المحاضرة بعنوان وقفة مع قوله صلى الله عليه وسلم لا عدوى، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث النبوي "لا عدوى" ويبين معناه في نفي اعتقاد الجاهلية للعدوى، ويوضح أن النفي أبلغ من النهي ويتضمن النهي عن اعتقادها.
ناقش نفي النبي للعدوى وأوضح أن الأمر بيد الله، ثم بين أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله في الوقاية من الأمراض.
يشرح أهمية الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، ويحذر من الخوف المفرط الذي قد يؤدي إلى إهمال الواجبات.
ديننا يحث على اتباع ما يؤدي للسلام في الدين والدنيا، وأداء الحقوق والواجبات بالضوابط الشرعية دون إفراط أو تفريط.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، عواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية للإمام مسلم أنه زاد: «فلا نوأ» من حديث أبي هريرة. وجاء في مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه زاد: «ولا نوأ ولا غول». وهكذا جاء معناه من حديث ابن عمر وجماعة من الصحابة. هذا الحديث العظيم، أيها الأحبة، حديث يتناول مسائل عظيمة جليلة من مسائل العلم والإيمان، من مسائل التوحيد والعقيدة التي لا يستغني عنها مسلم. فنقف معه وقفات مع أهم مسائل هذا الحديث. أولها في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى». نفى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث وجود العدوى. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: النفي أبلغ من النهي، والنفي أبلغ من النهي؛ لأنه يتضمن النهي وزيادة. فنفي النبي صلى الله عليه وسلم للعدوى يتضمن النهي عن اعتقادها. والمراد به هاهنا العدوى على ما كان يعتقده أهل الجاهلية، إذ كانوا يعتقدون أن الشيء يعدي بأصله دون إرادة الله جل وعلا ومشيئته. والأمر ليس كذلك. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليقرر ويجلي ويوضح هذا المعنى: أنه ليس شيء يعدي بأصله على ما كان يعتقده أهل الجاهلية. فنفى وجود العدوى، فضلا عن أنه ينهاه عن أن يعتقدها إنسان. فإذا كان الشيء غير موجود، فلا حاجة أن تنهاه؛ لأنه في الحقيقة تعلق بشيء لا وجود له. فلذلك كان النفي أبلغ من النهي. فكأنه قال: هذا الذي أنت تعتقده ليس بموجود، فكيف تتعلق به؟ فهذا يتضمن أن يسقط هذه العقيدة الفاسدة؛ لأنها مبنية على لا شيء، فهو يتضمن النفي والنهي معا. ويوضح هذا ويجليه ما جاء في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يعدي شيء شيئا»، كررها ثلاثا. عليه الصلاة والسلام. فقام رجل فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم الإبل وما يصيبها من الجرب -يعني أنها تعدي بعضها بعضا، فينتقل الجرب من الإبل المريضة إلى الإبل السليمة- فكأنه استشكل هذا. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم الإبل وما يصيبها من الجرب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أجرب الأول؟» فكأنه قال له: كما أن الأول أصابه الجرب من غير سبب ظاهر، فالله جل وعلا قادر، وهو على كل شيء قدير، على أن لا يجرب الثاني، وإن كان قد وجد سبب الجرب. إذن الأمر أولا وآخرا لله جل وعلا. فلا يستلزم إذا وجد الجرب أن يتم العدوى، كما لا يستلزم إذا لم يوجد الجرب أن لا يكون الجرب. فكما أن الجرب يوجد مع عدم وجوده -وهذا في قوله: «من أجرب الأول؟»- فكذلك هو سبحانه وتعالى قادر على أن لا يجرب الثاني مع وجود الجرب في الأول. وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. أراد أن ينفي عقيدة فاسدة كان قد تبناها أهل الجاهلية، وهي أن الشيء يعدي بأصله. فعند ذلك يرون أن الجرب إذا وقع في موضع، فلا محالة أن يصيب الجميع، فيسيئون الظن بالله جل وعلا، ويتعجلون الثمار والعواقب. فربما قتلوا جميع الإبل، وربما كذلك أساءوا الظن بالله جل وعلا، فدعوا على أنفسهم وأموالهم، وفعلوا وفعلوا. وكل ذلك قليل من كثير مما إن بنا على هذه العقيدة الفاسدة. وننتبه هنا أنه لا ينافي هذا النفي والنهي عن وجود العدوى الأخذ بأسباب السلامة والحيطة من مواضع ما قد يكون سببا لدخول المرض؛ لأن بعض الأمراض قد يحصل منها العدوى، ولكن لا يعني ذلك أنه يقع بغير إرادة الله ومشيئته. بل نعلق ذلك بإرادة الله جل وعلا ومشيئته، وأنه قد يكون سببا، ولكن الاعتماد ليس على السبب، بل على مسبب الأسباب، وهو الله سبحانه وتعالى. ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يوردن ممرض على مصح»، أي: لا يدخل مريض على صحيح. ومن باب أولى أن لا يدخل الصحيح على المريض من غير حاجة. وهذا وجه العلماء على المعنى المتقدم أن يجتنب المسلم ما قد يكون سببا في انتقال المرض، خصوصا في الأمراض التي ثبت بالتجربة أنه قد يحصل الانتقال بها. وثبت في صحيح البخاري معلقا، وفي المستخرج موصولا بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». وهذا محمول على ما تقدم من الأخذ بالأسباب، أسباب الحيطة. ولا ينافيه ما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة»؛ لأن معناه أن الإنسان يجتنب أسباب الداء، ولا يعني ذلك أن يكون رعديدا جبانا كما عليه حال أهل الجاهلية قديما وحديثا. فأهل الجاهلية بسبب اضطراب عقيدتهم في هذا الباب اضطربت تصرفاتهم واختلفت مناهجهم. أما أهل الإسلام، بالعلم الذي أنزله الله، صارت لهم مواقف ثابتة. فهم مع أخذهم بالأسباب لا يكون الواحد منهم رعديدا. وعلى هذا يحمى الماروية في هذا الباب من أدلة فيها أخذ الحيطة، وأدلة أخرى فيها مباشرة هذه الأسباب مع التوكل على الله جل وعلا. وذلك حتى لا يكون المؤمن رعديدا جبانا يترك الأسباب الشرعية لما ليس بسبب حقيقة، وإنما لوهم من الأوهام. حتى صار بعض الناس ربما يترك ما عليه من واجب فرارا من مثل هذا المعنى الذي هو من عقيدة أهل الجاهلية، فيظن أن الشيء يعدي بأصله وذاته. فعند ذلك ربما يسقط ويتخلف عن بعض الواجبات التي أوجبها الله عز وجل عليه. فمثلا لو أن إنسانا أصيب له قريب -كأب أو أم أو ابن- بأحد الأمراض المعدية، سرعان ما تجد أمثال هؤلاء الذين ضعف توكلهم على الله وقل علمهم بدين الله من يرمي أمثال هؤلاء الأقرباء في المحاجر الصحية. يخاف على نفسه وعلى أهل بيته بحجة «فر من المجذوم فرارك من الأسد». وهذا كثير عند الكافرين وعند من يتأثر بهم من جهلة المسلمين. حتى وقعوا في هذا المعنى من قلة المرؤة، فضلا عن قلة الدين والعلم والبر بهذا القريب. فلو سأل نفسه هذا الذي يخدمه في المحجر الصحي: أليس هو إنسان، وهو كذلك إنسان؟ فلماذا يكون ذاك البعيد أولى منك بقريبك، وأنت الذي تعلق بك هذا الواجب وهذا الحق؟ قد ابتعدت وتخليت عما أوجبه الله عز وجل عليك من القيام بالحق مع هذا القريب. فإن كان ذلك الرجل الذي في المحجر الصحي يأخذ أسباب حيطة، فأنت تستطيع أن تأخذ بأسباب الحيطة وأنت تؤدي ما أوجب الله عز وجل عليك. والمقصود ها هنا أن ديننا يدعونا أن نأخذ بما فيه السلام في ديننا ودنيانا، وما فيه أداء الحقوق، وكذلك القيام بالواجبات بالضوابط الشرعية، لا إفراط ولا تفريط.