الدرس في حمل المجمل على المفصل، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن مسألة حمل المجمل على المفصل، وهي قاعدة فاسدة استغلها بعض الدعاة لتحسين صورة أهل البدع والأهواء. يحذر من هذا المنهج ويبين أنه يتعارض مع الدعوة السلفية.
يناقش استخدام بعض الدعاة لقاعدة حمل المجمل على المفصل في الدفاع عن سيد قطب، ويبين أن هذه القاعدة غير صالحة للتطبيق مع أهل البدع والأهواء. يذكر أن سيد قطب ثبتت عنه بدع كثيرة.
يعتبر استجلاب المنافقين للدعوة السلفية من الأصول الفاسدة التي حذر منها العلماء. هذا التحذير يأتي في سياق الحفاظ على نقاء الدعوة السلفية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نتمم هذه المجالس التصيرة اليسيرة التي نستغلها في التنبيه على بعض المسائل المهمة التي تمر بطلبة العلم والدعاة إلى الله من خلال ما يعيشونه في هذا المجتمع المليء بالمسائل المطروحة والقضايا المستحدثة. ومن القضايا الدعوية والمسائل المنهجية التي حصل فيها التلبيس على بعض الناس مسألة أخرى، وهي مسألة حمل المجمل على المفصل. وأريد بهذا المبحث في الحقيقة معنى سيئًا، لا تكرهه النصوص الشرعية ولا أصول الدعوة السلفية. ولهذا انبرى لها علماء الإسلام، وهكذا فقهاؤها للرد عليها وإبطالها. كان مقصد هذه القاعدة وهذا الأصل الفاسد بالفداحة هو حسن الظن بالناس. وهذا المعنى معنى طيب يطلبه الشرع، بل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بحسن الظن، وحذر من سوء الظن. وفي صحيح مسلم، الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إياكم الظن، فإن الظن أكذب الحديث». بل يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. فالظن السيئ مذموم، ولكن تحميل القضية ما لا تحتمل وتوسيعها بحيث لا يتسع لها التوسع، هذا هو المذموم. ويزداد هذا الذنب إذا كان هذا مع أهل البدع والأهواء ومع أهل الضلال، يحسن لهم الأمر وتزخر لهم المسائل بما يكون فيه الإضرار بالمجتمع والأمة، وهذا ليس بصحيح. وكان من القضايا المنتقدة على أبي الحسن المصري كذلك هذه القضية التي قد سبقه إليها مجموعة من الدعاة الذين هم ليسوا بسلفية كعبد الله عزام، وكذلك من سبقه من الإخوان المسلمين، فإنهم يحرصون على تطبيق هذه القاعدة وهذا الأصل بهذا المفهوم، وإن اختلفت عباراتهم وتنوعت جملهم، لكن المعنى واحد. وتبعهم من أراد أن يجمع بين السلفية وبين غيرها من الدعوات الأخرى لغرض أو لآخر كعدنان عرعور، ثم تبعهم على ذلك المغراوي، ثم تبعهم على ذلك أبو الحسن المصري، فهي سلسلة صادرة من مصدر واحد. ونهاية هذه السلسلة هو الحفاظ على منزلة بعض أهل البدع والأهواء الذين في الحفاظ على منزلتهم إبقاء الود مع بعض الجماعات المنحرفة. وكانت هذه القضية مع أبي الحسن المصري وعدنان عرعور في قضية سيد قطب، فإن سيد قطب له مكانة عظيمة في نفوس كثير من الحركيين الحزبيين. وأراد هؤلاء أن يبقوا الجسور ويبقوا الخيوط متصلة بينهم وبين بعض. هؤلاء ولأن قضية سيد قطب قضية ذات مأخذين: مأخذ عاطفي يجمع في طياته بعض فكر التكفير الذي يجند به الكثير من الدعاة الحركيين بهذا الزمان، وطابع آخر إخواني ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين. فلما كان الجانب الأول واضحًا وبينًا، ولكن الجانب الثاني كان يتحمل أطرافًا كثيرة، كان الحفاظ على هذا الجانب مطلوبًا عند الدعاة الذين يريدون أن يبقوا الجسور والحبال مع بعض الحزبيين. وهذا الذي أراده أبو الحسن وعدنان عرعور، وهكذا كذلك غيرهم من الدعاة. فإن نزولهم في أرض الحرمين عند الدعاة الذين يدافعون عن فكر سيد قطب التكفيري ويتحملون هذا المنهج، وهم كثير كأمثال سلمان العودة وسفر الحوالي ومن على شاكلتهما، ومن يسير على نفس منهجهم. وأبو الحسن من هذا الصنف، ونزوله في الرياض معروف عند عدد ممن هو على هذا المنهج، وقد ذكر في عدد من الأشرطة والمطويات مع ذلك. فلهذا كان الدفاع عن سيد قطب بهذه القاعدة: حمل المجمل على المفصل، وذلك في قضية الأخطاء التي انتقِدت عليه. فيقول: لماذا لا نحمل المجمل على المفصل؟ لماذا لا نحمل المجمل على المفصل في كلامه، وفي كلام سيد قطب، وفي كلام كل من انتقِد عليه، وهو يريد الدفاع عنه. مع أن هذه القاعدة باطلة من جهة التطبيق. أولًا: لأن قاعدة أهل السنة والجماعة على العكس مما يظن أمثال هؤلاء، قاعدة أهل السنة والجماعة سوء الظن بأهل البدع والأهواء. وما زال يردد علماؤنا ومشايخنا، عمن سبقهم من أهل العلم، هذه العبارة. فهذا شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يكرر كثيرًا في مجالسه ودروسه: أن من شؤم صاحب البدعة أن يساء به الظن. ويذكر عبارة البقاعي أو البلقيني حين يقول: أخرجت ضلالات صاحب الكشاف بالمناقشة، يعني أنه أخرجها وانتقدها، قال: وذلك لأن صاحب البدعة من شؤم بدعته أن يساء به الظن. ولهذا سوء الظن في أهل البدعة الصواب فيه أكثر من الخطأ، الصواب فيه أكثر من الخطأ حماية وصيانة للسنة ودفعًا لشره عن المجتمع. فانظر إلى قول بعضهم على سبيل المثال: الباء في «بسم الله» يقولون: الباء في «بسم الله» ليست للاستعانة، وإنما يذكرون لها معاني أخرى نحوية، ويريدون بذلك أن يثبتوا عقيدة الجبر أو عقيدة العجز. وقد نبه العلماء في هذا الموضع أن هذا التفسير تفسير ليس بصحيح وخاطئ، وأنه ينبني على عقيدة فاسدة. مع أنهم ماذا يرون ولا يرحمون بهذه العقيدة، ولكن هذا من شؤم أهل البدع، من شؤم أهل البدع أن يساء بهم الظن. فليس بصواب تطبيق هذه القاعدة مع أهل البدع والأهواء. وسيد قطب قد ثبتت عنه بدع كثيرة ذكرها العلماء. ثانيًا: أن القضية التي دافع عنها في سيد قطب قد تكلم فيها العلماء بالنص. فهذا الشيخ عبد العزيز بن باز، وهذا الشيخ محمد بن صالح العثيمين يقولون: أن قوله في تفسير سورة الإخلاص يدعو إلى القول بوحدة الوجود. فكيف بعد ذلك يؤتى فيقال: أن هذا مما لا ينبغي أن يفسر بهذا التفسير، وينبغي أن يحمل المجمل على المفصل؟ ثم هو كذلك يدعي بكلامه أنه لابد أن يكون معه هذا المثل، بينما يدل أمره وقصته مع سيد قطب أنه رجل ينافح ويدافع، ولكن لا يريد أن يظهر ذلك لعوام ودعاة أهل السنة. فهو حين يناقش في بعض كلماته ودفاعه يقول: أنا ما وقفت على هذا، أنا ما أدري، أنا ما اطلعت، كما في الأشرطة التي حصل فيها النقاش مع الشيخ عبد العزيز البرعي والشيخ كذلك محمد الإمام، وبحضور الأخ مصطفى مبرم ومن كان معه، يقول: أنا ما اطلعت، أنا ما قرأت، أنا ما دريت، أنا ما علمت. بينما أدنى طالب علم من أهل الدعوة السلفية يعلم أن سيد قطب عليه أخطاء، وأن العلماء قد أخرجوا فيه كتبًا وفتاوى ومقالات، وهو يزعم أنه ما اطلع. فلما بلغ ذلك مشايخ المدينة أحسنوا به الظن، حسنًا بالظن به على أنه من أهل السنة، وكان الخطاب الأول الذي خرج وفيه التقريب ومحاولة الصلح، ثم الخطاب الثاني. ثم بعد ذلك لما جاءت النقولات وتبين لهم أن الرجل ينكر، حين جاءهم شريك عدن الذي كان قبل هذه الجلسة التي يقول: أنا ما علمت، أنا ما دريت، أنا ما اطلعت. قبل هذه الجلسة بسنوات وهو يجادل بعض الإخوان السلفيين في عدن في قضية سيد قطب ويدافع، وكلما أتوا له بشيء يرده ويأتي لهم بجواب. فهنا علم العلماء أن الرجل ماكر، وأنه ليس بصادق فيما يقول ولا فيما يتلفظ. إذ كيف يدعي أنه ما علم وما درى، وقبل هذا بسنوات وهو قد اطلع على كلام أهل العلم ويرد ذلك الكلام في المجلة الخاصة. ولما حُوجج من قبل أهل العلم يقول: أنا ما دريت، وأنا ما اطلعت، أنا ما علمت. ولهذا تكلم من تكلم من أهل العلم، فقالوا: أنه رجل ماكر بالدعوة السلفية، وأنه إخواني متستر. لماذا؟ لأجل هذا التلون وهذا المكر، وهذا الخطأ الذي ظهر منه، وهذا في قضية واحدة وهي قضية المجمل والمفصل. فلنعلم ولنحذر في مثل قضية المجمل والمفصل أن حمل المجمل على المفصل هذا قد سبقه العلماء في قواعد الفقه وأصوله، فالمجمل يحمل على المفصل في الأدلة الشرعية التي دلت عليها وكانت في مطب واحد، على ما هو معلوم في أصول الفقه. لكن تطبيقه على أهل البدع والأهواء هذا مقلب لمنهج وأصول أهل السنة والجماعة، وهو فهم غريب وتفسير غريب عن الدعوة السلفية، لا يعرف إلا من أهل الأهواء. ومحاولة استجلابه للدعوة السلفية يعتبر من الأصول الفاسدة التي حذر منها العلماء. وبهذا القدر نكفي، والحمد لله رب العالمين.