الخطبة بعنوان حياة القلوب، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 20 ربيع الأول 1447هـ الموافق 12 سبتمبر 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدين الإسلامي يهتم بإصلاح ظاهر الإنسان وباطنه، صلاح القلب والروح أعظم من صلاح الجسد والجوارح. حياة القلوب تكون بالعلم والإيمان والسنة والقرآن.
القلوب تتأثر بالخصال الحميدة والدميمة وتتقلب، ولإصلاحها يجب لزوم الله ومجاهدة النفس. الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وتلاوة القرآن والحرص على العلم يزيدان الإيمان ويطهران القلب.
عدم غض البصر وصحبة السوء يؤديان إلى السقوط في المعاصي والظلم ويسببان مرض القلب وهلاكه. يجب اتباع أوامر الله ووصايا النبي في حفظ الفرج وغض البصر ومخالطة الصالحين.
الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة. أن هذا الدين العظيم كما اعتنى بإصلاح ظاهر هذا الإنسان، اعتنى بإصلاح باطنه، كما اعتنى بإصلاح جسده اعتنى بإصلاح روحه، كما اعتنى بإصلاح جوارحه اعتنى بإصلاح قلبه. بل إن الحياة الحقيقية هي حياة القلوب بالعلم والإيمان والسنة والقرآن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. حياة القلوب، فإذا لم يستعن المسلم بالله عز وجل، ووكل نفسه إلى نفسه الأمارة بالسوء، فإنه في تلك الظلمات يتخبط، وفي عواقبها السيئة يترنح، حتى يخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. وذلك هو الخسران المبين. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الله بن مرعي حفظه الله تعالى، كانت بتاريخ العشرين من شهر ربيع الأول لعام ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. فإن من أسباب موت القلوب الذنوب والمعاصي، فالذنوب والمعاصي اجتنابها سلامة وصلاح للقلوب، ويقع بها سبب لمرض أو موت في القلوب. يبتدي الأمر بنكتة صغيرة سوداء، حتى تجتمع النكت فيكون عند ذلك قلبًا مريضًا، كالكوز الأسود المجخي، أي الضريب المتهالك. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعين ونستغفر، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءل الله به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بهذا الدين العظيم، دين الإسلام الذي فيه من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة ما هي كفيلة بإصلاح هذا الإنسان في هذه الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. أحكام حكيمة وتشريعات متينة تعتني بظاهر هذا الإنسان وباطنه، وبروحه وجسده، وبنفسه وأسرته، وبالبر والجماعة. دين عظيم فيه من الأحكام العظيمة والأسرار العميقة الدقيقة التي بحق وصدق سبب عظيم لإصلاح هذا الإنسان. وإن من هذه الأحكام العظيمة أن هذا الدين العظيم كما اعتنى بإصلاح ظاهر هذا الإنسان اعتنى بإصلاح باطنه، كما اعتنى بإصلاح جسده اعتنى بإصلاح روحه، كما اعتنى بإصلاح جوارحه اعتنى بإصلاح قلبه. فصلاح القلب والروح والباطن أعظم من صلاح الجسد والجوارح، لأن القلب والروح هي التي يكون بها الحياة الحقيقية في هذه الدنيا والكرامة بإذن الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فيها الاعتناء بحياة القلوب وإصلاحها وتزكية النفوس وتطهيرها وإصلاح الأرواح واستقامتها. أدلة كثيرة تدلنا على عظم هذا الأمر العظيم الذي به صلاح هذا الإنسان في هذه الدنيا والدار الآخرة. جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، وفي رواية ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فنظر الله عز وجل إلى قلوبنا وأعمالنا يقتضي منا الاعتناء بالأعمال والقلوب. فإن الاعتناء بالأعمال والقلوب شأنه عظيم في دين الله سبحانه وتعالى. فبصلاح أعمالنا وصلاح قبل ذلك قلوبنا يكون صلاحنا في هذه الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. بل إن الحياة الحقيقية هي حياة القلوب بالعلم والإيمان والسنة والقرآن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فبين الله عز وجل أنه بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالعلم والإيمان والسنة والقرآن، فيكون الناس بما بعثه على فريقين اثنين: أحياء وأموات. أما الأحياء فهم الذين قبلوا العلم والإيمان وأقبلوا على السنة والقرآن، فإنهم أحياء بما أحياهم الله بوحيه وعلمه وقرآنه ودينه وإيمانه سبحانه وتعالى. وأما الأموات فهم الذين أعرضوا أو تغافلوا أو تقاعصوا عن الإقبال على العلم والإيمان والسنة والقرآن، فكان ثمرة ذلك أنهم أموات بما كان من جهلهم وما كان من كفرهم وما كان من فجورهم. فإن ذلك يورثهم الموت والانغماس في أنواع الظلمات. وكذلك في هذه الآية العظيمة أن من أعطاه الله نور الإيمان ووفق لطريق القرآن، فإنه يؤتى نورًا كالمصباح يضيء لنفسه ويضيء لغيره. فهو يستنير وينير لغيره. ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. فالذي وفق لنور العلم والإيمان والسنة والقرآن مثله كمثل من أعطي مصباحًا يسير في ظلمة شديدة، فهو يضيء لنفسه ويضيء لغيره ممن يسير معه. وأما من حرم العلم والإيمان والسنة والقرآن، فهو كمن يسير في ظلمة شديدة بغير مصباح، فربما سقط في حفرة أو ضرب في جدار أو جرح نفسه بما يجرحه أو يقتله بسبب سيره في تلك الظلمة. وتلك الظلمة أيها المسلمون عباد الله هي ظلمة الشرك والكفر والنفاق والبدعة والمعاصي والسيئات، فإنها ظلمات بعضها فوق بعض. فإذا لم يستعن المسلم بالله عز وجل، ووكل نفسه إلى نفسه الأمارة بالسوء، فإنه في تلك الظلمات يتخبط، وفي عواقبها السيئة يترنح، حتى يخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. أيها المسلمون عباد الله، إن حياة القلوب وإصلاحها وتزكية النفوس وإقامتها على ما يحبه الله عز وجل شأنه عظيم، به الفلاح في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل مبينًا هذا الأمر العظيم، بعد أن أقسم أحد عشر قسما ليدل أنه أقسم على أعظم مقسوم، يقول سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي قد أفلح من زكى نفسه بالعلم والإيمان والسنة والقرآن، وقد خاب من دنسها بالإعراض عن العلم والإيمان والسنة والقرآن، وقد نسأ نفسه بالذنوب والمعاصي أو البدع والضلالة أو كذلك بالكفر والشرك والنفاق. فإن هذه القلوب وهذه النفوس وهذه الأرواح تدنس بهذه الخصال الدميمة، كما أنها تزكو بتلك الخصال الحميدة. فإذا كان الأمر كذلك معاشر المسلمين والمسلمات، فينبغي لكل مسلم أن يعتني بإصلاح قلبه، وأن يجاهد في تزكية نفسه، وأن يصبر ويصابر في إصلاح روحه. فإن ذلك به الحياة الحقيقية، وبه بإذن الله سبحانه وتعالى الفلاح الحقيقي في هذه الدنيا والدار الآخرة. فكيف إذا علمنا أيها المسلمون أن قلوب العباد تغلو وتتقلب أشد من غليان الماء في القدر إذا اشتد غليانًا، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالقلوب تتقلب، والذي يثبتها هو لزومك بالله عز وجل وحرصك على مجاهدة نفسك الأمارة بالسوء أن تقيمها على ما يحبه الله عز وجل ويرضاه. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم وهو إمام الأتقياء عليه الصلاة والسلام يكثر أن يدعو بسجوده: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك». هذا نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك فكان حريصًا عليه الصلاة والسلام على إصلاح قلبه وعلى إصلاح روحه وتزكية نفسه بما يقتضي ذلك من الأقوال والأفعال والأحوال والخصال التي يكون بها تزكية هذه النفس وتطهير تلك الروح وإصلاح ذلكم القلب، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف بنا ونحن الضعفاء، ونحن المخطئون، ونحن آل القسوة والبعد والكبرياء؟ فإننا إذا لم نراجع أنفسنا خسرنا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. نبينا صلى الله عليه وسلم وهو إمام الأتقياء غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك يعالج نفسه على أن يقيمها على ما فيه صلاحها وعلى ما فيه الخير لها. فجاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ورضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وفي رواية عند النسائي وغيره في إسناد صحيح حتى تتشقق قدماه، وفي رواية صحيحة حتى تدمي قدماه. يعني من طول القيام. فتقول له عائشة رضي الله عنها ورضاها: «يا رسول الله، تصنع ذلك بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» فيقول عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». فإذا كان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن صلاحه وصلاح غيبه وصلاح روحه وصلاح نفسه بالإقبال على الله عز وجل بالطاعة، واستمرار بالمجاهدة على القربة، وهو من هو عليه الصلاة والسلام. أليس نحن من باب أولى، أحرى وأحوج أن نعتني بإصلاح نفوسنا وتطهير قلوبنا وإقامة أرواحنا على ما فيه صلاحها وفلاحها في هذه الدنيا، وكذلك بالآخرة؟ كيف وإذا علمنا أننا نبتلى بأعظم مما يبتلى به غيرنا؟ فإنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه». وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا. أيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء». فالفتن عباد الله تعرض على القلوب، فمن أشرب من هذه الفتن فتن الشهوات وفتن الشبهات وما أكثرها في هذا الزمان، فإن القلوب إذا أشربت بهذه الفتن نكت فيها نكتة سوداء. وهذه النكتة السوداء إذا لم يجتهد المسلم على سقلها وإزالتها وتطهير القلب منها، زادت وكبرت حتى تصير القلوب على قلبين: أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، وأبيض مثل الصفا لا تضره معصية ما دامت السماوات والأرض. هذا الذي حرص على أن ينقي قلبه وأن يزكي نفسه وأن يطهر روحه تعب حتى يزيل تلك النكت إذا وقعت. كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب العبد ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب واستعتب سُقلت تلك النكتة». ومعناه: بالتوبة والإقبال على الله وبمسارعة الرجوع إليه والإنابة يكون بذلك تطهير هذه النكتة ورفع أثر ذلكم الذنب. وأما إذا أهملها فإنها تتراكم عليه، فإذا تراكمت اجتمع ذلك الران الذي أخبر به ربنا سبحانه وتعالى، فعند ذلك يكون موت القلب وخرابه، وكذلك فساد النفس وخسارتها، وموت الروح وهلاكها. وذلك ما قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. أيها المسلمون عباد الله، إذا كان الأمر كذلك، فيقول القائل: كيف أطهر قلبي؟ وكيف أزكي نفسي؟ وكيف أصلح روحي؟ الجواب: جعل الله عز وجل لنا أدوية عظيمة كثيرة ذكرها في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. أولها وأعظمها أن يحرص المسلم على خصال الإيمان أن يقبل عليها فيتتبعها ويعملها. فإنه متى ما حرص على فعلها ملأ قلبه بالإيمان، فطرد بذلك الكفر والنفاق والبدعة والعصيان. فإن القلب وعاء، إذا لم تملأه بالخير ملئ بغيره. فعند ذلك يشق عليك إخراجه، كالبئر إذا سقطت فيه القذارة فلم تتداركها من أول أمرها. إذا تداركتها في أول أمرها سرعان ما تطهر وترجع عذبة صالحة كما كانت. وإن أنت أهملتها وتراكمت وتراكمت القذر فيها، فإنها تصير بئرًا نتنة يشق إصلاحها وتطهيرها. وهكذا قلوب العباد معاشر المسلمين والمسلمات تحتاج منا إلى اعتناء. ومن أعظم أسباب الاعتناء بها أن تملأ قلبك بالإيمان وخصاله. وملء القلب بالإيمان بفعل الجوارح لخصال الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورضاه: «الإيمان بضع وستون شعبة، وفي رواية بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان». فما حرصت أيها المسلم على خصال الإيمان، فإنك لا تزال تملأ قلبك بالإيمان حتى يكون قلبًا حيًا قويا صحيحًا. فصحته وقوته وصلابته بقوتك وصلابتك مع خصال الإيمان وشعبه. بل إنك ترتقي في درجات هذا الإيمان درجة درجة بكل ما أخذت من خصاله. وارضها ثم نفلها، ثم ما هو أعظم من ذلك من البلوغ والوصول إلى درجة الإحسان. إذ مراتب هذا الدين معاشر المسلمين والمسلمات ثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان. فأولها الإسلام أن تأتي بأركان الإسلام الخمسة. وثانيها الإيمان أن تأتي بشعب الإيمان الكثيرة. وثالثها الإحسان أن ترتقي بفعل خصال الإسلام وخصال الإيمان، وترتقي أن تراقب الله عز وجل في هذه الخصال كلها. أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. بهذا أيها المسلم ترتقي بنفسك في الدرجات العلية، وتصلح قلبك وروحك ونفسك وتزكيها بالخصال الحميدة. ولذلك كان معلم المسلمين نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يحرصون غاية الحرص على العمل بما علموا من دين الله عز وجل، حرصًا منهم على تزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم وإصلاح أرواحهم. وما ذلك إلا لأنهم استيقنوا أنهم بغير ذلك يكونون قد أخذوا بأنفسهم إلى طريق الهلاك. ولذلك فإن الإيمان لا يصح ولا يقوى ولا يصدق ولا يثبت إلا بأن تتابع العلم بالعمل. فإن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. يقول الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله تعالى: «لا تكن مؤمنًا في علانيتك منافقًا في سرك». فإن من الناس من يكون مؤمنًا في علانيته ومنافقًا في سره، لأنه لم يصدق في العمل بما علم من العلم، أو لم يصدق بمراقبة الله عز وجل فيما معه من العلم أو العمل. وجاء في الصحيح من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه ورضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم لا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». فلذلك معلم المسلمين إن من النفاق وإن مما يناهي الإيمان ومما يناهي الصدق مع الرحمن أن يكون لك عمل بالظاهر حسن، ولك من الأعمال السيئة الخفية ما تهدم ذلك العمل الحسن الظاهر. بل ينبغي أن يكون ظاهرك وباطنك وسرك وعلانيتك كلها على الوضوح والظهور الذي تحب أن تلقى الله عز وجل به. وإن من خصال الإيمان التي تعين على إصلاح القلب وحياته والنفس والروح وتزكيتها أن يحرص المسلم على الإقبال على العلم والقرآن. فإن إقباله على العلم والقرآن سبب في زيادة الإيمان، وسبب كذلك في تطهير القلب والروح والنفس. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. فتلاوة القرآن يزيد بها الإيمان، ويطهر بها القلب، وتقبل النفس إلى الرحمن. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ورضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». فالحياة الحقيقية بذكر الله والاعتناء بالعلم والإيمان، والموت بالإعراض عن العلم والإيمان والبعد عن القرآن. فإن ذلك يكون به الموت. وكلما ارتقيت وازددت من ذلك ازددت درجة ورفعة عند الله. يقول الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وفي حديث ابن مسعود الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قراءة القرآن: «لا أقول ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة». فإذا قرأ المسلم حرفًا واحدًا من القرآن أوتي عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة تضاعف عند الله. وهذه المضاعفة يكون بها مضاعفة الإيمان ومضاعفة القرب من الرحمن سبحانه وتعالى. ومن ذلك ألا تبخل على نفسك أيها المسلم بشيء من الطاعات والقربات، تبدأ بفرضها، فما تقرب العبد إلى الله بأحب إليه مما افترضه عليه، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح بالحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه. ثم يتبع الفرائض بالنوافل، ثم لا يزال يداوم على النوافل حتى يحبه الله عز وجل. فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها. ومعناه: لا يكون بصره إلا في طاعة الله، ولا يكون سمعه إلا فيما يرضي الله، ولا تكون يده إلا فيما يحب الله. فإذا فعلت وسلكت ذلك أعنت نفسك على إصلاح جوارحك وإصلاح قلبك وتزكية نفسك وطهر روحك. وبذلك بإذن الله سبحانه وتعالى تكون حياة القلوب وتزكية النفوس وطهر الأرواح. وبغير ذلك تكون الخسارة أيها المسلم عباد الله. خصال حياة القلوب كثيرة، وهذا قليل من الكثير. وإن من ذلك كذلك أن يحرص المسلم على أن يجنب كل ما فيه سبب موت القلب، وكذلك ضعفه. فإن من أسباب موت القلوب الذنوب والمعاصي، فالذنوب والمعاصي اجتنابها سلامة وصلاح للقلوب، والوقوع فيها سبب لمرض أو موت القلوب. يبتدئ الأمر بنكت صغيرة سوداء حتى تجتمع النكت فيكون عند ذلك قلبًا مريضًا، كالكوز الأسود المجخي، أي الضعيف المتهالك. وذلك مثال حسي لما يصل إليه حال القلب إذا تراكم عليه الران، فإنه يكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه». وبه تعرف أن من أمراض القلوب أن يحرم مريض القلب التمييز بين الطيب من الخبيث والنافع من الضار والهدى من الضلال. وأعظم من هذا أن يأمره هواه بالسوء ويحرمه ويمنعه ويزهده من الخير. وذلك هو ما أخبر الله عز وجل به في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. فيكون إلهه الذي يعبد ويتقرب إليه ويسير قلبه هو هواه الذي يأخذ به إلى طريق المهالك. نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا وأن يردنا إلى طريق ربنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد عباد الله، وإن مما يكون به صلاح القلوب حفظها مما يضعفها ويمرضها أو يقتلها. وتقدم معنا أن من ذلك الذنوب والمعاصي، وأعظم منه البدع والخرافات والضلالات، وأعظم منه الشرك والكفر والنفاق. فينبغي للمسلم أن يجتهد على أن يبتعد عن ذلك كله. وإن من أسباب مرض القلوب وموته أن يبالغ المرء في بعض المباحات فضلًا أن يتوسع فيقع في بعض المحرمات. فيحفظ بصره ويحفظ سمعه ويحفظ جوارحه ويحفظ كذلك لسانه من أن يتناول شيئًا من الحرام، بل وأعظم من ذلك أن يتوسع فيقع في شيء من المباحات مما يضعف القلب ونوره. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». ومعناه: أن الصمت سلامة، وأن الكلام سبب للندامة. وكما قال بعض أهل العلم فيما نقله الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: «إنه كان يقول: يا ابن آدم، لسانك أسدك، إن أمسكته حرسك، وإن أطلقته افترسك». وبحديث معاذ المشهور الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه أن يمسك عن هذا. وأمسك بلسان نفسه فقال معاذ رضي الله عنه ورضاه: «ك الناس حصائد ألسنتهم». أو قال نحو ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم؟». فإن حصائد الألسن قد تكون سببًا في موت القلب أو مرضه، فيكون بذلك خسارة الدنيا والآخرة. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا، وفي رواية من سخط الله، تهوي به في النار سبعين خريفًا». وفي رواية: «أبعد ما بين المشرق والمغرب». هذا السقوط في الآخرة كان قد سبقه سقوط في الدنيا، فقلبه سقط ونفسه سقطت وروحه سقطت في هذه الدنيا في طريق المعاصي والسيئات والظلم والموبقات. فكان سببه السقوط في نار جهنم والعياذ بالله بقدر سقوطه في الدنيا. وهكذا كذلك البصر، قال الله عز وجل: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. وقال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. فإن غض البصر سبب لحفظ الفرج، فلذلك أمرنا الله عز وجل بمجاهدة أنفسنا على أن لا تطيش أبصارنا فيما حرم الله، بل لا تتوسع بما يكون به فتنتها ومرضها. ولهذا يحذرنا الله عز وجل من أن يكون عندنا شيء من خائنة الأعين، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فربما تنظر نظرة مما حرم الله وتظن أنك قد أخفيت ما فعلت، وأنت قد نسيت قول الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فكيف من يعكف الساعات الطويلة مع الأفلام الماجنة والصور الخليعة والمقاطع الإباحية التي تكون سببًا لموت قلبه أو مرضه وهلاكه وخساره في الدنيا قبل الآخرة؟ وهكذا كذلك معاشر المسلمين اجتنبوا الخلطة المحرمة وفضول هذه الخلطة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». وبحديث أبي هريرة الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فإذا صاحبت أهل القرآن وأهل العلم والإيمان، فإنك بإذن الله سبحانه وتعالى في طريق الخير والسلامة والحفظ والكلاءة، وقد أدخلت نفسك حصنًا حصينًا منيعًا يحفظك من مرض قلبك وروحك ونفسك. وإن أطلقتها مع رفقاء السوء وأهل السوء، فإنك بذلك تعرض نفسك للأخطار والخسارة في الدنيا قبل الآخرة. ولهذا حذرنا من أن نكون مع الظالمين أو نسير بسير الظالمين أو نقتدي بالظالمين، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. أيها المسلمون عباد الله، المسلم إذا حرص على تتبع أدلة الكتاب والسنة ووصايا علماء الأمة وسلفي هذه الأمة، فإنه بإذن الله سبحانه وتعالى سيوفق لطريق السلامة والنجاح في الدنيا والآخرة، في نفسه وأسرته وأولاده وأبنائه، وبما فيه الخير له في حاضره ومستقبله. وإذا أهمل ذلك فإنه بذلك يكون قد ما نفسك للشيطان وجنده، فيكون كمن يقاتل الشيطان بغير سلاح، فعند ذلك هو مهزوم لا محالة وخاسر بلا شك، فيخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. نسأل الله سبحانه أن يفقهنا بموجب شرعنا، وأن يبصرنا بموجب ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلحنا وأصلح بنا، وأصلح المسلمين. اللهم أصلح ولاة أمورنا وأحوال المسلمين بكل مكان يا رب العالمين. اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح إمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثًا مغيثًا نافعًا غير ضار، غيثًا مغيثًا نافعًا غير ضار، تحيي به العباد والبلاد، ويكون عونًا للحاضر والباد، ويكون سببًا للخير وصلاح الأجساد والقلوب والبلاد. اللهم آمين يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.