Lesson 1 Part 16

الدرس في Lesson 1 Part 16، tafseer of soorah al-‘asr ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير سورة العصر ومقاصدها

سورة العصر سورة مكية نزلت قبل الهجرة، وتدعو إلى التفكر في الأحداث وتنبيه الإنسان إلى أهمية الإيمان والعمل الصالح. السورة تشير إلى أن الإنسان في خسر إلا من حقق الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر.

حكم الحلف بغير الله وشركياته

الحلف بغير الله يعتبر شركًا، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك وأمر بالحلف بالله أو الصمت. الحلف بغير الله إما أن يكون شركًا أكبر أو أصغر حسب النية والتعظيم المقصود.

مراتب كمال الإنسان ودرجات الخسارة وتفاوت الناس في الأجر

كمال الإنسان يتضمن العلم النافع والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر، ويتفاوت الناس في هذه الخصال. كما يتفاوت الناس في الأجر والخسارة بناءً على أدائهم للواجبات والمستحبات، والخسارة تتعلق بعدم أداء الواجب واستحقاق العذاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فـدرسنا اليوم في سورة العصر، وهي في ترتيب أكثر المصاحف تأتي في الترتيب من أول المصحف إلى آخره بعد سورة الهاكم التكاثر، وفي بعض المصاحف تأتي في الترتيب بعد أو قبل سورة الهاكم التكاثر. فالمهم أن الأمر بهذا واسع، وهذا بحسب ما نقل، فبعضهم رواه هكذا، وبعضهم رواه هكذا. فمسألة التقدم والتأخير سهل. وكالعادة نقرأ السورة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. ويقال في هذه السورة ما سبق وتكرر من مسألة متابعة المدرس، وهكذا كذلك المدرسة لمسألة قراءة الطالب وتتبع الأحرف التي يكثر فيها اللحن وتصحيحها، وهكذا مواضع التجويد وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه. وأما ما يتعلق بتفسيرها، فسورة العصر هي كذلك سورة من السور المكية، وسبق معنا ما معنى هذا، وهو أن الناظر في هذه السورة يستشعر ويستحضر ما تصاحب السورة المكية من معاني، فهي نزلت غالبًا على المشركين، وفي الزمن الذي قبل الهجرة. فيستحضر القارئ والسامع هذا المعنى وهذا الزمان. وهذه السورة فيها الإقسام بالعصر، ابتدأ ربنا جل وعلا هذه السورة بالقسم بالعصر، فقال جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، والعصر هو الزمان الذي يقع فيه ما يقع من خير وشر، ومن أحوال وأهوال، ومن أمور عظام صغيرة وكبيرة، وخاصة وعامة، وكذلك أحداث وأشياء عدة تمر في هذا العالم الواسع، وبهذا الإنسان على وجه الخصوص. فأقسم الله عز وجل تنبيهًا به على أهمية التفكر بما يدور فيه، وما يكون عليه حال الإنسان فيه، وما ينتهي به أمره فيه، أو منه إلى ما يؤول إليه أمره من جنة ونعيم، أو جحيم وعذاب مقيم، والعياذ بالله. والله جل وعلا يقسم بما يشاء سبحانه وتعالى من خلقه، وإذا أقسم الله عز وجل بشيء، أقسم منبهًا على ما يتضمنه هذا المقسم به من معنى عظيم. وأما المخلوق، لا يجوز له أن يقسم إلا بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه المعظم جل وعلا الذي لا يقسم إلا به، فهو كذلك سبحانه من جهة المعنى، أي وجب أن يكون القسم له؛ لأنه الإله الحق والرب المعبود، لا إله غيره ولا رب سواه سبحانه وتعالى. ولما ورد من الأدلة الكثيرة الدالة على وجوب الحلف به سبحانه دون الحلف بما سواه؛ لما في الحلف بغير الله جل وعلا من ذريعة الشرك، فإن الحلف نوع من التعظيم والعبادة التي لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى. فصاحبه، أي الحالف بغير الله، بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، وهو ما يكون في هذا الحلف في اللفظ باللسان، إذا لم يكن معه تعظيم واعتقاد لهذا المحلوف. فمثلًا كان المشركون يحلفون بالله والعزة، فالحلف بالله والعزة حلف تعظيم وعبادة، وهو بمثابة الحلف بالله لأهل الإيمان والتوحيد، فهو شرك أكبر. ومثله حلف بعض المشركين في هذا الزمان ببعض من يعبد من دون الله، ولو كان وليًا كما زعموا، فإنه من الشرك الأكبر، كمن يحلف في بعض الأموات، فيحلف بالعيد روس، أو يحلف كذلك بزينب أو علي أو حتى النبي عليه الصلاة والسلام، إذا كان على وجه التعظيم المخلص لعبادة الله عز وجل، والذي فيه معنى العبادة لغيره سبحانه وتعالى، هذا شرك أكبر، والعياذ بالله. وقد يكون شركًا أصغر إذا كان هذا ليس مقصودًا، ولكنه شيء جرى على اللسان، لكنه شيء جرى على اللسان، أو كان التعظيم ليس تعظيم عبادة، لكن جرى على اللسان الحلف به، وهذا شرك أصغر، مثل حلف بعض الناس: ورأس أبي، ورأس أمي، ولقمة العيش، والأمانة، ونحو ذلك من الحلف، فمثل هذا يعد شركًا، لكنه شرك أصغر، وكله منهي عنه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من حلف بالأمانة»، فالحاصل: الحلف في غير الله لا يجوز للمخلوق. أما الله عز وجل الخالق، فهو يحلف بما شاء؛ لأنه الرب جل وعلا، وإذا حلف بشيء سبحانه، فإنه يحلف في الشيء العظيم الذي يقتضي تنبيه هذا المخلوق على ما فيه من حكم. وهذا العصر بهذا المعنى، والله أعلم. ولما كان جماع مراتب كمال هذا الإنسان في العلم النافع والعمل الصالح للنفس، وهذا هو الإحسان إلى نفسه، وهكذا كذلك إيصال هذا الإحسان إلى الغير، وهذا هو التواصي بالحق، وكذلك الصبر على هذه الخصال الثلاث: أي العلم النافع والعمل الصالح، وإيصال ذلك إلى الغير، والصبر على هذا التحصيل للعلم، وعلى هذا العمل بالعلم، وعلى إيصال هذا العلم والعمل إلى الغير. وبهذا تكمل مراتب كمال هذا الإنسان، وبه يكمل أمر نجاته من الخسارة، وهكذا كذلك هذا التواصي بالحق، الناس يتفاوتون فيه، كما قلنا: إن الناس يتفاوتون في العلم والعمل، فهم يتفاوتون كذلك في التواصي بالحق. مع التنبيه أن هذا التواصي ينقسم إلى قسمين: تواص يجب أن يحصل، وهو ما كان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما كان من الفرائض والواجبات على وجه العين، أو ما كان على وجه الفرض الكفائي. ومن التواصي ما هو مستحب، وهذا يدخل فيه التواصي بالحق، ومنه الفرض الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الكل، مثل صلاة الجنازة إذا صلى البعض سقط عن الكل، لكن لا شك أن التواصي به ولو قام به البعض هو من التواصي بالحق. وبه نعرف الفرق بين هذه السورة وبين ما جاء في سورة التين في قوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. نبه ابن القيم رحمه الله ما معناه أن التواصي ينقسم إلى قسمين كما سبق، فلما كان من التواصي ما هو واجب وفرض، كان تاركه خاسرًا بهذا المعنى، ولكن هذه الخسارة تنقسم إلى قسمين: خسارة توجب العذاب، وخسارة توجب كمال الفضل والثواب. فالأول في ترك الواجب والفرض، والثاني في التقصير في الفضل والمستحب، فإذا لا إشكال إذ قال في سورة التين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، هم لهم أجر غير ممنون، أجر غير منقطع، لكن الخسارة غير مذكورة؛ لأن الناس يتفاوتون في مسألة وصية الغير بالحق. فالأجر مكتوب، أما الخسارة فهذا أمره آخر، فمن أتى بالواجب لم يخسر، الأجر كتب ونجي من عذاب الله، ومن لم يأتي بالواجب، الأجر كتب، ولكن استوجب العذاب من باب آخر. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.