في كذا وكذا في الجانب الطبي. حصلت لهم تصفيات، وحصلت لهم كذلك اغتيالات، وهم في بيوتهم، وبعضهم من المتقاعدين. وكلنا يعرف هذا. هل هذا حصل صدفة؟ هل هذا حصل ضلالة؟ لأجل أن نعرف: حصل هذا في العراق، وفي ليبيا، وفي سوريا، وفي السودان، والآن في اليمن، وقبله في الصومال. لأجل أن نعرف كيف يعمل أعداء هذا الدين، ومن يستخدمهم، ومن يستخدمهم لمحاربة كل قوة تقف أمامهم. يريدون دولة هشة، ليس فيها كفاءات، ليس فيها خبرات، ليس فيها مقومات، ليس فيها أطباء، ليس فيها قضاة، ليس فيها علماء: سواء علماء دين، أو علماء دنيا. يريدون دولة هشة ضعيفة، لا تصلح إلا أن تكون منقادة. هذا الذي يريدون. ماذا سيفعل لنا لاعب الكرة؟ هل سيرفع من اقتصاد البلد؟ أو سينفع هذا البلد؟ أو ذاك المغني والممثل والفنان؟ أو ذاك الآخر؟ ماذا سينفعون البلد؟ لا شيء. لكن الاتجاه وجه إلى هذا الطريق، وللأسف الكثير ممن في المجتمع كالنعاج يتبعون ما يريد أعداء هذا الدين، إلا من رحم الله. معاشر المسلمين والمسلمات، هل نعقل؟ هل نعتبر؟ هل نرجع؟ هل نراجع؟ فنعيد الحسابات، ونقف وقفة رجل واحد في نصرة ديننا، وقيمنا، ومبادئنا. مع هذا التقصير، إلا أن الله عز وجل - والله وبالله وتالله - قد أكرمنا بالحفاظ على هذا الدين. والله، مع هذا التقصير، نحن نرى بفضل الله سبحانه وتعالى أن كلمة الله لا تزال بفضل الله سبحانه وتعالى هي العليا. ليس فقط في بلاد المسلمين، بل كذلك حتى في بلاد الكافرين. انتشرت المساجد، وكثرت المراكز الإسلامية بفضل من الله سبحانه وتعالى. كثرة الراجعون إلى الدين، وكثرة الذين دخلوا بدين الله بدين الإسلام. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. ولأجل أن نرجع من حين أن بدأنا، ينبغي أن نسلك المسلك الذي سلكه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. الجد والاجتهاد في التعليم، وفي التربية، وفي التصحيح، والإرشاد، والنصيحة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. كل بمجاله أن يحمل كل منا هم هذا الدين. صاحب المال بماله، وصاحب الجاه بجاهه، وصاحب المنصب بمنصبه، وصاحب التعليم بتعليمه، وصاحب المسجد بمسجده، وصاحب المصنع بمصنعه، وصاحب المسجد بمسجده. كل منا يبدل لنصرة هذا الدين. اسأل نفسك: ماذا قدمت لدين الله عز وجل؟ راجع نفسك: ماذا فعلت في محاربة هذا العداء الذي يفعله هؤلاء العداء؟ اسأل نفسك: ماذا ستجيب ربك يوم القيامة حين يسألك عن كل الذي يحصل، وأنت ترى وتسمع، ولم تقدم شيئًا، وأنت تستطيع؟ والله عز وجل أمرنا أن نقيم هذا الدين، وأن نؤدي ما يجب معه. وأن كذلك نكون صفًا واحدًا في وجه هؤلاء العداء. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بالهداية والتوفيق والسداد، وأن يجعلنا إخوانًا متعاونين، متناصرين، متآزرين في نصرة هذا الدين، وأن لا يجعلنا ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين.