الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 143، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام أقوال المسيح في الإنجيل ويستدل منها على نفي علم المسيح للغيب، ويرد على معتقدات النصارى في ألوهية المسيح. يبين خطر ابتداع معانٍ جديدة للنصوص الدينية على فهم الكتب الإلهية.
يتناول تحريف الملاحدة والنصارى للكتب الإلهية مثل التوراة والقرآن، حيث يؤولون قصص الأنبياء بمعاني باطلة. يبين القرآن تنزيه الله عن الولد والشريك، وتسمية النصارى لصفات الله بأسماء مثل الإبن والكلمة وروح القدس.
يتناول تنزيه الله تعالى عن اتخاذ الولد والشريك، مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تثبت بطلان قول النصارى في ألوهية عيسى. يبين أن الشريعة الإسلامية حرمت التكلم في حق الله باسم ابن أو ولد وسدت الذرائع التي تؤدي إلى الشرك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال وقال: وقد قال سيد المسيح في الإنجيل لتلاميذه لما سألوه عن الساعة والقيامة: إن ذلك اليوم، تلك الساعة، لا يعرف أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الإبن أيضا، ولكن الأب وحده يعرفه. قال: فهذا إقرار منه بأنه منقوص العلم، وأن الله تبارك وتعالى أعز وأعلى منه، وأنه خلافه أعلى منه. وقد بين بقوله «أحد» عمومه بذلك الخلق جميعا، ثم قال: «ولا الملائكة»، وعندهم من علم الله ما ليس عند أهل الأرض، ثم قال: «ولا الإبن»، وله من القوة ما ليس لغيره. وشهد قوله هذا شهادة واضحة عليه بأنه لا يعلم كل ما يعلمه الله، بل ما علمه الله إياه وأطلعه على معرفته وجعله له. وأنه لقصور معرفته بكل الأشياء ليس بحيث يصفونه من الربوبية، وأنه هو الله، ومن جوهر أبيه، تعالى الله الخالق لكل شيء علوا كبيرا. ولو كان إلها كما يقولون لعلما ما يعلمه الله من سائر الأشياء وسرائر الأمور وعلى نيتها. إذا كان هذا المعنى ليس من الكلام الذي إذا سئلتم عنه تعلقتم بأنه قيل للناس دون اللاهوت. قلت: مقصوده بذلك أنه صرح بأنه لا يعلمه أحد، ثم خص الملائكة بالذكر؛ لأن لا يظن أن أحدا منهم يعلمه، فقال: «ولا الملائكة الذين في السماء»، ثم قال: «ولا الإبن» يعرفه، وأن الأب وحده يعرفه. فنفى معرفة الإبن وأثبت أن الأب وحده يعرفه، ومراده بالإبن المسيح، فعرف أن المسيح لا يعرفه، وأثبت أن الرب يعرفه دون الإبن، ودل ذلك على أن لفظ الإبن عند المسيح إنما يراد بها الناس وحده. إذ كان لا يجوز نفي العلم عن اللاهوت، فإن اللاهوت يعلم كل شيء. وقد دل ذلك على أن قوله «عمد الناس باسم الأب والإبن» المراد به الناس وحده، كما أريد بلفظ الإبن في سائر كلامه وكلام غيره، لم يرد قط أحد منهم بلفظ الإبن اللاهوت، بل إطلاقوا الإبن على اللاهوت مما ابتدعته النصارى، وحملوا عليها كلام المسيح، فابتدعوا لصفات الله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وحملوا عليها كلام المسيح. وإنما يحملوا كلام الأنبياء عليهم السلام وغيرهم على معنى لغتهم التي جرت عادتهم بالتكليم بها، لا على لغة يحدثها من بعدهم ويحملوا كلامهم عليها. قلت: فإن هذا الذي فعلته النصارى وأشباههم يفتح باب الإلحاد في كتب الله المنزلة. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَلْحَدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾، ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وذلك أن كل من اعتقد معاني برأيه يمكنه أن يعبر عنها بألفاظ تناسبها بنوع مناسبة، وتلك الألفاظ موجودة في كلام الأنبياء عليهم السلام لها معاني أخرى، ويجعل تلك الألفاظ دالة على معانيها التي رأاها، ثم يجعل الألفاظ التي تكلمت بها الأنبياء وجاءت بها الكتب الإلهية أرادوا بها معانيه. وهكذا فعل سائر أهل الإلحاد في سائر الكتب الإلهية، كما فعلت النصارى. مثل ما عمدت الملاحدة المتبعون لفلاسفة اليونان القائلون بأن هذه الأفلاك قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، وأن الله لم يتكلم بالتوراة ولا غيرها من الكتب الإلهية، ولا هو عالم بالجزئيات لا بموسى بن عمران ولا بغيره، ولا هو قادر أن يفعل بمشيئته، ولا يقيم الناس من قبورهم. فقالوا: خلق وأحدث وأحدث وفعل وصنع ونحو ذلك يقال على الإحداث الذاتي والإحداث الزماني. فالأول هو إيجاب العلل لمعلولها المقارن لها في الزمان، والثاني إيجاد الشيء بعد أن لم يكن. ثم قال: ونحن نقول: إن الله خلق السماوات والأرض ما بينهما، وأحدث ذلك وأبدعه وصنعه، كما أخبرت بذلك الأنبياء عليهم السلام، لكن مرادهم بذلك الإحداث الذاتي، وأن ذلك معلول له لم يزل معه. فيقال لهم: لم يستعمل أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل ولا أحد من سائر الأمم، لفظ الخلق والإحداث إلا فيما كان بعد عدمه، وما كان مسبوقا بعدمه ووجود غيره. ومعنى هذا اللفظ معلوم بالاضطرار في جميع لغات الأمم. وأيضا فاللفظ المستعمل في لغة العامة والخاصة لا يجوز أن يكون معناه ما لا يعرفه إلا بعض الناس. وهذا المعنى الذي يدعونه لو كان حقا لم تصوره إلا بعض الناس، فلا يجوز أن يكون اللفظ العام الذي تداوله العامة والخاصة موضوعا له. إذا كان هذا يبطل مقصود اللغات ويبطل تعريف الأنبياء للناس، فكيف وهو باطل في صريح المعقول، كما هو باطل في صحيح المنقول؟ فإنه لم يعرف أن أحدا قط عبر عن القديم الأزلي الذي لم يزل موجودا ولا يزال بأنه محدث أو مخلوق أو مصنوع أو مفعول. فهذا الذي ذكرتموه كذب صريح على الأنبياء عليه السلام، لتواهم الناس أنكم موافقون لهم، والكتب الإلهية كالتوراة والقرآن مصرح بأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والقديم الأزلي لا يكون مخلوقا في ستة أيام. وكذلك الكتب الإلهية كالتوراة والقرآن قد أقبرت بتكليم الله لموسى، ومن إدائه إياه من الطور من الشجرة، وفي التوراة أنها شجرة العليق. وأقبرت بأن موسى عليه السلام كان يلقي عصاه فتصير حية تسعى، ويخبر بأن الله فلق البحر. فقالت الملاحدة: إن الشيء الثابت يسمى طورا، فإنه ثابت كالجبل، والقلوب تسمى أودية، وإظهار العلوم بتفجير ينابيع العلم والحجة المبتلعة كلام أهل الباطل، هي عصى معنوية. فمراد الكتب بالطور العقل الفعال الذي فاض منه العلم على قلب موسى عليه السلام، والوادي قلب موسى، والكلام الذي سمعه موسى سمعه من سماء عقله، وتلك الأصوات كانت في نفسه لا في الخارج، والملائكة التي رآها كانت أشخاصا نورانية تمثلت في نفسه لا في الخارج. والبحر الذي فلقه هو بحر العلم، والعصى كانت حجته، غلب على السحر بحجته العلمية، فابتلعت حجته شباهم التي جعلوها حبالا يتوسلون بها إلى نيل أغراضهم، وعصيا يقهرون بها من يجادلونه. أفليس من قال مثل هذا الكلام يعلم بالاضطرار أنه يكذب على الكتب الإلهية التي أخبرت بقصة موسى كالتوراة والقرآن، وأنه ليس مراد الرسل بما أخبروا به من قصة موسى هذا؟ بل صرحوا بأن موسى سمع نداء الله له، وأنه كلمه من الطور سيناء الذي هو الجبل، وقلب عصاه التي كان يهش بها على غنمه ثعبانا عظيما، وفلق له البحر، وأغرق فيه آل فرعون فغرقوا وماتوا فيه وهلكوا. وأمثال هذا من تحريفات الملاحدة كثير، فهكذا النصارى حرفوا كتب الله، وسموا صفة الله القديمة الأزلية التي هي علمه أو حكمته ابنا، وسموها أيضا كلمة، وسموا صفته القديمة الأزلية التي هي حياته روح القدس. وتسمية هذه الصفات بهذه الأسماء لا توجد في شيء من كلام الأنبياء ولا غيرهم، ولا يعرف أن أحدا قط لا من الأنبياء ولا غيرهم سمى علم الله القائم به ابنه، بل ولا سمى علم أحد من العالمين القائم به ابنه. ولكن لفظ الإبن يعبر به عن من ولد الولادة المعروفة، ويعبر به عن من كان هو سببا في وجوده، كما يقال: ابن السبيل لمن ولدته الطريق، فإنه لما جاء من جهة الطريق جعل كأنه ولده، ويقال لبعض الطير ابن الماء؛ لأنه يجيء من جهة الماء. ويقال: كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن الإبن ينتسب إلى أبيه ويحبه ويضاف إليه، أي كونوا ممن ينتسب إلى الآخرة ويحبها ويضاف إليها. وهذا اللفظ موجود في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب في حق الصالحين الذين يحبهم الله ويربيهم. كما ذكروا أن المسيح قال: «أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم»، وفي التوراة أن الله قال ليعقوب: «أنت ابني بكري»، ونحو ذلك مما يراد به إذا كان صحيحا له معنى صحيح، وهو المحب له والاصطفاء له والرحم له. وكان المعنى مفهوما عند الأنبياء عليهم السلام ومن يقاطبونه، وهو من ألفاظ متشابهة، فصار كثير من أتباعهم يريدون به المعنى الباطل. وزعم كثير من الكفار أن الله سبحانه وتعالى أن لله سبحانه وتعالى بنين وبنات، وأن الملائكة بناته. وبعض من يقول بقدم العالم بقدم العالم من المتفلسفة يقولون: العقول العشرة هي بنوه، والنفوس الفلكية هي بناته، وهي متولدة عنه لازمة لذاته. فجاء القرآن الذي هو أفضل الكتب وأكملها بإبطال هذه المعاني ومنع استعمال هذا اللغة في حق الله تعالى. فنزه الله عن أن يتخذ ولدا كما نزهه أن يكون له ولد. والأول من باب تنزيه عن الأفعال المذمومة، وهذا على قول جماهير المسلمين وغيرهم الذين ينزهون الله ويقدسونه عن الأفعال القبيحة التي لا تليق به، بل تنافي ما وجب له من الكمال في أفعاله كما وجب له الكمال في ذاته وصفاته. وأما من كان من المسلمين أو غيرهم لا ينزه الله عن فعل من الأفعال إلا ما كان ممتنعا لذاته، فأما الممكن المقدور فيقول: لا يعلم انتفاؤه إلا بالقبر أو بالعادة المضطردة التي يمكن انتقاضها. فهذا لا يبقى معه ما ينفي به عن الله الأفعال المذمومة القبيحة. والكتب الإلهية قد نزهت الرب عز وجل عن الأفعال المذمومة كما نزهته عن صفات النقص. فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. وقال تعالى عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، كما نزه نفسه عن الولادة نزه نفسه عن اتخاذ الولد. وقال تعالى: ﴿لَقَدَْ، جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَفَاخَرَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلِلْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك. فأما تكذيبه إياي فقوله: أن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهوى علي من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: أني اتخذت ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له ولدا وشريكا، وهو يرزقهم ويعافيهم». ولهذا كان معاذ بن جبل يقول: «لا ترحموا النصارى، فإنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياه أحد من البشر». فجاءت هذه الشريعة الحنيفية القرآنية وحرمت أن يتكلم في حق الله باسم ابن أو ولد، سدا للذريعة، كما منعت أن يسجد أحد لغير الله وإن كان على وجه التحية، كما منعت أن يصلي أحد عند طلوع الشمس وغروبها؛ لألا يشبه عباد الشمس والقمر. فكانت بسدها للأبواب التي يجعل لله فيها الشريك والولد أكمل من غيرها من الشرائع، كما سدت غير ذلك من الذرائع، مثل تحريمها قليل المسكر؛ لأنه يجر إلى كثيره. فإن أصول المحرمات التي قال الله فيها: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. مما اتفقت عليه شرائع الأنبياء، بخلاف تحريم الطيبات عقوبة، فإن هذا جاء في شرع التوراة دون شرع القرآن. فإن الله أحل لأمة محمد طيبات وحرم عليهم الخبائث. وكذلك تكميل التوحيد من كل الوجوه، وسد أبواب الشرك من كل الوجوه، جاءت به هذه الشريعة، مع اتفاق الأنبياء على إيجاب التوحيد وتحريم أن يجعل لله شريك أو ولد. فإذا كان مراد المسيح عليه السلام بالإبن هو الناسوت، وهو لم يسم اللاهوت إبنا، وقد ذكر أن الإبن لا يعلم الساعة، فتبين بذلك أن المسيح هو الناسوت وحده، وأنه لا يعلم الساعة، وهذا هو الحق. وإن قالوا: مراده بالإبن اللاهوت أو اللاهوت والناسوت، لزم من ذلك أن اللاهوت أو اللاهوت والناسوت لا يعلم الساعة، وهذا باطل وكذب، وهو أيضا مناقض لقولهم. فدل هذا النص من المسيح مع سائر نصوصه ونصوص الأنبياء على أن مسمى الإبن هو الناسوت وحده، وأنه لا يعلم ما يعلمه الله. وذلك صريح في أنه مخلوق ليس بخالق، ولا يجوز أن يكون هذا خطابا للناسوت المتحد باللاهوت دون اللاهوت، كما يتأوله عليه بعض النصارى؛ لأن كل ما علمه اللاهوت المتحد بالمسيح علمه الناسوت، ولأن الناسوت ليس هو الابن عندهم دون اللاهوت المتحد به، بل اسم الابن عندهم هو اللاهوت، ولأجل الاتحاد دخل فيه الناسوت. ولأنه لم يثبت إلا علم الأب وحده، لم يستثن علم الابن الأزلي عندهم، بل نفى علم ما سوى الأب به. وهذا مناقض لقولهم من كل وجه. بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا كذلك تتمة لما سبق فيما يتعلق برد هذا العلم. الحسن بن أيوب على شبه النصارى فيما يتعلق بإثباتهم الألوهية لعيسى عليه الصلاة والسلام، بزعمهم أنه بن الله، أنه هو الله، أو أنه مختلط بصفة من صفات الله. وكل القولين باطل، وسبق الرد عليه. وهذا تتمة له كذلك. والرد ظاهر، والاستطرادات التي ذكرها رحمه الله تعالى هو من باب بيان بطلان القول الباطل. وكما أن تلك الأقوال باطلة، فكذلك قول النصارى في هذا الموضع أشد ظهورا في البطلان. وهو يريد أن يبين رحمه الله تعالى هذا المعنى ويجليه من أوجه كثيرة، حتى لا يبقى في قلب شاك أدنى شبهة في الحق الظاهر الذي دلت عليه الأدلة الشرعية والعقلية والحسية. وسائر الكلام إن شاء الله ظاهر. وأما الحديث التي أشار إليها فهي كما أشار في الصحيح الأول حديث أبي هريرة: «كذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك». حديث أبي هريرة في البخاري وغيره. الثاني حديث أبي موسى بالصحيحين: «ما أحد أصبر على أذى سمعوا من الله». وباقي المباحث ظاهرة. بخاري، مسلم، حديث أبي هريرة. نعم.