التعليق على شرح السنة للمزني  7

التعليق على شرح السنة للمزني 7

الدرس في التعليق على شرح السنة للمزني 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الصحابة وترتيبهم - التمهيد

يتناول فضل الصحابة وترتيبهم، حيث يبدأ بذكر الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة ويؤكد على أهمية الإقرار بفضلهم. يُشير إلى أن عملهم القليل لا يساويه الكثير من غيرهم.

تتمة الكلام عن فضل الصحابة وترتيبهم

يؤكد على أن الصحابة لا يمكن أن يجتمعوا على ضلال، وأن ترتيب فضلهم يتبع ترتيب خلافتهم. يُذكر حديث العشرة المبشرين بالجنة وترتيبهم حسب ورود أسمائهم في الحديث النبوي.

حكم الصلاة خلف المبتدع والفاجر

يُفصّل حكم الصلاة خلف الإمام المبتدع، حيث إذا كانت بدعته مكفرة فلا تصح الصلاة خلفه، وإلا فالصلاة تصح ولكن الأفضل خلف غيره. التفصيل يعتمد على نوع البدعة.

خاتمة الدرس والدعاء

يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام، وتوجيه الشكر للمستمعين.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على كتاب شرح السنة للإمام المزني -رحمه الله تعالى- لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن برعيك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السابع. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: ويقال بفضل خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فهو أفضل الخلق وأخيرهم بعد النبي ﷺ، ونثني بعده بالفاروق، وهو عمر بن الخطاب، فهما وزيرا رسول الله ﷺ وضجيعاه في قبره، ونثلث بذي النورين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ثم بذي الفضل واتقى علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم أجمعين-، ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله ﷺ الجنة، ونخلص لكل رجل منهم المحبة بقدر الذي أوجب لهم رسول الله ﷺ من التخضيل، ثم لسائر أصحابه من بعدهم -رضي الله عنهم أجمعين-، ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، ارتضاهم الله عز وجل لنبيه، وجعلهم أنصارًا لدينه، فهم إمة الدين وأعلام المسلمين -رضي الله عنهم أجمعين-. جعل المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الفصل في الكلام على فضل الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- وترتيب فضلهم: الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، ثم بقية العشرة، الستة تتمة العشرة المبشرين بالجنة الذين ذكرهم رسول الله ﷺ في حديث واحد، ثم من ذكرهم رسول الله ﷺ وأشار بفضلهم. وفي هذا إشارة إلى أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أولًا: الإقرار بفضل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- والاعتراف به، والعمل بما يلزم أو ما يستلزمه ذلك. وقد قال النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». ومعناه: أن العمل الكثير من غيرهم أبدًا لن يساوي العمل القليل منهم، ولا نصف عملهم. فإذا كان مثل جبل أحد -ومن عرف جبل أحد عرف عظيم ما يقصد النبي ﷺ- لا يساوي مد أحدهم ولا نصيفه -نصف المد-، هذا لو أنفق الصحابي مثل هذا المد، وأنفقت أيها الجائي بعد الصحابة مثل جبل أحد، لن تصل أبدًا لنصف المد. ماذا يدل هذا؟ يدل على عظيم فضلهم -رضي الله عنهم أرضاه-، فعندهم من السابقة والصحبة وحضور نزول الوحي ونصرة الدين ونصرة نبيه الكريم ﷺ ما اقتضى لهم هذا الفضل العظيم. فالعمل القليل منهم أبدًا لن يساويه الكثير من غيرهم، بل ولن يساوي نصف عملهم القليل. ولذلك قال من قال من أهل العلم -كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «قال الصحابة: فضلهم كالبحر، فإنه ماء كثير لا يضره ما وقع فيه مهما كان». إذا كان النبي ﷺ قال: «إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث»، فكيف بالبحر؟! فضل الصحابة أعظم من البحر، ما نشوف في هذا. ولذلك قال من قال من أهل العلم: أن الصحابة -رضي الله عنهم- إن صدر منهم ما ظاهره الخطأ، فإنه إما يغفر لهم بسابقتهم وبعظيم فضلهم، وإما أن يكونوا تابوا منه وقبل منهم، وهم أولى بالتوبة والقبول من غيرهم. ومما يؤيد ذلك قول النبي ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». يعني: ما يمكن أن يأتي أحد أفضل منهم أبدًا. خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -رضي الله عنهم أرضاه-. وأفضل الصحابة أبو بكر -رضي الله عنه أرضاه-، خليفة رسول الله ﷺ، ارتضاه الله عز وجل لصحبة نبيه ﷺ، وارتضاه رسول الله ﷺ لأن ينوبه بالصلاة. بل كما قال غير واحد من أهل العلم: أن خلافته -رضي الله عنه أرضاه- كانت بإجماع الصحابة، وبإيماء وإشارة النبي ﷺ في أحاديثه. جاءت امرأة تسأل النبي ﷺ، فسألته، فأمرها أن تأتيه، فقالت: «فإن لم أجدك يا رسول الله؟ قال: ائتي أبا بكر». ما معنى «ائتي أبا بكر»؟ إذا لم أجدك يعني يخلفني من بعدي أبا بكر. ولما كان في مرض موته ﷺ وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وقال له بعض نسائه -فيما قال بعض الناس- من بكاء وشدة بكاء أبي بكر في صلاته: «قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». يعني: لا يغير أبو بكر من إمامته. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي فيها فضل أبي بكر -رضي الله عنهم أرضاهم-. بل كان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا أرادوا المفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ ابتدأوا بأبي بكر، كما جاء بحديث ابن عمر: «أنهم كانوا يقولون في زمن النبي ﷺ وهو حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي -رضي الله عنهم أرضاهم-». وهذا نص صريح في حديث ابن عمر -رضي الله عنه أرضاه-. بل أحاديث أخرى كثيرة: صحبتهم للنبي ﷺ كانت على ترتيب فضلهم. فأبو بكر صحب النبي ﷺ ولازمه في أعظم المواضع: في قصة الغار، وما أخبر الله عز وجل به، والهجرة. وهكذا الصحبة والنصرة وغير ذلك من المواضع الكثيرة، منها الإمامة والاستخلاف وغيره كثير. ولما دخل الحديقة، ودخل بعده أبو هريرة -رضي الله عنه- وطرق الباب طارق، قال: «أدخله وبشره بالجنة»، فكان أبو بكر، فجاء الثاني، قال: «أدخله وبشره بالجنة»، فكان عمر، فطرق الثالث، فقال: «أدخله وبشره بالجنة»، فكان الثالث عثمان. وغير هذا كثير مما فيه فضل الصحابة -رضي الله عنهم- هؤلاء الخلفاء الأربعة، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة. وهكذا علي -رضي الله عنه-، فإنه كذلك جاء فيه فضائل كثيرة. ثم كيف يمكن أن يجتمع الصحابة على ضلال وعلى باطل، وهم خير الأمة، وهم أجمع على أن أولى الناس بالخلافة بعد رسول الله ﷺ من؟ أبو بكر. وأن أولى الناس بعد أبي بكر عمر، وبعد عمر عثمان، وبعد عثمان علي -رضي الله عنهم أرضاهم جميعًا-. والصحابة لا يمكن أن يجتمعوا على ضلال أبدًا، فدل ذلك أن ترتيب فضلهم كترتيب خلافتهم -رضي الله عنهم أرضاهم-. ومن خالف في هذا -كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «فهو أضل من حمار أهله». يعني: أبلد من الحمار. هذا معنى كلامه -رحمه الله تعالى-. وهكذا بعد الأربعة الستة تتمة العشرة الذين جاء ذكرهم في حديث سعيد -رضي الله عنه أرضاه-. فقد صح عن النبي ﷺ أنه بشر بعشرة في حديث واحد بالجنة، فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». والحديث جاء من حديث سعيد، رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح. فهؤلاء العشرة المبشرون بالجنة هم أفضل الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم-، ذكرهم النبي ﷺ في حديث واحد. وأي الصحابة أفضل بعد الأربعة؟ بعضهم قال: على ترتيبهم في الحديث، لأن النبي ﷺ رتب ذكر أسمائهم على ترتيب فضلهم. فسعيد بن زيد جاء ببعض الروايات أنه آخر العشرة، وجاء ببعض الروايات أنه قبل أبي عبيدة. فترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الذكر. وهذا هو الأصل في نصوص الكتاب والسنة. قال -رحمه الله تعالى-: ونثني بعده بالفاروق كما تقدم في الأدلة، فإن الصحابة أجمعوا على خلافة عمر -رضي الله عنه- بعد أبي بكر، وتقدم. وله عمر فضائل خاصة. وقال النبي ﷺ: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة». كما صح عنه ﷺ. وله ألفاظ وروايات. وهما وزيرا النبي ﷺ. ما أكثر الأحاديث التي يذكر فيها النبي ﷺ مع أبي بكر وعمر. قال: «وضجيعاه في قبره». يعني: جمع الله عز وجل صاحبي رسول الله ﷺ في حياته، وجمعه به في بعد مماته. ومن دلائل نبوته، وعلى ما يدل صدق رسالته، وبراهين فضل هذين الصحابيين: أنه ﷺ أخبر أنهما يدفنان معه. فأخبر ﷺ أنه أول ما يبعث يوم القيامة ومعه أبو بكر وعمر. فلما توفي النبي ﷺ دفن معه أبو بكر، ثم دفن معه من؟ عمر -رضي الله عنه أرضاه-. وهذا هو قوله: «وضجيعاه بقبره». أي: هذا كذلك دليل على عظيم فضلهم. لو لم يكن لهم مزية لم يخص الصحابة أبا بكر وعمر بأن يدفن مع النبي ﷺ في نفس الموضع. وإنما دل ذلك على مزيتهما واختصاصهما بهذا الفضل -رضي الله عنهم وأرضاه-. وبه نعرف عظيم كفر الرافضة: كيف يتجرؤون على الطعن والسب بأفضل وأحب الناس إلى النبي ﷺ بعد أبي بكر، وهو عمر -رضي الله عنه-، ارتضى رسول الله ﷺ صحبته حيًا وميتًا. لأن الصحابة لما دفنوا عمر مع أبي بكر -كما قال بعض أهل العلم-: «إنما هو لما علموا من إشارات من أحاديث النبي ﷺ». فأذن أن يدفن ويخص من بين سائر الصحابة أن يكون معه في القبر. فكيف يتجرأ أحد على الطعن في أبي بكر وعمر؟! فهذا إن دل شيء دل على عظيم جرمهم وكفرهم. قال -رحمه الله تعالى-: ونثلث بذي النورين عثمان بن عفان كما تقدم، ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم أجمعين-. تقدم. ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله ﷺ الجنة. يعني: في الحديث الذي تقدم: حديث سعيد بن زيد. ونخلص لكل رجل منهم المحبة بقدر الذي أوجب لهم رسول الله ﷺ من التفضيل. فمثلًا العشرة على الترتيب الذي ذكر، والأربعة الخلفاء على الترتيب الذي ذكر. وهكذا الصحابة من بعدهم، كل بفضله على حسب ما ورد في فضله. قال: «ثم لسائر أصحابه من بعدهم -أجمعين-، ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم». يعني: لا يذكرون إلا بأحسن الأقوال والأفعال، فلا يذكرون إلا بالجميل. «ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم». إن شجر بينهم شيء نكل ذلك إلى الله، ولم نؤمر بالخوض فيه. ونسأل الله عز وجل أن يتجاوز عنا وعنهم، وأن يرفع درجتهم، وأن يجعل لهم عنا وعن الإسلام والمسلمين خيرًا. لأنهم بلغوا هذا الدين، فلهم الفضل بعد رسول الله ﷺ في أصول هذا الدين إلينا. قال: «فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، ارتضاهم الله عز وجل لنبيه، يعني في صحبته ونصرة دينه، وجعلهم أنصارًا لدينه، فهم إمة الدين وأعلام المسلمين -رضي الله عنهم أجمعين-». وهذا لا يشك فيه إلا محروم. لا يجادل فيه إلا محروم. قال -رحمه الله تعالى-: ولا نترك حضور الجمعة وصلاتها مع بر هذه الأمة وفاجرها، لازم. ما كان من البدعة بريئًا، فإن ابتدع ضلالة فلا صلاة خلفه. والجهاد مع كل إمام: عدل أو جائر. والحج. ثم ذكر كذلك هذا الأصل، وهو الأمر بالاجتماع والحذر من الفرقة. فمن أصول أهل السنة والجماعة: الحرص على الاجتماع والحذر والتحذير من الفرقة. فإنه من أصول أهل السنة. ولذلك جاءت النصوص الشرعية الكثيرة بالاجتماع. أمر الله عز وجل بصلاة الجماعة في حق الرجال المقيمين على صحة في خمس صلوات في البلد الواحد والحي الواحد. وأمر أهل الإسلام أن يجتمعوا في البلدة الواحدة في أكبر مساجدها للجمعة يومًا في الأسبوع. وأمرهم أن يجتمعوا جميعًا في الصيام. وأمرهم أن يجتمعوا جميعًا في الحج، وفي العيدين، وفي صلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء والنوازل وغير ذلك مما نصت به النصوص الشرعية. وهكذا كذلك غير ذلك كثير مما فيه معنى الاجتماع الذي دلت عليه النصوص الشرعية. ولذلك يذكر العلماء قضية الاجتماع، ويمثلون بالصلاة. والصلاة خلف كل بر وفاجر لازم. ولا شك أنه يقدم البر، لكن إذا لم يوجد البر وصلى بالناس الفاجر، هل تترك صلاة الجماعة؟ الجواب: لا. نجتمع ونصلي. فإن كان صاحب إثم فإثمه عليه، والأجر لنا. كما قال النبي ﷺ في الأمر بالصلاة خلف كل بر وفاجر. قال: «ما كان من البدعة بريئًا». يعني: إذا أمر ببدعة لا يطاع ببدعة. لا يطاع ببدعة. ما نقول: أمرنا بالاجتماع على المولد، إذن نجتمع على المولد؟ لا. ما نجتمع على المولد. المولد بدعة وضلالة. ما نجتمع عليه. «فإن ابتدع ضلالة فلا صلاة خلفه». الصحيح أنه إذا قصد البدعة لا يتابع عليها. فنعم. أما إذا قصد نفس الإمام لا يصلى خلفه، فهذا فيه تفصيل. إن كانت بدعته مكفرة، نعم. لا يصلى خلف صاحب البدعة المكفرة. مثل القبورية، بدعهم مكفرة. أهل الردة وشرك. ما يصلى خلف قبوري. ما يصلى خلف رافضي من الرافضة الذين بدعتهم تصل إلى الكفر. وهكذا كذلك الباطنية بفرقهم المتنوعة. لأن بدعهم كفرية. فهؤلاء صلاتهم غير صحيحة. فلا نصلي خلفهم. لكن من كانت بدعته عملية لا تصل إلى الكفر، الصحيح أنه تصح الصلاة خلفه. ولكن الأفضل أن تصلي خلف غيره ممن هو أفضل منه. لا شك. لكن إذا ما وجد، هل نترك صلاة الجماعة؟ الجواب: لا. لا نترك صلاة الجماعة. بل نصلي خلفهم. وهذا من معنى الفاجر. هذا هو الصحيح. التفصيل على هذا الوجه. قال -رحمه الله تعالى-: وإقامة الصلاة في الأسفار، والتخيير فيها بين الصيام والإفطار في الأسفار، إن شاء صام وإن شاء أفطر. هذه المسألة مسألة من مسائل العبادات. ولكنه ذكرها -رحمه الله تعالى- لأن بعض الناس خالف فيها. وهكذا أهل العلم، بعض المسائل إذا خالف فيها، وأنكر أحد من الناس نصًا من النصوص الشرعية الثابتة، ذكروها في العقيدة. لأن من أنكر شيئًا من السنة المعلومة أو القرآن المعلوم، كان ضالًا. قال: والتخيير فيه بين الصيام والإفطار بالأسفار. يعني: أن صاحبه مخير بين الصيام والفطر، لا يجب عليه الصيام. قال: «إن شاء صام وإن شاء أفطر». وما هو الأفضل؟ الصحيح في هذا التفصيل: إن كان لا يشق عليه فالأفضل الصيام. وإن كان فيه مشقة فالأصل والأفضل هو الفطر. وإن كان سواء فهو مخير. وكل ذلك وقع وصح عن النبي ﷺ. جاء في الحديث أنه ﷺ كان يسافر، وليس أحد صائم إلى رسول الله ﷺ وأبو رومان. وجاء في حديث آخر أنه مر على رجل قد ظلل عليه، كاد أن يهم عليه، فقال: «ما باله هذا؟» قالوا: «إنه صائم». قال: «ليس من البر الصيام في السفر». وكل هذا ثبت عن النبي ﷺ. فالصحيح في هذه المسألة التفصيل المذكور. قال -رحمه الله تعالى-: هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضًا، وجانبوا التكلف فيما كفوا، فسددوا بعون الله ووفقوا، لم يرغبوا عن الاتباع فيقصروا، ولم يجاوزوه تزيدًا فيعتدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوكلون، وإليه في اتباع آثارهم راغبون. ختم بهذه الخاتمة التي يشير فيها -رحمه الله- إلى أن هذه الجمل التي ذكرها، هذه الفصول، هي مقالات وأفعال ليست من عنده، بل اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، من لدن الصحابة -رضي الله عنهم- إلى من بعدهم، إلى زمانه. وهكذا ينبغي أن يكون حال من يريد السلامة لدينه: أن يسلك سبيلهم وطريقهم، طريق الأنبياء والمرسلين، ومن اتبعهم بإحسان من الصديقين والشهداء والصالحين. قال: «فمن يؤت لهذا فإنه من الدين على هدى ومن الرحمة على رجاء». ووفقنا الله وإياك لسبيله الأقوم بمنه الجزيل الأقدم وجلاله العلي الأكرم. هذا دعاء ختم به، يدل على سلامة سريرة المؤلف -رحمه الله-. ثم ختم بالسلام. ويدل كأنه جواب على رسالة كما تقدم. ثم قال: «وعلى من قرأ علينا السلام». يعني: ممن بلغنا السلام منك. لأنه بلغوه في الرسالة كما تقدم في أول الرسالة. السلام منه ومن معه. ثم قال: «ولا ينال سلام الله الضالين». يعني: أبرىء إلى الله أن يكون سلام هذا لأحد ضال. إنما أريد من يستحق السلام. والحمد لله رب العالمين. ختم بها كما ختم الله عز وجل بها في بعض مواضع في كتابه. وهكذا نبينا ﷺ في سنته. وبهذا القدر نكتفي. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. يقول السائل: نقرأ أحيانًا عن بعض المحدثين يقال فيه: «عنده تشيع». ما المقصود بالتشيع؟ أحيانًا يريدون بذلك تفضيل علي على عثمان. فهذه المسألة وقع فيها خلاف وتسامح فيها بعض الناس لأجل أنها ليست مسألة يضلل بها. إن كان عن صاحبه شبهة، وإن كان الصواب هو أن عثمان أفضل من علي. ولهذا قال بعض أهل العلم: «قد يعذر من لم تقم عليه الحجة». أما من قامت عليه الحجة وأصر، فهو على ضلال. سائل يقول: رجل هاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وترك بيته في تلك البلاد الكافرة، فاحتاج أن يعود إلى تلك البلاد الكافرة لحاجة ضرورية. فإذا دخل بيته هل يعتبر مسافرًا فيقصر الصلاة أو مقيمًا؟ مدام هاجر يعتبر مسافرًا إلا أنه يريد البقاء فترة أكثر من عشرين يومًا، ليس على وجه التردد وإنما يقين. هو مستيقن أنه سيبقى عشرين يومًا وأكثر فيبقى مقيمًا. كأي بلد، أي بلد إذا قعد فيه ونوى الاستقرار فترة لسبب من الأسباب: بلاد الإسلام وولاد كفر، فإنه يتم في موضع الإتمام ويقصر في موضع القصر. هذا هو. والله تعالى أعلم. سؤال أخير يقول: هناك أخ من الإخوة من أهل السنة، ليس عنده وظيفة ولا مصدر دخل، وعنده أسرة تحتاج أن تعان. فذهب ليعمل ويعف أهله، فتكلم مع بعض إخوانه. فهل يعتبر هذا من المسألة بالدنيا؟ وهل يجوز أن يلمز بهذا؟ الجواب: ينبغي عليه أن يكتسب. واليد العليا خير من اليد السفلة. وأنهى النبي ﷺ عن المسألة. فمن سأل الناس وليس به عذر يؤذن له به بمثله. فإن يأتي يوم القيامة وليس بوجه مزعة لحم. وصح عن النبي ﷺ أن المسألة لا تصح إلا في ثلاثة مواضع. فإن كان من أحد أهل هذه المواضع الثلاثة فذاك. كإنسان تحمل حمالة. يعني: في إصلاح بين طائفتين عظيمتين لا يستطيع أن يقوم بذلك وحده. وهذا واجب على إمام المسلمين. فإن لم يكن إمام وقام بها إنسان وأراد بالخير، فما على المحسنين من سبيل. فيعان في تحمل هذه الحمالة. كذلك إنسان أصابته جائحة. يعني: عنده أرض ما شاء الله وعنده كل شيء، لكن أصابته مصيبة: سيل أخذ أرضه أو كذلك حريق أحرق دكانه. فمثل هذا يعان ما يحتاج أن يتكلم بدون كلام. واجب أهل الإسلام أن يعينوا مثل هذا الإنسان، ولو طلب الإعانة لا حرج عليه. والأفضل أن يتعفف. لكن لو طلب لا حرج عليه. ومن كان بمعنى هؤلاء فيلحقه الرفق والإذن. والأفضل التعفف. وبهذا نكتفي. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا.