الدرس في احرص على ماينفعك، محاضرة بمسجد الفاروق بالمعيان - الجمعة 14 ربيع الآخر 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بتوضيح أهمية حديث النبي صلى الله عليه وسلم "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" في حياة المسلم، مشيراً إلى أهمية القوة الإيمانية واليقين. يُبين أن القوة المقصودة هي قوة الإيمان والعزيمة على الخير.
يؤكد على أهمية القوة في الإسلام، ليس فقط الجسدية بل أيضًا قوة القلوب والفهوم، ويشير إلى أن الخير المقصود هو قوة الدين والثبات عليه. كما يبين أهمية الاستعانة بالله في تحقيق الطاعة والاستمرار فيها.
يشرح كيفية تطبيق حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة القيام، حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام يحافظ على إحدى عشرة ركعة في رمضان وغيره، ويزيد عليها ركعة وترا ليصبح العدد زوجيا ثم يختم بالوتر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نحمد الله جل وعلا على ما يسر وأنعم، وعلى ما أعطى وهدى. سبحانه وتعالى على ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. نحمد الله جل وعلا الذي جمعنا في بيت من بيوت الله نتذاكر، وقال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نحمده جل وعلا الذي قذف في قلوبنا حبا مثل هذه المجالس والرغبة فيها، وأعاننا على مثل هذا الخير العظيم. وهذه نعم بعضها يتبع بعضا من عظيم نعم الله سبحانه وتعالى علينا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إننا في هذا المجلس المبارك على موعد كما سمعتم في كلمة نتذاكر فيها. طلب إخواننا حفظهم الله تعالى أن يكون موضوعها "احرص على ما ينفعك" وهي جملة عظيمة من حديث عظيم من أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان". هذا الحديث العظيم تناول هذه الجملة العظيمة التي هي موضوع كلمتنا، وتناول جملا قبله وجملا بعده تحتاج إلى وقفات يسيرة. قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" في هذا إشارة إلى ما يحبه الله عز وجل من وصف عباده المؤمنين. المؤمن القوي خير وأحب إلى الله. وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "القوي" يشمل جميع معاني القوة. ولكن كما قال العلماء إن القوة المقصودة في هذا الحديث العظيم هي قوة الإيمان واليقين، هي قوة العزيمة على الخير والبر، هي قوة الثبات على صراط الله المستقيم. نستفيد من هذه الجملة ثلاث مسائل. أولها أن من أعظم ما يجب أن يعتني به المسلم من الصفات التي يحبها الله عز وجل ويرضاها وصف القوة. قوة العبد في عبوديته لربه جل وعلا بقوة عزيمته وقوة يقينه وقوة حرصه على الخير والبر. بهذا الوصف يحصل له كل خير. به يجاهد في سبيل الله، فتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وبه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبه يقوم بطاعة الله عز وجل من الصلاة والصيام والصدقة وحج بيت الله الحرام. قوة الجسد مطلوبة في هذا الدين العظيم. يحبها الله جل وعلا ويرضاها. قوة الأبدان وهكذا كذلك قوة القلوب وقوة الفهوم. كل ذلك من معاني القوة التي يحبها ربنا جل وعلا ويرضاها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة". أمر الله عز وجل بإعداد القوة. والقوة كما قيل في الآيات نفرة في سياق الإثبات، فتفيد الإطلاق إطلاق القوة. بناء الأبدان له أصل في ديننا. دلت عليه أدلة الكتاب وأدلة السنة. وتضافرت بذلك الآثار الكثيرة عن سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. الرمي كيدي المغرضين وغيرهم فيدافعون عن العباد والبلاد. وتجتمع كلمتهم على "لا إله إلا الله" فينصر الله عز وجل الإسلام وأهله. قوة الفهم باستعمال كل الوسائل لتصحيح فهم هذا الإنسان. فيكون المسلم أقدر وأقوى من غيره في هذا المجتمع. بما أعطاه الله عز وجل من نعم حسية ومعنوية. يستعين بذلك بوسائل حسية وأخرى معنوية. وما أكثرها مما يتيسر للناس على اختلاف الزمان والمكان. وكل ذلك مقصود مطلوب في حدود الضوابط الشرعية. المسألة الثالثة من مسائل هذا الحديث. أن الخير المقصود الذي تتبع له جميع أنواع القوة هو ما سمعنا من قوة الدين والثبات عليه. وقوة اليقين والصدق فيه. وغير ذلك. فإن هذا هو الأصل. وغيره من أنواع القوى وسائل إليه موصلة مرضية. ولهذا رب ضعيف عنده من الثبات على دين الله عز وجل والقوة واليقين ما هو خير به من آخر قوي في بدنه أو في عقله. لكنه لم يؤت زكاء أوتي ذكاء ولم يؤت زكاء وأوتي قوة ولم يؤت قوة دينية. فكان بذلك ذاك الضعيف خير وأحب إلى الله من ذاك القوي. لأن القوية اقتصرت قوته على ما كان فيه هلاكه ومضرته. قوله صلى الله عليه وسلم "احرص على ما ينفعك". يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا المقدم في هذا الحديث أن يحرص المسلم على ما ينفعه. وما ينفعه هو ما ترفع به درجته. وما يسلم به في الدنيا وفي الدار الآخرة من طاعة الله جل وعلا. قال بعض أهل العلم: قوله عليه الصلاة والسلام "احرص على ما ينفعك" في أمر بتحصيل كل خير ونهي عن اقتراب كل شر. لأنه أمر بتحصيل ما ينفع. فدل ذلك على اجتناب ما يضر. سلامة هذا الإنسان بسلامة الظاهر والباطن. وسلامة الظاهر والباطن بكمالهما. وكمالهما بتتبع الظاهر والباطن لما ينفع واجتنابه لما يضر. صلاح الباطن بصلاح القلب. فإن القلب إذا صلح صلح له باطنه وصلح له ظاهره. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وسلامة هذا القلب بسلامته من الفضول. ومن باب أولى ما يضر. أو كما ذكر رحمه الله تعالى. وذكر رحمه الله أن سلامته من الفضول بسلامته من فضول أربعة أشياء. وزاد غيره أمرا خامسا. قال: سلامته من فضول النظر. وسلامته من فضول اللسان أو قال الكلام. وسلامته من فضول الخلطة. قال: وسلامته من فضول الطعام. وزاد غيره: وسلامته من فضول السمع. فإن القلب سليم إذا سلم القلب من فضول اللسان. وما يلحق به من الكلام الذي هو عبث ولو فضلا عما يضر. قوله عليه الصلاة والسلام "احرص على ما ينفعك واستعن بالله". قال بعض العلماء: هذا تنبيه بعد أمر يدل على ما ينبغي أن يعتني به المسلم من عدم الاغترار بجهد نفسه وطاعته. ويعلم أن الخير إنما هو بإعانة الله عز وجل لك. فأنت ضعيف لو لأن الله قواك. وأنت عاجز لو لأن الله عز وجل أعانك. وأنت فقير لو لأن الله عز وجل أغناك. قوله عليه الصلاة والسلام "استعن بالله ولا تعجز". فيه كذلك تنبيه بعد تنبيه. أنك إذا استعنت بالله عز وجل فكذلك لا تعجز. فيصيبك الإحباط إن وقع منك تفريط أو تقصير أو شيء من تلك المعاني المنافية للكمال المطلوب والمقصود. فإنك ينبغي عليك أن تحرص على إكمال ذلك. بماذا؟ بتمام الاستعانة بالله عز وجل. بقلبك وعملك. والأخذ بالأسباب. قوله عليه الصلاة والسلام "ولا تقول لشيء وقع عليك لو أن كذا وكذا". فسروه بأحد تفاسير ثلاثة. أولها ما يبتلى به المسلم من أقدار الله جل وعلا المؤلمة. فإنه ينبغي عليه أن يتلقاها بالصبر والتسليم. فإن ذلك هو الواجب مع القضاء والقدر. ولا ينبغي عليه أن يتلقاها بالتسخط والاعتراض. سواء أكان ذلك بلسان الحال أو بلسان المقال. ومن ذلك قوله "لو أن كذا وكذا". فإن "لو" بهذا المعنى اعتراض على القدر. لا يجوز. بل يجب أن يقول "قدر الله وما شاء فعل". والمعنى الثاني في قوله عليه الصلاة والسلام "أو في نهيه أن يقول لو أن كذا وكذا" أن معنى أن لا يصيب المسلم إحباط في فعل المأمور وترك المحظور. لأن فعل المأمور وترك المحظور يحتاج من المسلم إلى صبر. ويحتاج من المسلم كذلك إلى الصدق مع العلم. فالعلم يميز به بين ما ينفعه مما لا ينفعه. وبالصدق والصبر يستمر. فلا ييأس ولا يفتر ولا يقنط من الخير الذي ينفعه بفعل المأمور وترك المحظور. والمعنى الثالث من معاني النهي في هذا الحديث عن قوله "لو أن كذا وكذا" كذلك النهي عن التحسر في فوات مأمول فيه. فلا ينبغي للمسلم أن يتحسر على فوات شيء يرغب فيه. كما قال الله عز وجل: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. كما أنه عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم". ثلاثة معاني ذكرها العلماء. وذكروا تحتها مباحث كثيرة. قال العلماء: أن "لو" التي تفتح عمل الشيطان هي ما كان بمعنى هذه المسائل الثلاث. أو ما يلحق بها. و"لو" الجائزة هي ما كان طمعا ورغبة في حصول طاعة. أو ما كان فيه الإخبار بالحقيقة والواقع. نكتفي بهذا القدر وننظر فيما يتيسر من الأسئلة بعد الصلاة. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة يسيرة لما سبق. يقول السائل: ما هي السورة التي سجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم سجود التلاوة في الصلاة؟ هي أربع سجدات ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويسجدت سورة العراف، وسجدت سورة النجم، وسجدتين في جزء عم في الانشقاق والعلق. يقول السائل: ما هي الأسباب التي تجعل من الشاب أن يكون مستقيما على طاعة الله عز وجل؟ الأسباب كثيرة. وأعظمها أربعة أسباب. أولها العلم. فإنه ينبغي أن يحرص المسلم عموما والشاب على وجه الخصوص على تعلم العلم الشرعي. والسبب الثاني من الأسباب الحرص على الرفقة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه. والسبب الثالث أن يحرص كذلك المسلم والشاب على وجه الخصوص على الاستمرار في الطاعة. والسبب الرابع من الأسباب أن يحرص كذلك على تحقيق الصدق في قوله وعمله. يقول السائل: من حافظ على أن يقوم مع الأذان الأول ويصلي له ما تيسر، فهل هذا يعد من قيام الليل؟ إن شاء الله يدخل في ذلك. ويحرص على أن يكون ذلك إحدى عشرة ركعة إن تيسر أو أقل من ذلك وترا. ولو ثلاث ركعات كما قالت عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحرص على إحدى عشرة ركعة في رمضان وغيره. ما يزيد عليها وترا.