المحاضرة بعنوان شروط التوكل، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التوكل على الله يتطلب معرفة الله حق المعرفة وعدم الاعتماد على الأسباب. المتوكل على الله لا يبالي بإقبال الأسباب أو إذبارها.
يجب على المؤمن أن يقتدي بالأنبياء في توكلهم على الله، وأن لا يبالوا بإقبال الأسباب وإذبارها. يجب أن تكون عقيدته بالله قوية وثقته به عظيمة.
علم النبي أصحابه العقيدة لترسيخ الإيمان وأمرهم بالتوكل على الله. هذا التوجه يعزز ثقة المؤمن بربه ويجعله غير مبالٍ بتقلبات الأسباب.
ينبغي للعباد أن يتوكلوا على الله مع الأخذ بالأسباب كشرط للتوكل الصحيح. الاعتماد على ما لم يجعله الله سببًا يعد خللًا في العقيدة.
لا يتم التوكل إلا بثلاثة شروط، الشرط الأول معرفة الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فمن عرف الله حق المعرفة عظمه، ومن عظمه عظم توكله عليه. والشرط الثاني أن لا يعتمد على الأسباب، ولكن يعتمد على الله مسبب الأسباب، ولذلك فالمؤمن الموحد المتوكل على الله حق توكله لا يبالي بإقبال الأسباب وإذبارها، لعظيم توكله على خالقه، فهو يعلم أن الذي خلق هذه الأسباب وجعلها أسبابًا قادر جل وعلا أن يعطي بالشيء من غير أسبابه. انظروا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كما ثبت في البخاري من حديث عبد الله بن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم». فالمؤمن الموحد يقتدي بالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام لعظيم إيمانهم وقوي توكلهم على خالقهم، لم يبالوا بإقبال الأسباب وإذبارها، حين رمي إبراهيم في النار عليه الصلاة والسلام قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، لم يلتفت إلى هذا السبب بإقباله وإذباره، بل لم يزل متعلقًا بالله خالقه، فجعل الله عز وجل النار بردا وسلامًا عليه، عليه أفضل الصلاة والتسليم. وهكذا موسى عليه الصلاة والسلام حين فر من فرعون وجيشه، صار فرعون وجنوده من خلفه والماء من أمامه، قال أصحاب موسى: «إنا لمدركون»، قال قول الواثق بربه الذي عظم توكله على خالقه، الذي لم يبالي بإقبال الأسباب وإذبارها، قال: «كلا إن معي ربي سيهدين»، فأمره ربه أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق كل فرق كالطود العظيم، فأنجاه الله سبحانه وتعالى. فكذلك أنت أخي المسلم، يا أيها المؤمن، لتكن عقيدتك بالله جل وعلا قوية، وليكن ثقتك بربك جل وعلا وخالقك عظيمة، لا تبالي بإقبال الأسباب وإذبارها مهما كانت الأمور، لأنك تعلم أن مسبب الأسباب قادر جل وعلا أن يوجد الشيء من غير سببه، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ولهذا علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه هذه العقيدة العظيمة، حتى يكون إيمان المؤمن إيمانًا راسخًا أرسخ من رسوخ الجبال، وإيمانًا عظيمًا أعظم من سعة السماء، لأنه يعتمد على الله العظيم الذي هو أعظم من جميع المخلوقات، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. في حديث عبد الله بن عباس الذي في السنن، الحديث المشهور، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا توكلت فتوكل على الله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». هذه عقيدة المؤمن الواثق بربه جل وعلا، يعلم كما أخبر عليه الصلاة والسلام أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، لعظيم ثقته بربه وخالقه، فهو لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها. فهكذا ينبغي أن نكون عباد الله، أن يكون عندنا من اليقين ومن عظيم التوكل على الله جل وعلا ما لنبالي بإقبال الأسباب وإدبارها، فلا نعتمد على الأسباب، بل على مسبب الأسباب، ولا يعني ذلك أن نترك العمل بالأسباب، لأنه لا يتم التوكل إلا بثلاثة شروط، والشرط الثالث من هذه الشروط الثلاثة أن نعمل بالأسباب، فكما لا نعتمد على الأسباب فإننا نأخذ ونعمل بالأسباب، لكن لا نعتمد على هذه الأسباب. فإذا كان كذلك، فإذا ما عليه الكثير من الناس من الاعتماد على ما لم يجعله الله سببًا هذا من الخلل العظيم في العقيدة.