التعليق على شرح السنة للمزني  6

التعليق على شرح السنة للمزني 6

الدرس في التعليق على شرح السنة للمزني 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عقيدة أهل السنة والجماعة في رؤية الله يوم القيامة

يشرح المقطع عقيدة أهل السنة في رؤية الله يوم القيامة، حيث يرى أهل الجنة الله تعالى بينما يحرم الكفار من هذه الرؤية. يُفصّل الشيخ ابن برعي شرحًا لكتاب شرح السنة للإمام المزني مستدلًا بالأدلة من القرآن والسنة.

أهمية طاعة أولي الأمر في حفظ وحدة المسلمين

يؤكد النص على أهمية طاعة أولي الأمر في ما يرضي الله وليس مطلقة في كل الأمور، ويبرز أن الخروج على الحكام يؤدي إلى الفوضى والتفرق بينما الصبر على جورهم يحفظ وحدة المسلمين وأمنهم.

ضوابط طاعة السلطان وعدم الخروج عليه

يؤكد النص على طاعة السلطان في غير معصية الله وعدم الخروج عليه، مستشهدًا بموقف الإمام أحمد بن حنبل، ويبين أن طاعة السلطان تكون في طاعة الله وليس في معصيته ويحذر من إثارة الفتن.

التحذير من تكفير وتفسيق المسلمين بغير حق

يناقش المقطع أهمية عدم تكفير المسلمين بغير حق ويحذر من الخروج على الحكام وتكفير الناس، مشيرًا إلى أن المعاصي تنقص الإيمان ولا تزيله، ويؤكد على العدل والإنصاف في التعامل مع المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة: تعليقات على كتاب شرح السنة للإمام المزني -رحمه الله تعالى- لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن برعي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «قالوا: أهل الجنة يومئذ في الجنة يتنعمون، وبصنوف اللذات يتلذذون، وبأفضل الكرامة يحبرون، فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناظرة، وعينهم بفضله إليه ناظرة، في نعيم دائم مقيم، لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين، وكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار، وأهل الجحيم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، وفي النار يسجرون، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور، خل من شاء الله من الموحدين إخراجهم منها». جعل المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا المبحث في الكلام على بعض أوصاف أهل الجنة وأهل النار، ومن ذلك ما يتعلق بمبحث الرؤية. فعقيدة أهل السنة والجماعة أن الله -عز وجل- يرى يوم القيامة، يراه أهل الجنة رؤية نعيم وإكرام وتفضل منه -سبحانه وتعالى- وإحسان للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث صهيب -رضي الله عنه- أن الزيادة: النظر إلى وجه الله -سبحانه وتعالى-. النظر إلى وجه الله -سبحانه وتعالى-، وهكذا كذلك جاء هذا عن جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم-، منهم: أبو بكر، وحذيفة، وعامر بن سعد، وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم-، فمن الزيادة في الإحسان: إكرام أهل الجنة بالنظر إلى وجه الكريم الرحمن -سبحانه وتعالى-. وهكذا كذلك أن الله -عز وجل- يرى في عرصات يوم القيامة، يراه المؤمنون رؤية رضا، ويراه غيرهم من أهل الكتاب رؤية غضب وسخط. وأما أهل الشرك فبشركهم يحرمون رؤية الله -سبحانه وتعالى-. جمعًا بين الأدلة التي وردت في هذا الباب؛ لأن الله -عز وجل- قال عن الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، أي: الكفار. وأثبت في حديث الشفاعة وبعض الحديث فيما جاء في صحيح مسلم وغيره: أن غيرهم من أهل الكتاب يرون الله -سبحانه وتعالى- يوم القيامة. قال العلماء: يجمع بين الأدلة بأن من ذكر من أهل الكتاب أنهم يرون الله يرونه رؤية غضب؛ فالله -عز وجل- يغضب عليهم، لكن لأنهم أهل دين فيرون الله -سبحانه وتعالى-. وأما أهل الشرك والكفر؛ لأنهم لا يؤمنون بالله فيحرمهم الله -عز وجل- النظر إليه زيادة بغضبه وعذابه عليهم -سبحانه وتعالى-. وهذا هو قوله -رحمه الله-: «وأهل الجنة يومئذ في الجنة يتنعمون، وبصنوف اللذات يتلذذون، وبأفضل الكرامة يحبرون». هذا من إحسان الله -عز وجل- للذين أحسنوا الحسنى من الحسنى: الجنة والتنعم فيها، والوصول إلى صنوف اللذات وأفضل الكرامات، فيكرمهم الله -عز وجل- مع هذا الإحسان بالنظر إليه -جل وعلا-. «فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون» للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. وهكذا كذلك في قول الله -عز وجل-: ﴿وجوه يومئذ ناظرة * إلى ربها ناظرة﴾، أي: من النظارة والنعيم والإحسان الذي يلقونه. «إلى ربها ناظرة» من النظر. فإن النظر إذا عُدي بإلى أفاد معنى الرؤية، أفاد معنى الرؤية. لا يعرف أحد من أهل العربية أن النظر يُعدى بإلى فيفهم منه غير الرؤية. فقول من قال من المحرفة والمعطلة: «أن هذا ليس المراد به النظر إلى الله -عز وجل-»، هذا من جحود نصوص الكتاب والسنة، ومن الخروج عما أجمعت عليه أهل العربية. «وجوه يومئذ ناظرة» من النظارة والكرامة والإحسان «إلى ربها ناظرة» الأولى بالضاد والثانية بالطاء، فرق بين الضاد والطاء. فالأولى من النظارة والثانية من النظر. قال -رحمه الله تعالى-: «لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون». وهذا مأخوذ من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء في صحيح البخاري وغيره: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة عيانًا». عيانًا: يعني تأكيد وتحقيق، لا يشكون في الرؤية. رؤية حقيقية بالعين، ليس رؤية قلب ولا رؤية بصيرة كما يزعم المعطلة، ولا غير ذلك من المعاني الباطلة، بل رؤية حقيقية بالعين، يرون الرب -سبحانه وتعالى-. وبحديث جليل في الصحيحين: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تمارون». وفي رواية: «لا تمارون» يعني: في الأولى: لا يغطي عليكم شيء، وبالتانية: لا تشكون. لا تشكون في رؤيته شيئًا. وفي رواية: «ليس دونها سحاب» يعني: ما في شيء يغطي ذلك. رؤية حقيقية واضحة، ما فيها مراء ولا شك ولا تعمية ولا تغطية، بل رؤية فيها إكرام وإحسان، وكذلك نعيم لا يعلم بذلك إلا أهل الجنة، حيث يكرمهم الله -عز وجل- بهذا الإكرام الأعظم. قال -رحمه الله تعالى-: «فوجوه بكرامته ناظرة» مأخوذ من الآية في سورة القيامة: ﴿وجوه يومئذ ناظرة﴾. «وأعينهم بفضله إليه ناظرة» مأخوذة كذلك من الآية في سورة القيامة: ﴿إلى ربها ناظرة﴾. فالأول من النظارة والثاني من النظر. والنظر إذا عُدي بإلى أفاد معنى الرؤية. قال: «في نعيم دائم مقيم، فهو من تمام النعيم أن يرون رب العالمين، لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين». هذا وصفه للجنة. «وكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار». وفهم من هذه الآية: أن الكفار كما يحرمون الجنة يحرمون كل نعيم في الجنة، ومن نعيم الجنة: رؤية الله -سبحانه وتعالى-، فلا يصل إليها الكفار ولا يمكنون منها؛ لأن هذا خاص بأهل الجنة، ليس هو لأهل النار. فلذلك يكرم الله -عز وجل- أهل الجنة برؤية الله -سبحانه وتعالى-. وهذا من تقهه -رحمه الله- أن يستدل بالمتماثلات والمتشابهات على إثبات الحكم، تارة بالمدلول، وتارة بالمنطوق، وتارة بالمفهوم، وتارة كذلك بالعموم. قال: «وأهل الجحيم عن ربهم يومئذ لمحجوبون؛ لأنهم من أهل الكفر؛ لأنهم من أهل النار، والنظر إنما هو لأهل الجنة، وهو نعيم من نعيم الجنة، وهم ليسوا أهل لذلك، هم ليسوا من أهل الجنة وليسوا كذلك من أهل الإيمان». «قالوا: في النار يسجرون، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور». بل صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض روايات أحاديث الرؤية: أنه قرن -عليه الصلاة والسلام- الرؤية بالمحافظة على الصلوات؛ يعني: كلما كمل المؤمن في إيمانه كان ذلك أدعى لإنعام الله -عز وجل-، ومن ذلك: أن يكرمه الله -عز وجل- برؤيته -سبحانه وتعالى-. «قال: خل من شاء الله من الموحدين إخراجهم منها» يعني: ممن يخرج من النار فيدخل الجنة فيرون الرب -سبحانه وتعالى- بعد خروجهم من النار. وأما إذا هم في النار فلا يرون الرب -سبحانه وتعالى-. فإذا دخلوا الجنة أكرمهم الله برؤيته -سبحانه وتعالى-. وكما تقدم كذلك: غيرهم من أهل الكتاب في عرصات يوم القيامة، كما جاء في بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال -رحمه الله تعالى-: «والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله -عز وجل- مرضيًا، واجتناب ما كان عند الله مسخطًا، وترك الخروج عن تعديهم وجورهم، والتوبة إلى الله -عز وجل-؛ كيما يعطف بهم على رعيتهم». كذلك من أصول أهل السنة والجماعة، ومن طريقة السنة وشرحها: طاعة أولي الأمر في طاعة الله -عز وجل-؛ لما يتبت بذلك من أدلة الكتاب والسنة. فطاعة أولي الأمر أصل من أصول أهل السنة، دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهو كذلك؛ لأن به تقوم حياة أهل الإسلام وقوتهم، وتجتمع به كلمتهم، وتحفظ به شوكتهم، ولا يتسلط عليهم عدوهم. وأما إذا خرجوا على حكامهم حصل من التفرق والتمزق والتناحر والضعف والخور والفرقة ما يكون سببًا لطمع الأعداء وتسلطهم، وحصول الشر لأهل الإسلام. ولهذا جاءت الأدلة الشرعية. فأهل السنة والجماعة يدينون بهذا ديانة، ليس مجاملة. فهم من أبعد الناس عن أبواب الأمراء والسلاطين، وفي نفس الوقت هم من أحرص الناس على طاعتهم في طاعة الله. وجمع كلمة الإسلام بلزوم غرز العلماء والأمراء فيما فيه طاعة لله -عز وجل-. ومن أدلة ذلك: قول الله -عز وجل-: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. وأولي الأمر كما قال العلماء: هم الأمراء والعلماء؛ فالعلماء: بشرع الله يأمرون، والأمراء: بالسيف والسنان والقوة والسلطان يقيمون شرع الله، فيطاعون. ولهذا قال: «والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله» يعني: إذا أمروا بمعصية لله فلا يطاعون في معصية الله. ولا يعني عدم طاعة في معصية الله أن يخرج عليهم، بل يصبر على ما يكون منهم. ولهذا فإن السنة أمرت بالطاعة، ولزوم الجماعة، حتى ولو حصل منهم معصية. قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «اسمع وأطع، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك، أو جلد ظهرك». لماذا؟ لأن الصبر على الأذية الخاصة أعظم من الأذية العامة. أيهما أعظم؟ أن تصبر على مال يأخذ منك، وضرب يصيب جلدك وظهرك، وإن كان ظلمًا وعدوانًا، تصبر على هذا لله -سبحانه وتعالى-، ليس لعجز ولا لجبن ولا لضعف، ولكن لله -سبحانه وتعالى-. لماذا؟ لدفع مفسدة أعظم. ما هي؟ حفظ أمن المجتمع، لا تسفك الدماء، لا تنتهك الأعراض، لا يضيع الأمن، لا تحصل الفوضى، لا تغل الأسعار، لا يحصل الفساد في الأرض، لا يتسلط أعداء الإسلام على المسلمين، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة. فهنا هذا الصبر من باب ارتكاب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى. يصبر الإنسان كونه يأخذ مالك ويجلد ظهرك، هذه مفسدة وضرر، لكنه ضرر صغير أمام ضرر أكبر منه. ما هو؟ سفك الدماء، انتهاك الأعراض، ذهاب الأمن، حصول الفساد في الأرض، التشرذم، كثرة الأيتام والأرامل، كثرة الجرحى والمرضى، وغير ذلك من الفوضى والمسائل العظيمة التي تقع بسبب الخروج على السلطان. ولهذا أمر الإسلام بالصبر على جور السلاطين. فلما شكوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فماذا نصنع إذا ابتلينا بأمراء سوء؟ قال: «تسألون الله الذي لكم، وتعطونهم الذي لهم، حتى يأتي الفرج من الله». يعني: الفرج من الله تنتظر أن يأتي الفرج من الله -سبحانه وتعالى-. تدعو الله: «يا رب، ولي علينا خيارنا، ولا تولي علينا شرارنا». وهكذا من الدعوات التي يحصل بها الخير. والله -عز وجل- على كل شيء قدير. الله على كل شيء قدير. كم مر بالتاريخ من أمراء سوء و سلاطين سوء تسلطوا على شعوبهم، ولكنهم كانوا أهل إسلام وإيمان، فصبر العلماء وأمروا الشعوب بالصبر. فإذا استمر الصبر جاء الفرج بعد هذا الصبر. فإن «مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا». تولى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله ورضي الله عنه- الخلافة، فأعادها كخلافة النبوة، بعد أن كانت قبله خلافة فيها ما فيها. وهكذا كذلك لا يزال التاريخ مليئًا بأمثال ذلك ونظائره. وفي المقابل: لم تخرج طائفة على إمامها وسلطانها إلا وكان الشر المترتب على هذا الخروج أعظم من الخير المرجو المتوقع. وهذا هو الواقع. وهذا هو الواقع. وقرأوا في التاريخ القديم والحديث: هات طائفة واحدة خرجت على ولي أمرها وسلطانها كانت لهم عاقبة حسنة أبدًا، ما كان إلا الشر والسوء: سفك الدماء، وانتهاك الأعراض والأموال، وضياع الأمن والتشريد والتدمير، كثرة الأيتام والأرامل، كثرة الجرحى والمرضى، غلاء الأسعار، وغير ذلك من الشر والفساد الكثير. ولا أدل على ذلك ما تعيشه الكثير من الدول المسلمة في هذا الزمان من بلاء ومحنة بسبب هذا الخروج الذي خرجت به على أمرائها وعلى رؤسائها. وهذه ثمرة هذا الخروج: قتل مئات الآلاف، وتشرد الملايين، وجرح وأصيب بالمرض مئات الآلاف، الأيتام والأرامل مئات الآلاف، الفقر والجوع وغلاء الأسعار، والفتن التي لا زالت مستمرة إلى يومنا هذا. كل هذا قليل من كثير من آثار الخروج على أولي الأمر. وهذا قليل من كثير مما يدلك على مصداقية ما يأمر به علماء السنة من لزوم هذا الأصل العظيم من أصول أهل الإسلام. فإذا أمر أهل السنة بهذا فهم لم يأمروا به مداهنة ولا مجاملة، ولا لأجل أنهم أعطوا عطاء أو غير ذلك من التهم الباطلة الكاذبة التي يعرفها كل العقلاء وأهل الإنصاف: أن أهل السنة والجماعة من أبرأ الناس وأبعدهم عن هذا الباطل وعن هذا الكذب وعن هذا الفجور. بل العكس: هؤلاء الذين يتهمون أهل السنة بأنهم علماء سلطان، وأنهم علماء مادة، وأنهم أهل مداهنة، وغير ذلك من التهم الكاذبة، هؤلاء الكاذبون هم أحق بهذا الوصف. فأهل السنة في مساجدهم، في دعوتهم، وفي حياتهم التي هم عليها، أما أولئك: بين صنفين: صنف لم يزالوا ولا يزالون في السياسات بالكذب والتلون والمواقف المخزية المتناقضة، يقولون القول بالأمس ويرجعون عنه اليوم، ويرفعون الرايات بالأمس لشيء ويرفعون بضدها اليوم. مواقف متناقضة مخزية، لا حياء من الله ولا حياء من خلق الله -سبحانه وتعالى-. ومع هذا: حرص على الدنيا والمناصب والكراسي. فلو سألت أحدهم: من أحق بهذا الوصف؟ من الذي يجري خلف الكراسي؟ من الذي ينافس في القصور الفاخرة والسيارات الفارهة والأرصدة العظيمة في البنوك؟ بالأمس أنت تنادي بحقوق الفقراء، وتمشي ما عندك قلم تكتب به. واليوم: أرصدة بالملايين، وقصور في كل بلد، وسيارات فاخرة فارهة. أقل شيء: استحي، اسكت، لا تتهم أهل السنة بالكذب، لا تتهم أهل السنة بالكذب، وتقول: إنهم أهل مداهنة وأهل دنيا. الناس الذين عندهم إنصاف عرفوا أهل السنة: أهل السنة في مساجدهم، ما يبالون بمن طلعوا، بمن نزل، يريدون رضى الرب -سبحانه وتعالى-. يريدون ما عند الله -سبحانه وتعالى-. حسبهم أن الله يهدي على أيديهم الناس، ويدخلون في دين الله -عز وجل-، ويتمسكون بسنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. لم ينافسوا يومًا على كرسي، ولا على منصب، ولا على وظيفة، ولا على راتب. ولم يلتفتوا فضلًا أن يسألوا أحدًا أن يعينهم في شيء. بل هم متوكلون على الله، ملتجون إلى الله، يرجون ما عند الله، ويعلمون أن النصر والتوفيق والتأييد كله من الله -سبحانه وتعالى-. وبهذا أعز الله -عز وجل- هذه الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، ولا تزال كذلك -بإذن الله- سبحانه وتعالى- إلى قيام الساعة. وقد يدخل في صفوفهم بعض المتلونين، بعض الدنيويين الدنيئين، لكن هذه الدعوة المباركة تنفي خبثها بصفائها. فأهل الدخن وأهل الخبث يفضحهم الله، ويخرجون من الصف، ويظهر تلونهم، ويظهر كذبهم، ويعرف القاصي والداني، والقريب والبعيد، وكل منصف: أن هؤلاء انتسابهم إلى أهل السنة كذب، وأن هؤلاء ادعاؤهم للسنة كذب. ومن لم يعلم اليوم سيعلم غدًا، ومن لم يعلم غدًا فسيعلم بعد غد. وهذه سنة الله -سبحانه وتعالى-: يميز بين الحق والباطل، والطيب والخبيث. وهذا فضل من الله -سبحانه وتعالى-. فلذلك أهل السنة يأمرون بما يأمرون به من طاعة السلطان، بطاعة الله، ديانة لله -عز وجل-، ليس لأنهم استلموا رواتب، ولا لأجل مناصب، ولا شيء من هذه المعاني والاعتبارات. بل هم يريدون الخير للعباد والبلاد، يريدون الأمن والأمان والسلامة والعافية للمجتمعات، يريدون أن لا تسفك الدماء، ولا تنتهك الأعراض، ولا تنهب الأموال، ولا يحصل الشر والفساد بالأرض؛ لعلمهم -علم يقين- أن ما يفعله هؤلاء السفهاء وهؤلاء الغوغاء عاقبته عاقبة سوء، عاقبته عاقبة سوء؛ بما علموا من الأدلة الشرعية، وبما علموا من تاريخ البشرية. وهذا هو الواقع يصدق ويبرهن ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: «واجتناب ما كان عند الله مسخطًا» يعني: طاعتهم في طاعة الله، ما كان لله مرضيًا. وأما ما كان عند الله مسخطًا فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. لما أمر الإمام أحمد أن يقول بخلق القرآن، هل أطاع؟ لم يطع. أتى بعدد من الإماء، أطاع السلطان. السلطان يأمرك أن تقول بخلق القرآن، وأن تأمر الناس بذلك، قال: «لا، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». فيقتل الأول، فيقتل الثاني، فيقتل الثالث. قتل مئات العلماء، صبروا على هذا الجور وهذا الظلم. أخذ الإمام أحمد وعذب وضرب حتى أغمي عليه. وأتي به وضرب وعذب حتى أغمي عليه عدة مرات حتى كاد أن يموت، ولا يريدونه أن يموت؛ لعلمهم أنه لو قال بخلق القرآن قال الناس كلهم بخلق القرآن. فيريدونه أن ينطق، لا يريدونه أن يموت. كلما كاد أن يموت تركوه حيًا حتى ترجع له روحه، ثم يأمرونه مرة أخرى. وبعد أن وجدوه على هذا الحال والإصرار أخرجوه. فماذا صنع بعض من لم يعرف عقيدة أهل الإسلام في هذا الباب؟ جاءوا إلى الإمام أحمد واستأذنوه في الخروج على السلطان، فنهاهم عن ذلك. تعجبوا: «أنت الذي الآن خرجت من السجن، وضربت، وكدت أن تموت». فقال: «هذه مدنة الخاصة، ولكن إذا رفع السيف فإنها بذنة العامة». من يستطيع أن يقول مثل هذا اليوم؟ الواحد إذا منع من خطابه على طول، إلى الساحة: مظاهرات واعتصامات، وتهييج المجتمعات. بل إذا منع الراتب، وتأخر المصروف: هيج الناس والشعوب من بعد صلاة الجمعة. «لماذا أخر المال؟ ولماذا؟ ولماذا؟» هذا لا يجوز. وفي نفس الوقت: لا يطاع السلطان في معصية الله. لكن ليس معنى ذلك أننا نهيج الشعوب، لا، تصبر إذا ابتليت بذلك، تصبر وتحتسب حتى يأتي الفرج من الله -سبحانه وتعالى-. وهل أتى الفرج للإمام أحمد -رحمه الله- في حياته؟ الجواب: نعم. مات ذاك السلطان الذي كان يأمر بالكفر ويدعو إلى خلق القرآن، ومات ولده من بعده الذي أمر بمثله، حتى أخلف الله بعدهم من يرفع راية السنة. فصار الإمام أحمد كأبي بكر يوم الردة، رفع الله -عز وجل- شأنه وذكره بموقفه الثابت؛ لأنه مع ما أوذي لم يخرج عن العدل، ولم يخرج عن الإنصاف والشرع الذي أمره الله -عز وجل- به. فصار إمام أهل السنة والجماعة -رحمه الله رحمة واسعة-. وهكذا كذلك علماء السنة في كل زمان ومكان؛ لأنهم يعاملون الناس بشرع الله، يعاملون الناس بشرع الله -سبحانه وتعالى-. لا يردون الإساءة بالإساءة؛ لأن الله أمرهم أن يقولوا التي هي أحسن. بل يصبرون ويحتسبون، ويرجون التوبة من الله -سبحانه وتعالى-. وهكذا كن -أيها المسلم- دائمًا: تدور مع الدليل والحجة والبرهان، لا إفراط ولا تفريط. ليس معنى طاعة السلطان أن ترتمي في أحضانهم، فتحلل لهم الحرام، وتحرم الحلال، وتتلاعب بالضوابط الشرعية، حتى يصير إسلام خاويًا من الأوامر والضوابط والضوابط الشرعية، كحال الكثير من الناس اليوم ممن يتلاعب بالأحكام الشرعية إرضاءً للشرق والغرب. إرضاء للشرق والغرب: لباس العلماني، مسمى بمسمى إسلامي. هذا خطأ، وهذا باطل، وهذا لا يجوز. بعض الناس يقول: «أمر السلطان، أمر السلطان، هل يجوز أن تطيعه في معصية الله؟ لا يجوز أن تطيعه في معصية الله». إنما أمرك الشرع أن تطيعه في ماذا؟ في طاعة الله، لا في معصية الله. إذا أمرك أن تحلل الحرام أو تخرج الفتاوى التي فيها تلاعب بالضوابط الشرعية، فهذا خطأ، وهذا حرام، ولا يجوز. وفي نفس الوقت: لا يعني ذلك الخروج والتهيج، وكذلك إثارة الفتن بالمجتمع. فلا إفراط ولا تفريط. دين الله بين الغالي والجافي. قال -رحمه الله-: «تركوا الخروج عند تعديهم وجورهم» يعني: حتى إذا حصل التعدي والجور لا يخرج عليهم أبدًا. يصبر الإنسان، يصبر الإنسان كما مر معنا، وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث الكثيرة الواردة عنه -عليه الصلاة والسلام-. فمن خرج على السلطان فمات كما جاء في حديث ابن عباس بالصحيح: «مات ميتة جاهلية» يعني: كان كأهل الجاهلية. أهل الجاهلية لم يكن في عنقهم بيعة، ولا يعرفون طاعة. أما أهل الإسلام: أمرهم آخر: المسلم عنده بيعة، وعنده طاعة تلزم عنقه، وتلزمه في دينه، تستلزم أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، حتى لو كان السلطان جائرًا فاسقًا عاصيًا آمرًا بما فيه معصية لله. فهذا بينه وبين الله. «أنت تسأل الله الذي لك، وتعطيه الذي له، حتى يستريح بر من فاجر» حتى يستريح بر من فاجر. لكن لا خروج، ولا تهيج، ولا إثارة. إنما الصبر، الصبر حتى يأتي الفرج من الله -سبحانه وتعالى-. قال: «والتوبة إلى الله -عز وجل- كيما يعطف بهم على رعيتهم» يعني: إذا أصلحنا ما بيننا وبين الله أصلح الله لنا الرعية. إذا صلحت أصلح الله لها الراعي. وكما يروى عن عمر -رضي الله عنه-، ويروى عن علي -بمعناه-: «كما تكونون يولى عليكم». كما تكونون يولى عليكم. إذا كان الناس أهل طاعة وعدل وإقامة لشرع الله، فإن الله -عز وجل- يصلح لهم إمامتهم. وإذا كانوا على خلاف ذلك: صلت الله -عز وجل- عليهم إمة السوء والضلال. وقد صح معناه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في عدة أحاديث. بل صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه أخبر أنه سيكون بعده أمراء سوء، وسيكون جور. فماذا أمرهم؟ أمرهم بالصبر. أمرهم بالصبر. هكذا جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قال -رحمه الله تعالى-: «كيفما يعطف بهم على رعيتهم» يعني: يأتي الفرج من الله -سبحانه وتعالى- بهذا. قال -رحمه الله-: «وإنساق عن تكفير أهل القبلة والبراءة منهم فيما أحدثوه، ما لم يبتدعوا ضلالًا، فمن ابتدع منهم ضلالًا كان على أهل القبلة خارجًا، ومن الدين مارقًا، ويتقرب إلى الله -عز وجل- بالبراءة منه، ويهجر ويحتقر، وتجتنب غدته، فهي أعدى من غدة الجرب». لما ذكر طاعة السلطان ناسب أن يذكر حال الخارجين على السلطان من الخوارج والمعتزلة ومن كان على طريقتهم الذين يكفرون الأمراء والعلماء والمجتمعات. أهل التكفير. فقال: «والإنساق عن تكفير أهل القبلة» لا يجوز لمسلم أن يكفر مسلمًا بغير حق. ومن فعل ذلك رجع حكمه عليه كما صح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. بل الواجب أن يبقى المسلم على ظاهره كما صح عنه -عليه الصلاة والسلام- في صحيح البخاري وغيره: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفر الله بذمته». فهذا هو الواجب: من ظاهره الإسلام يبقى على ظاهره. وليس لنا الخوض في الباطن. وإن كانت عنده معصية، فالمعصية تنقص الإيمان ولا تزيله. فالواجب العدل في هذا الباب. الواجب العدل في هذا الباب. الله -عز وجل- أنكر القتل، وهو من أعظم الذنوب، وأول ما يحاسب عليه الناس يوم القيامة في الدماء. وقال الله -عز وجل- فيمن قتل متعمدًا: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾. ومع ذلك ماذا سمى الله -عز وجل- القاتل؟ سماه مؤمنًا. قال -سبحانه وتعالى-: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلتا فأصلحوا بينهما﴾. القاتل: فعل كبير، وجريمة عظيمة، وجريمة شنيعة. ويقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يسفك دمًا حرامًا، فإذا سفك دمًا حرامًا: بلح» يعني: لم تكن له عاقبة وخاتمة خير، بل عاقبة وخاتمة سوء -قل أن يخرج من هذه الدنيا قاتل عمد- بخاتمة حسنة في الغالب، لا يخرج إلا بخاتمة سوء، والعياذ بالله. ومع ذلك سمى الله -عز وجل- القاتل مؤمنًا. فلا يجوز أن يكفر المسلم بدم. فكيف إذا كانت الذنوب دون القتل؟ كالمعاصي: شرب الخمور، أو غيرها من المعاصي الأخرى. فينبغي العدل والإنصاف في هذا الباب. بل نص العلماء: أن ولي الأمر أو غيره لو وقع في الكفر لم يجز أن يكفر حتى تقام عليه الحجة أولًا. ثم إذا ثبت عليه الكفر لا يجوز كذلك الخروج عليه إذا كان سيؤدي إلى مفسدة أكبر. «فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح». درء المفاسد أولى من جلب المصالح. قال: «والبراءة منهم فيما أحدثوه، ما لم يبتدعوا» يعني: إذا حصل منهم بدعة فأنت تتبرأ من هذه البدعة، أو من هذا الحدث. «فمن ابتدع منهم ضلالًا كان على أهل القبلة خارجًا، ومن الدين مارقًا». والمراد بهذا الضلال: سواء البدع العلمية والعقدية، أو كذلك البدع العملية والفعلية، كالخروج. فكله محرم، ولا يجوز. قال: «ويتقرب إلى الله -عز وجل- بالبراءة منه». التبرؤ من البدعة وأهلها. ومن ذلك: بدعة الخوارج الذين يخرجون على أهل الإسلام، فيقتلونهم، ويتركون أهل الكفر -والعياذ بالله-، ويتركون أهل الكفر. كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان». وقد وقع هذا في زمن الصحابة -رضي الله عنهم-. هؤلاء الخوارج الذين حرموا العقل والدين، ليس فقط حرموا الدين، حتى حرموا العقل. حرمهم الله -عز وجل- العقل، طمس على قلوبهم وأبصارهم، وأعماهم؛ لما كان من هذا الباطل والغي والضلال الذي هم عليه. قتلوا الصحابة، جاءوا إلى بعض الصحابة فقتلوه، وإلى امرأته الحامل فقتلوها، وبقروا بطنها، وقتلوا جنينها. لماذا؟ زعموا أنهم كفار. ومروا بكاتب وذمي، وتركوا له خنزيرة، وردوا له تمرة -تمرة تبرعوا فيها-، وخنزير كذلك تورعوا فيه، ولم يتورعوا في دم صحابي وزوجته وابنه. وهكذا كذلك يفعل من حرمه الله الثقة في الدين، وأخذ بهذا المسلك: مسلك الخوارج المعتدين. فإنهم يحرمون العدل والتوفيق، فيصيرون على هذا الحال المنكوس -والعياذ بالله-: يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان. وأنتم ترون في هذا الزمان: نحو هذا يتكرر، كما وقع في عهد الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-. نسأل الله -سبحانه وتعالى- السلامة والعافية. قالوا: «يهجروا ويحتقر، وتجتنب غدته». وتجتنب غدته: يعني في الغدّة: الورم. ال