التعليق على شرح السنة للمزني  5

التعليق على شرح السنة للمزني 5

الدرس في التعليق على شرح السنة للمزني 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في صفات الله تعالى

يشرح الإمام المزني صفات الله تعالى كاملة غير مخلوقة ودائمة أزلية، ويبين معنى علو الله على عرشه. التأكيد على أن إثبات هذه الصفات لا يعني الاتحاد أو المخالطة.

الإيمان باليوم الآخر وأحداثه

يناقش مفهوم اليوم الآخر وأحداثه مثل الموت والحساب والبعث والنشور. التأكيد على أهمية الإيمان به تفصيلا كما ورد في الكتاب والسنة.

تفاصيل يوم القيامة والحساب

يوم القيامة يحشر الناس حفاة عراة غرلا، ويتم الحساب بوضع الموازين ونشر صحف الأعمال. وتتكلم أعضاء الإنسان بكل ما صنع، ويتفاوت الناس في درجاتهم في الجنة أو النار حسب أعمالهم.

الإيمان بمصير الناس يوم القيامة

المقطع يتحدث عن مصير الناس يوم القيامة حيث سيكون هناك فريق في الجنة وفريق في النار. نؤمن بذلك جملة وتفصيلا كما أخبر الله عز وجل في كتابه ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على كتاب شرح السنة للإمام المزني رحمه الله تعالى، لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن برعيك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الخامس. بسم الله، والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من ولاه. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: «وكلمات الله وقدرة الله ونعمته وصفاته كاملات غير مخلوقات، دائمات أزليات، وليست بمحدثات فتبيد، ولا كان ربنا ناقصا فيزيد، جلت صفاته عن شبه صفات المخلوقين، فقصرت عنه فطن الواصفين، قريب بالإجابة عند السؤال، بعيد بالتعزز لا ينال، عال على عرشه، بائن من خلقه، موجود وليس بمعدوم، ولا بمفقود». هذا المبحث تتمة للمبحث السابق فيما ذكره رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالقرآن وكلام الله سبحانه وتعالى. فقال رحمه الله: «وكلمات الله وقدرة الله ونعته وصفاته كاملات غير مخلوقات». كلمات الله: ما تقدم من كلمات الله الشرعية، ومنها القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسائر ما أنزل الله عز وجل على أنبيائه ورسله، ووحاه إليهم. وهكذا كلماته الكونية، ومنها قوله سبحانه: «كن» للشيء فيكون. كلها صفات لله عز وجل، والصفات الله كاملة؛ لأنها صفات الكامل سبحانه وتعالى، وهي صفات الخالق، فصفات الخالق ليست مخلوقة، وتقدم معنى ذلك. ففيه أولا: أن كلام الله القرآن صفة لله، وصفة الله صفة الخالق، ليست مخلوقة. وهكذا سائر كلام الله المنزل على أنبيائه ورسله: الكلام الشرعي، التوراة، والإنجيل، والزبور، وهكذا صحف إبراهيم وموسى، ما علمنا مما أخبرنا الله عز وجل به، وما لم نعلم تفصيله مما أجمله الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك كلمات الله الكونية، كل ذلك من كلام الله الخالق الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وكلام الله من صفاته، وصفاته كلها كاملة غير مخلوقة. فالله عز وجل خالق كل شيء، فكل ما سوى الله مخلوق، والله سبحانه وتعالى وحده، وصفاته ليست مخلوقة، وتقدم معنا أدلة ذلك. ومن ذلك ما فهمه واستنبطه العلماء من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء لمن نزل منزلا: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». فكلمات الله تتناول الشرعية، وهو ما تقدم، ومنها القرآن، والكونية، وكل ذلك كلام الله الخالق، والخالق وكلامه ليس بمخلوق؛ لأن صفة الخالق ليست مخلوقة. قال رحمه الله: «دائمات أزليات»، يعني أن كلمات الله من نعته وصفاته، ونعته وصفاته دائم أزلي دائم أزلي. فهو سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام على وجه الأزل والديمومة، فهو سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء سبحانه وتعالى، كما أخبرنا الله سبحانه في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته. وهذا معنى الديمومة والأزلية: أولية ليس قبلها شيء، وآخرية ليس بعدها شيء. قال: «وليست بمحدثات فتبيد»، وإذا كان كذلك، فما كان هذا وصفه، فهذا وصف الخالق سبحانه وتعالى، ليس وصف المخلوق، ومنه كلام الله. فلو كان كلام الله مخلوقا لم يكن دائما ولا أزليا، ولكنه كان له بداية، وليس هذا وصف الخالق. ولهذا كان من لوازم القول بخلق القرآن جعل صفات الله أو بعض صفات الله محدثة، ليس لها معنى الديمومة والأزلية. ولهذا قال: «وليست بمحدثات فتبيد»، يعني قولكم: يا من تقولون أن كلام الله مخلوق، يستلزم أنه ليس بدائم ولا أزلي، وأنه محدث، وكذلك ينتهي، تبيد يعني تنتهي، وهذا باطل شرعا وعقلا. قال رحمه الله: «ولا كان ربنا ناقصا فيزيد»، أي أنه كامل من كل الوجوه. فإذا كان كذلك، فإذا كلامه ليس بمخلوق، كلامه ليس بمخلوق. قال: «جلت صفاته عن شبه صفات المخلوقين»؛ لأن الخالق ليس كمثله شيء، كما أخبر عن نفسه سبحانه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهو القائل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وهو القائل: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وغير ذلك من الآيات والأدلة الدالة على هذا المعنى. قال رحمه الله: «وقصرت عنه فطن الواصفين»، يعني تعجز أن تتصوره عقول الواصفين له؛ لماذا؟ لأنه سبحانه الخالق الذي ليس كمثله شيء جل وعلا. «قريب بالإجابة عند السؤال، بعيد بالتعزز لا ينال». ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. قرب الله سبحانه وتعالى: قرب قدرة، وإحاطة، وعلم، واستطاعة، ونصر، وتأييد، وغير ذلك من المعاني التي دلت عليها الأدلة الشرعية في معنى القرب. ولذلك قال: «وبعيد بالتعزز»، يعني لأنه عزيز، فليس من معاني قربه سبحانه وتعالى المخالطة ولا الاتحاد، كما يزعمه الباطنية من الملاحدة والمشركين ومن اتبعهم من ظلال أهل الكتاب. قال: «عال على عرشه»، هذه صفة ذاتية له، صفة العلو، وعلوه على عرشه صفة فعلية، وصف بها نفسه سبحانه وتعالى. «بائن من خلقه»، بمعنى تأكيد أن علوه لا يستلزم المخالطة والاتحاد، خلافا لما عليه الباطنية والاتحادية. فهو مثل قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. علو مع تعزز وبعد، ليس فيه معنى المخالطة. فـ«بائن من خلقه» فيه معنى نفي ما عليه أهل الحلول والاتحاد. ولذلك صار السلف يقرنون إثبات العلو بمعنى البينونة من الخلق. ومعنى ذلك ثابت في الكتاب والسنة. وهذا من باب الإخبار، ويتوسع في باب الإحداث فيه ما لا يتوسع في باب الصفات. قال رحمه الله: «موجود وليس بمعدوم، ولا بمفقود»، أي أن إثبات معنى البينونة، وأنه من وراء خلقه محيط، لا يعني أنه ليس بموجود، بل هو موجود، مع أنه من وراء خلقه محيط. ضرب العلماء لذلك مثلا: كالقمر في علوه، ولله المثل الأعلى، وهو ليس بمخالط لمن يرونه. فهل القمر مع الناس؟ الجواب: نعم، وهم نائمون، وهم راكبون، وهم سائرون، وهم قاعدون. القمر ماذا معهم؟ وهو كذلك مع من في المشرب، ومن في المغرب. القمر مع الجميع. فإذا كان هذا في حق مخلوق، فكيف بحق الخالق سبحانه وتعالى الذي تعالى عن الزمان والمكان جل وعلا؟ فإحاطته أعظم من ذلك. فإذا معنى البينونة المذكورة ها هنا لا تعني نفي الوجود أو عدمه أو فقدانه، بل تقتضي نفي معنى المخالطة والاتحاد، وإلا فهو سبحانه وتعالى مع خلقه أينما كانوا. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾. فلذلك هذا المبحث مرتبط جدا بنفي معنى المعية الفاسد الذي يعتقده أهل الحلول والاتحاد. قال رحمه الله تعالى: «والخلق ميتون بآجالهم، عند نفاذ أرزاقهم، وانقطاع آثارهم، ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون، وبعد البلا منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، ولدى العرض عليه محاسبون، بحضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين، أحصاه الله ونسوه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. لو كان غير الله عز وجل الحاكم بين خلقه، لكنه الله يلي الحكم بينهم بعدله، بمقدار القائلة في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين. كما بدأه لهم من شقاوة وسعادة، يومئذ يعودون: فريق في الجنة، وفريق في السعير». انتقل رحمه الله تعالى هنا لذكر بعض صفات اليوم الآخر، وهو كل ما بعد الدنيا، فهو من الغيب الذي أخبرنا الله عز وجل به، ونبينا عليه الصلاة والسلام. ويجب الإيمان به، وهو أحد أركان الإيمان الستة: الإيمان باليوم الآخر، وكل ما هو فيه، خلافا لمن ضل في هذا الباب من العقلانية، كالفلاسفة والمعتزلة والخوارج، وطوائف كثيرة ضلت في هذا الباب. فقوله رحمه الله: «والخلق ميتون بآجالهم»، هذا هو أول اليوم الآخر. وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الساعة، وسأله جماعة، وقد نظر إلى صغارهم، قال: «إن يمت هذا تقم قيامتكم»، أو قال: «تقم ساعتكم». فعلم أن أول اليوم الآخر هو موت الإنسان، وانقضاء أجله؛ لأنه ينتقل إلى العالم الغيبي الآخر. والآخر: آخر باعتبار الدنيا، وآخر باعتبار ما قبله، فهو من آخر حياة الإنسان؛ إذ ينتقل من هذه الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، فهو باعتبار ما قبله آخر وآخر، وإن كان بعده مراحل، فكلها تدخل فيها معنى هذا اليوم. واليوم هو الوقت: طال أم قصر. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على هذه التفاصيل فيما يتعلق باليوم الآخر: من يوم أن يموت الإنسان حتى يبعثه الله عز وجل، ويصير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. فيمر هذا الإنسان وروحه بمراحل كثيرة، ومنازل عديدة، ومواقف مختلفة، وأحوال متنوعة، كلها مما أخبر الله عز وجل به في كتابه، ونبينا عليه الصلاة وعلى آله وسلم في سنته. نؤمن بذلك جملة وتفصيلا؛ لأن الله عز وجل أصدق قيلا، وأصدق حديثا. فنؤمن بالموت، وهو انقطاع الروح عن الجسد، وانتقال هذا الإنسان من هذه الحياة الدنيوية الحسية إلى الحياة البرزخية الغيبية التي أخبرنا الله عز وجل بها. فنؤمن بذلك جملة وتفصيلا، وإن لم نعقل، ولم نحس هذه الحياة، لكن نؤمن ونصدق؛ لأن الله عز وجل الصادق سبحانه وتعالى هو الذي أخبرنا بذلك، ونبيه صلى الله عليه وسلم المصدق هو الذي أخبرنا بذلك. فنؤمن بذلك جملة وتفصيلا. وهكذا كذلك قوله: «عند نفاذ أرزاقهم، وانقطاع آثارهم»، أي لا تموت نفس إلا بعد نفاذ رزقها، وانقطاع آثارها، خلافا للمعتزلة ومن وافقهم، يزعمون أن ليس كل من مات يموت بعد نفاذ رزقه وانقطاع آثاره، إنما ذلك في غير المقتول، ومن كان بمعنى. وهذا باطل، ليس بالصحيح، بل حتى المقتول، ومن كان بمعنى، مات بنفاذ رزقه، وانقطاع آثاره. لا يقطع ذلك عليه أحد، ولا هو بمخترق لقدر الله الذي قدره الله سبحانه وتعالى له، بل كل ذلك بقدر الله سبحانه وتعالى. قال: «ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون». إثبات الضغطة ثبت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل أحاديث كثيرة، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لو سلم منها أحد، أسلم منها من؟ سعد بن معاذ» الذي اهتز لموته عرش الرحمن رضي الله عنه أرضاه. فنحن نؤمن بذلك، ونؤمن بالتفاصيل الكثيرة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته عن أحوال أهل القبور: من سؤال الملكين، وهكذا كذلك ما أخبر الله به، وأخبر به نبيه عليه الصلاة والسلام مما تعرضه الملائكة، وما تصنعه الملائكة بروح المؤمنين، أو روح الكافرين والفاجرين، كما في حديث البراء الطويل في صفة موتى أهل الإيمان، وحياتهم البرزخية، وموتي أهل الكفر والفجور والطغيان، وحياتهم البرزخية. فنؤمن بذلك كله، وأمثاله، وأضعافه مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: «وبعد البلا منشورون»، يعني بعد أن تبل الأجساد ينشرون ويبعثون، كما أخبر الله عز وجل به في كتابه. فإنه ينفخ في الصور، فيبعث كل من كان قد مات. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن الله عز وجل يمطر مطرا «كمني الرجال». وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حق وصدق، فهو لا ينطق عن الهواء، إن هو إلا وحي يوحى. وأن الناس ينبتون من عجب أذنابهم، يعني من آخر عظم في فقرة الظهر، فهو الذي يبقى، فينبتون كما ينبت النبت، ويخرجون من القبور كما يخرج النبت. فيفلق الأرض. هل أنت ترى في هذه الأرض الواسعة الكثيرة ما فيها من حبات النبات؟ وهل رأيت كيف يتفلق الأرض حين تخرج منه النبات بعد المطر؟ فكذلك يبعث الله عز وجل من في القبور، بما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، بمطر تمطره السماء كمني الرجال، فينبت الناس من عجب أذنابهم، ويتفلقون ويخرجون من الأرض. وأول من يبعث يوم القيامة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا به يرى موسى آخذ بأعمدة العرش، فلا يدري أبعث قبله أم جوزي بنفخة الصور، كما أخبر عليه الصلاة والسلام. كل هذا نؤمن به، والتفاصيل كثيرة ذكرها الله عز وجل في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته فيما يتعلق بالبعث والنشور. قال رحمه الله: «ويوم القيامة إلى ربهم محشورون». بعد البعث والنشور يحشر الناس إلى ربهم حفاة عراة غرلا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في أحاديث كثيرة. ومن أحاديث عائشة في الصحيحين، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله! الرجال والنساء»، يعني كيف هذا من شدة حيائها: «الرجال والنساء»، يعني حفاة وعراة، ينظر بعضهم إلى بعض. «يا رسول الله!»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأمر أعظم من ذلك يا عائشة! إن الأمر أعظم من ذلك يا عائشة!». وهكذا في تفاصيل كثيرة من انتظار الناس قبل الفصل في القضاء، وهكذا اجتماع الناس بحسب أعمالهم بعرقهم. فمنهم من يبلغ إلى عقبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى ثدييه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. كل هذا وتفاصيل أخرى كثيرة أخبرنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم، بل وبعضها في كتاب الله عز وجل. نؤمن بذلك كله، خلافا للبدع والأهواء ممن أنكر مثل هذه الغيبيات، فهو من الكفر؛ لأنه إنكار لركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر. قال رحمه الله: «ولدى العرض عليه محاسبون بحضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين، أحصاه الله ونسوه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». كذلك هذا وتفاصيل أخرى كثيرة أخبرنا الله عز وجل بها في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم بسنته. نؤمن به كله. قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. فالأعمال توزن، والأجساد توزن، وكل شيء يوزن في ذلك من اليوم العظيم. فلا يزن الكافر جناح بعوضة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، أي الكفار. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حق ابن مسعود، وكان نحيفا ذو ساقين نحيفتين: «أتعجبون من دقة ساقيه؟ إنهما لأثقل يوم القيامة من جبل أحد»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك أعمال الناس وصحفهم توزن. حتى يأتي الرجل ببطاقة فيها: «لا إله إلا الله»، تطيش كفة الميزان الأخرى، وقد حوت دواوين وكتب كثيرة من السيئات، فتثقل «لا إله إلا الله»، فتطيش تلك الصحف. وفي هذا فضل التوحيد إذا كان خالصا صادقا، وأنه يكفر الله به من الذنوب والخطايا الشيء العظيم. وهكذا كذلك: أن هناك موازين كما أخبر الله سبحانه وتعالى، وموزونات. وأنه كذلك يحصى كل شيء، حتى يقول الإنسان بذلك اليوم: ﴿مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. وكل هذا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كما أخبر الله عز وجل في كتابه، وهكذا في أحاديث أخرى كثيرة في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: «لو كان غير الله الحاكم بين خلقه، لكنه الله يلي الحكم بينهم بعدله»، يعني أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم بين خلقه، وهو الذي يحاسب عباده، ويخلو بهم. ففي حديث ابن عمر في الصحيح، ومعناه من حديث عدي بن حاتم كذلك: «ما من عبد إلا ويخلو به ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه». سبحانه وتعالى. ومن «حوصب عذب»، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها. فكل هذا نؤمن به كما أخبر الله عز وجل به بكتابه. والموازين توزن بالحق والقصد والعدل؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم بين عباده. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾. وهكذا الشهود: شهود حق وعدل. حتى أنه يشهد على الإنسان أعضاء جسده، فتتكلم الجلود وأعضاء الإنسان بكل ما صنعت، وما كان منها في هذه الدنيا. نؤمن بذلك كله كما أخبر الله عز وجل به بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. قال: «لو كان غير الله إلى آخره»، لأنه قال: «بمقدار القائلة في الدنيا». القائلة: ما بين الظهر والعصر، ما بين الظهر والعصر، أو ما قبل الظهر، كله قائلة، يعني وقت قصير يسير. وهذا جاء معناه موقوفا ومرفوعا. وبعضهم صحح المرفوع، جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه فيما رواه الحاكم، وأشار إليه الشارح بالتعليق. وصححه بعض أهل العلم موقوفا ومرفوعا. والصواب فيه الوقف. والصواب فيه الوقف. فهو موقوف. وبعضهم قال: مثل هذا لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع. فله حكم الرفع. قال رحمه الله: «وهو أسرع الحاسبين، كما بدأ لهم من شقاوة وسعادة، يومئذ يعودون: فريق في الجنة، وفريق في السعير». يعني كما كان حالهم في الدنيا يكون كذلك حالهم في الدار الآخرة، في مراحل اليوم الآخر كلها: في القبور، وفي البعث والنشور، وفي سيرهم على الصراط، حتى يصلوا أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، كل ذلك بحسب حالهم في الدنيا. فمن كان مسرعا مقبلا على الله، كان مسرعا مقبلا يوم القيامة. ومن كان عاليا مرتفعا بدين الله، كان عاليا مرتفعا يوم القيامة. والعكس بالعكس. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم الإشارة إلى بعض تلك الأحاديث: كيف أن الناس متفاوتون في قبورهم. فمن القبور: روضة من رياض الجنة، ومن القبور: حفرة من حفر النيران. وهكذا كذلك من أرواح أهل القبور: ما تتنعم في الجنة، ومن أرواح أهل القبور: ما تعذب في النار. ومن أحوال أهل القبور: من يعذب في قبره، ومن أحوال أهل القبور: من ينعم في قبره، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. بل الله عز وجل في كتابه، كما سمعنا في بعض الآيات في حق قوم فرعون وغيرهم. وهكذا كذلك اختلافهم في العرق، وهكذا مرور على الصراط، وغير ذلك في تفاصيل كثيرة صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. نؤمن بذلك كله. حتى أهل الجنة يتفاوتون. فالجنة مئة درجة، والنار مثلها دركة، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصحت به السنة. قال: «فريق في الجنة، وفريق في السعير»، أي طائفة عظيمة في الجنة، وطائفة عظيمة في النار، كما أخبر الله عز وجل بذلك في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته. فنؤمن بذلك كله جملة وتفصيلا. طيب نقف لهنا إن شاء الله، ونترك الباقي في الدرس اللاحق. ما الله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.