الدرس في Lesson 1 Part 6، tafseer of soorah al-ikhlaas p.1 ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية سورة الإخلاص وفضلها، ويبين أنها تعدل ثلث القرآن وتقرأ في الصلاة وأذكار الصباح والمساء. يفسر معانيها ويبين دلالتها على وحدانية الله تعالى.
يشرح المقطع أهمية العلم في إدراك حقيقة وجود الله وتفرده بالألوهية، ويبين أن عدم تحقيق هذا المعنى أدى إلى ضلال بعض الطوائف. يشدد على ضرورة تدبر معاني السورة لتحقيق التوحيد.
يشرح المقطع معاني سورة الإخلاص ويبين كيف ترد على المشركين والنصارى واليهود، ويبرز أهمية تدبرها في تحقيق التوحيد. يوضح أن الله سبحانه وتعالى ليس له ولد ولا والد وأنه الفرد الصمد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحن مع السورة الثالثة أو الرابعة من سور القرآن العظيم التي كما مر معنا في كتابي، يا شيخ، الوالد العلامة المحدث عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، والتي ينبغي على كل مسلم تعلمها ومعرفة شيء من تفسيرها. نقرأ السورة أولًا كالعادة ونلفت الانتباه إلى أهمية الاعتناء بتلاوة هذه السور القصار والحرص على إجادة قراءتها من قبل المعلم للطلاب ومن قبل الطلاب في تعلم ذلك من المعلم، ولو تكرر ذلك فإن العلم بتكراره يثبت، وكما قيل: التكرار أحلى وأنفع. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. هذه سورة عظيمة من سور القرآن، وكما ترون على قصر آياتها، فقد اجتمعت على معاني عظيمة، فهي سورة فيها إضاح معنى وحدانية الرب جل وعلا. ومن عظمها كان لها الفضل العظيم، حتى صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها تعدل ثلث القرآن، كما جاء ذلك عنه في أحاديث كثيرة عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ قل هو الله أحد الله الصمد في ليلة فقد قرأ ليلة ثلث القرآن». وهذا يدلك على فضل هذه السورة العظيمة، ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يكثر من قراءتها؛ لأنها سورة تبين وتوضح حقيقة التوحيد وألوهية الرب جل وعلا. فقد كان يقرأ بها عليه الصلاة والسلام في ركعتين الفجر، أي راتبة صلاة الفجر، فهو يستفتح بها صباحًا كل يوم، يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ بعد الفاتحة، وفي الركعة الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾. وهكذا علم صلى الله عليه وسلم أن تقرأ كذلك عند ركعتين الطواف، يقرأ في الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾. وهكذا كذلك علم عليه الصلاة والسلام بفعله أنها تقرأ في خاتمة صلاة الليل في وترها، فكان يختم الوتر بقول: ﴿قل هو الله أحد﴾، يقرأ في الركعة الأولى من الثلاث بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة بقول: ﴿قل هو الله أحد﴾. فهذا كله يدلنا على أهمية هذه السورة، وهذا يدفعنا أن نعرف تفسيرها وأن نحرص على حفظها وتدبرها والإكثار من قراءتها. ولهذا فهي كذلك تقرأ في أذكار الصباح والمساء، تقرأ في أذكار الصباح والمساء، وغير ذلك. أما تفسيرها، مر معنا فيما سبق الكلام على لفظة «قل»، فإنها تفيد زيادة تأكيد الأمر، الأمر فيما استفتح من الآيات بهذه اللفظة، وإن لا فكل القرآن مأمور بتبليغه وتلاوته، ولكن هذا يدل على زيادة تأكيد هذا المعنى فيه، كما تقدم في: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾. وهذه السورة كما قلنا سورة التوحيد، وفيها إيضاح وحدانية الرب جل وعلا. «قل هو الله أحد» أي أخبر الناس أن الله عز وجل هو الواحد الأحد، الواحد في ذاته سبحانه، والواحد في عظمته ومعاني ربوبيته جل وعلا. فهو المتفرد بالخلق والتدبير والإحياء والإماتة وكل معاني الربوبية، وهو الواحد سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته، له الأسماء الحسنى، ليس لأحد مثلها، ومعاني الواحد وله الصفات العليا، ليس لأحد نظيرها، ومعاني الواحد سبحانه وتعالى صفات الكمال ونعوث الجلال جل وعلا. ولذلك ولذلك كله فهو سبحانه وتعالى كذلك واحد في ألوهيته؛ لما كان الواحد في ذاته والواحد في ربوبيته والواحد في أسمائه وصفاته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. كان كذلك الواحد في ألوهيته، فهو الواحد الذي يعبد ولا يعبد غيره، وإن عبد غيره فقد عبد بغير حق، بل بباطل؛ لأن الله جل وعلا هو المتفرد لما تقدم. فلذلك لم يجز أن يعبد إلا هو سبحانه وتعالى، وهنا يتبين أولًا أهمية العلم الذي به يصل هذا الإنسان إلى هذه الحقيقة. فتعرف بذلك ظلال طوائف ممن لم يعرف هذه الحقيقة العظيمة، كظلال الملاحدة الذين يظنون بظنهم السيئ أن الحياة مادة، وأن لا إله، وهذا باطل. فإن جميع العقلاء إذا تأملوا وتفكروا في خلق هذه المخلوقات وما فيها من نظام بديع وخلق عجيب، مع عظمة وسعة تفوق عظمة جميع المخلوقات، وحكم وأسرار وعجائب كثيرة، يستحيل معها أن يقال أنها خلقت صدفة. إن العاقل لو رأى صندوقًا صغيرًا يصنعه طفل أو ما أشبه ذلك، فالادعاء الدعي أن هذا الصندوق صنع نفسه أو صنعته الطبيعة لاستقبح واستنكر هذا الادعاء استقباحًا واستنكارًا عظيمًا. فكيف بهذا الكون العظيم مع ما تضمنه من مخلوقات صغيرة وكبيرة لا تعد ولا تحصى، فيها من الجمال والبهاء وحسن النظام والعجائب والأسرار ما يستحيل آلاف المرات أن يقول فيه قائل أنه خلق نفسه أو خلق صدفة. وهنا تبقى الحقيقة التي لا بد من الوصول إليها بالفطرة الصحيحة والعقل السليم، ومؤيدات ذلك من الشرع الحكيم، أن لهذا الكون خالق ومدبر، وهو الله سبحانه وتعالى. يتبين بهذا أهمية العلم، وما سبق ذكره، وهكذا كذلك يتبين بذلك أي أن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بذاته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وكذلك ما يستلزمه ذلك من تفرده في ألوهيته جل وعلا. يتبين لنا أهمية العمل بمقتضى العلم؛ فإن هذه الحقيقة حصل بها اللبس عند طوائف أخرى كالمشركين من سائر أمم أهل الأرض، سواء من عبد الأوثان أو عبد النيران أو عبد بعض الأنبياء والصالحين أو عبد كذلك الملائكة أو غير ذلك من مخلوقات الله عز وجل. إننا لو تأملنا السبب الأعظم في هذا الضلال لرأينا هو عدم تحقيق هذا المعنى العظيم الذي دلت عليه هذه السورة العظيمة. وإلا لو تفكر هؤلاء وتمعنوا وتدبروا لم يجدوا بدًا إلا أن يثبتوا ألوهية واحدة لله عز وجل وحده؛ لأنه جل وعلا هو وحده المتفرد بذاته وبربوبيته وبأسمائه وصفاته. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فإن كل من آمن بالله عز وجل ولو وقع منه ما وقع من الشرك يعلم أنه لا خالق إلا الله عز وجل، هو وحده الذي يخلق، وهكذا كذلك وحده المتفرد بما سبق من معاني الربوبية. فإذا كان كذلك استلزم هذا أن يعبد وحده لا يعبد معه غيره سبحانه وتعالى. وتأملوا في قوله سبحانه: ﴿يا أيها الناس﴾، فإنه خطاب لجميع الناس بكافة دياناتهم ومللهم؛ لأنهم لو تفكروا وتدبروا بإنصاف وعدل وعلم كما قلنا لم يجدوا بدًا أن يعبدوا الله وحده لا يعبدوا معه غيره. فإذا كان كذلك تبين لنا أهمية هذه السورة العظيمة في تحقيق التوحيد وتأكيده للناس أجمعين. فالمشركون الذين عبدوا ما عبدوا من غير الله سبحانه وتعالى كان ذلك بسبب عدم تدبر هذا المعنى العظيم وتحقيق مقتضاه مما يستلزمه العمل. وهكذا كذلك إن تدبر هذه السورة ومعانيها العظيمة يبين كذلك أهمية تأكيد هذا المعنى وهو وحدانية الله عز وجل الذي قد يدعيه أناس ولكنهم يأتون بما يناقضه، ولو كانوا ممن يدعون أنهم أهل كتاب أو أنهم أهل دين وأتباع رسول. فلما لم يحققوا هذا المعنى ولم يتدبروا فيه ويعملوا بمقتضاه وقعوا في المتناقضات وفيما لا يقبل عقلًا فضلًا عن الشرع. وهذا مثل حال النصارى الذين يجمعون أن الخالق هو الله، ثم بعد ذلك يقولون بعقيدة التفليث، يقولون بعقيدة التفليث التي هي من أعجب قضايا النصارى حيرت عقلاءهم وأدخلت الريبة في عوامهم؛ لأنه شيء ينافي المعقول فضلًا عن الشرع المنقول. فإن حقيقة كون الله سبحانه وتعالى هو الخالق والرب وهو الإله سبحانه وتعالى هذا شيء مستقر، ولكن جاءتهم الحيرة حين جاءت قضية التفليث التي هي في الحقيقة تناقض دعوة التوحيد. فلذلك هم محتارون فيها أي في تفسيرها، فتارة تقول طائفة منهم أن الجميع هو الله الأب والابن وروح القدس، ويريدون بروح القدس ما حل بمريم عليه السلام. وتارة يقولون الإله والله وعيسى مخلوق ومريم كذلك، لكن حل فيهم صفة الخالق كما زعموا، فتجسدت فيهم صفات الخالق. فلذلك قالوا بعقيدة التفليث، وهذا تناقض، وهكذا تارة تجيء الطائفة منهم كالأرثوذكس والأول قول أكثر البروستانت وهكذا الكاثوليك. فتجد طائفة من الأرثوذكس حين رأوا حقيقة هذا التناقض وقعوا في شيء من الواقعية، فقالوا: إن الله هو المسيح والمسيح هو الله تعالى الله عن قولهم جميعًا علوًا كبيرًا. فانتهى قولهم في النهاية إلى الشرك الصريح ومناقضة قضية التوحيد التي علموها غاية العلم بما بعث الله عز وجل به عيسى عليه الصلاة والسلام والأنبياء من قبله ونبينا صلى الله عليه وسلم من بعده. وبه تعرف أهمية تدبر هذه المعاني العظيمة التي تضمنتها هذه السورة العظيمة، وكيف أن تكرارها لفظًا أي بقراءتها وتكرارها معنى أي بتدبرها والدعوة إلى معناها والتحذير مما يضادها سبب لتحقيق التوحيد في الفرد وفي المجتمع تحقيقًا علميًا عمليًا يثمر ذلك استقامة في الشريعة والدين فضلًا عن عدم وقوع التناقضات والضلالات التي ظل بها طوائف من الناس لا يعدون. وقوله سبحانه: ﴿لم يلد﴾ أي لم يكن له ولد سبحانه وتعالى؛ لأنه كما تقدم الواحد الذي ليس كمثله شيء جل وعلا، فهو ليس مثل خلقه، خلقه هم الذين يحتاجون إلى الولد، أما الله عز وجل فليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وفي هذا رد على المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وفيه رد على النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله، وفيه رد على اليهود أو طائفة من اليهود الذين زعموا أن العزير ابن الله. كما قال الله عز وجل: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾. وهكذا قوله: ﴿ولم يولد﴾ أي لم يكن لله سبحانه وتعالى أب، قال بعض أهل العلم: هذا المعنى وإن كان لا يعلم له قائل يعني أن لله أبًا، لكنه رد على لازم قول من ادعى له بالبنوة. رد على لازم قول من ادعى له بالبنوة؛ فهو سبحانه ليس له بنوة وليس له أبوة جل وعلا؛ لأنه الفرد الصمد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد. وما أكثر الآيات التي تردع قائد المشركين والكافرين في هذا المعنى؛ فإن هذا المعنى باطل عقلًا فضلًا عن الشرع. كما قال الله عز وجل في بيان عظيم فساد قول المشركين في هذا الباب: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾. انظر إلى هذه الآيات العظيمة يتبين لك غاية سخافة وبطلان وفساد قول من نسب لله عز وجل الولد. وفي صحيح البخاري أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم» سبحان الله. لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ يعني أن الله عز وجل أوذي الأذى العظيم؛ لأنه الخالق سبحانه الذي له كل كمال والذي هو غني عن خلقه وخلقه فقراء إليه. ثم بعد ذلك ينسب إلى الله عز وجل الولد، تعالى الله عن قول هؤلاء الظالمين علوًا كبيرًا، ومع ذلك فالله عز وجل يرزق هؤلاء المخلوقين ويعافيهم؛ يعني يعطيهم العافية، فهو حلم من الله سبحانه وتعالى عظيم. وفي حديث أبي هريرة كذلك في صحيح البخاري قال الله عن النبي عليه الصلاة: «قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك». فأما تكذيبه إياي فقوله: «لن يعيدني كما بدأني» يعني لا يمكن أن أرجع وأبعث بعد إذ أموت، «وليس أول الخلق بأهوى علي من إعادته» يعني أن بدأ الخلق من العدم أعظم من إعادته بعد أن كان موجودًا، وهذا شيء يُعلم بالعقل فضلًا عن الشرع. كون أن المخلوقات خلقت من العدم ويعترف هؤلاء أن الله هو الخالق، لا يعجزه سبحانه وهو على كل شيء قدير أن يعيدها بعد موتها، وهكذا كذلك أكل الدود لها. وهكذا كذلك قال في الحديث: «وأما شتمه إياي» لأنه قال في الأول: «وشتمني ولم يكن له ذلك» يعني العبد تنقص ربه سبحانه. قال: «وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد». فانظر إلى هذا الحديث العظيم مع ما تقدم تعرف أهمية تدبر هذه السورة العظيمة، وأن الناس لو فهموا ذلك وتمعنوا فيه وبسط علم ذلك بين الخلق لكان ذلك داعيًا لتحقيق حقيقة التوحيد لله عز وجل وحده لا شريك له، علمًا وعملًا. لا نقول علمًا فقط كما فعل بعض أهل الكتاب وبعض المشركين، فكان عملهم منافيًا لما يدعونه من العلم، ولا كذلك عمل من دون علم؛ لأنه لا يمكن أن يقع التوحيد إلا بالعلم. وبهذا نكون قد انتهينا من معرفة أهم مباحث هذه السورة بوجه مختصر مجمل، أسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا وأن يبصرنا بأمور شرعنا، والحمد لله رب العالمين.