الدرس في شرح الدروس المهمة 34، تابع الدرس السادس من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
دخول الوقت شرط أساسي لصحة الصلاة، وقد دلت على ذلك أدلة من القرآن والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. أوقات الصلوات الخمس محددة بدقة في السنة النبوية.
أوقات الصلاة وحدودها محددة شرعاً، وهناك وقت اختيار ووقت اضطرار. يُشرح المقطع أوقات الظهر والعصر والمغرب والعشاء، مع التركيز على مفهوم الشفق الأحمر والأبيض وتأثيرهما على وقت صلاة المغرب والعشاء.
الأعذار مثل السفر والمطر والمرض تبيح الجمع بين الصلاتين، ويكون إما جمع تقديم أو تأخير. المشقة تجلب التيسير ورفع الحرج، وهذا مبدأ يطبق في حالات متعددة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بالشرط السادس من شروط الصلاة كما ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، ستر العورة، ووقفنا على مجموعة من المسائل المتعلقة بستر العورة. واليوم ندخل إن شاء الله في الشرط السابع من الشروط التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «ودخول الوقت»، أي من شروط الصلاة دخول الوقت. فإن دخول الوقت شرط من شروط الصلاة، وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب ومن السنة. فإن الصلاة لا تصح حتى يدخل وقتها، إلا ما دل الشرع على الترخيص به أو الإعذار كما سيأتي إن شاء الله. وعلى وجه الاختصار من أدلته قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، استدل جمهور أهل العلم بهذه الآية على شرطية الوقت ودخوله بالنسبة للصلاة. وهكذا كذلك آية سورة الإسراء وغيرها من الآيات التي استدل بها أهل العلم على هذا الشرط. ومن السنة أحاديث كثيرة، ومن أشهرها حديث ابن عباس وجاء عن غيره رضي الله تعالى عنه في قصة إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أتاه في يومين، أتاه في اليوم الأول فصلى به في أول الوقت الصلوات الخمس، وأتاه في اليوم الثاني فصلى به في آخر وقت الصلاة لكل صلاة، وأخبره عليه الصلاة والسلام أن بين هذين الوقتين صلاة، فدل على أنه لا يجوز الصلاة قبل ذلك ولا تصح، كما لا يجوز تأخير الصلاة بعد ذلك وتعمده كذلك يبطل الصلاة وبه لا تصح. فعلمنا بهذا أن من شروط الصلاة دخول الوقت. فوقت صلاة الفجر يبتدئ من دخول الفجر الصادق إلى شروق الشمس، كما صحت بذلك الأدلة الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ووقت الظهر من زوال الشمس عن كبد السماء إلى أن يصير ظل الشيء مثله. ووقت العصر من صيرورة ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس. ووقت المغرب من غروب الشمس إلى غياب الشفق. ووقت العشاء من غياب الشفق إلى منتصف الليل على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. هذه هي مواقيت الصلوات الخمس على وجه الاختصار، وتحتها مباحث وتفاصيل تذكر في كتب الفقه مما هو أوسع من هذا الكتاب. هذه الأوقات المذكورة هي أوقات الصلوات الخمس كما جاءت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، منها حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله، ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس». نعم، ووقت العشاء إلى منتصف الليل، ووقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس. والحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ومعنى ذلك مذكور في الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، فقد ذكر المفسرون أن الآية فيها دليل لأوقات الصلوات الخمس. فهذا الحديث ونحوه حديث ابن عباس كما تقدم، وفيه صلاة جبريل عليه الصلاة والسلام بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه أم به في أول الوقت وفي آخر الوقت، وأخبر أن ما بين هذين الصلاتين صلاة. وجاء معنا عن جابر بن عبد الله وعن غيره رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم. فأولًا، وقت الظهر من زوال الشمس عن كبد السماء، معناه من انتقال الشمس من جهة المشرق إلى جهة المغرب عن وسط السماء، وبه يحصل دخول وقت الظهر. ولأهل العلم طرق كثيرة في معرفة وقت الظهر، هذا أحدها، أي بالرؤية أن يرى الإنسان الشمس في كبد السماء، فإذا رأى الشمس مالت من جهة المشرق إلى المغرب فإنه دخل وقت الظهر. أو أن يقسم النهار نصفين، فإذا دخل النصف الثاني من النهار فإنه بهذا يدخل وقت الظهر. فمثلًا إذا كان يؤذن الفجر الساعة الخامسة ويؤذن المغرب الساعة الخامسة، فوقت الزوال هو ما بعد الساعة الحادي عشر، يقسم النهار نصفين، فإذا دخل القسم الثاني أو النصف الثاني دخل وقت الظهر. وهو كذلك لأهل العلم طرق أخرى، إما بالحساب وإما بالشاخص، ليس هذا موضع تفصيلها، لكن يكفي الإشارة إلى أن هناك طرقًا كثيرة لمعرفة وقت الزوال. وأما وقت نهاية الظهر فهو إلى أن يصير ظل الشيء كطوله. فإن كان هناك شاخص وهو العود أو ما كان بمعناه مما يستعمله المؤذن في معرفة أوقات الصلوات، فينظر إذا صار ظل هذا الشاخص كطوله، أي كطول هذا الشاخص، فمتى ما تعدى ذلك بيسير دخل وقت العصر. مع التنبه أن لا يكون لهذا الظل، أن لا يكون لهذا الشاخص في وقت الزوال ظل، لأن أيام السنة تختلف، وباختلافها تختلف منازل الشمس، وباختلاف هذه المنازل يختلف الظل، فيأتي أيام ليس للشاخص في وقت الزوال ظل، وتأتي أيام يكون له ظل. فإن كان ليس له ظل فنهاية وقت الظهر أن يكون ظله مثل طوله، فإذا تعدى ذلك قليلًا دخل وقت العصر. فإن جاء وقت الظهر، أي وقت الزوال، ولهذا الشاخص ظل -أو يسميه العلماء فيء- فإن جاء وقت الزوال وهذا يحصل في بعض أشهر السنة أن يكون للشاخص في وقت الزوال ظل، فإن كان له ظل في وقت الزوال يحسب هذا الظل ويضاف فوق طوله ظل الشاخص الذي هو وقت نهاية وقت الظهر، وما بعد هذا بيسير هو وقت العصر. وهذا التنبيه نبه عليه الكثير من أهل العلم بكثرة الخطأ به، فإن بعض الناس لا يحسب هذا الفارق، فيستمر في طول السنة أن وقت الظهر ينتهي إلى أن يصير ظل الشيء كطوله، وهذا ليس بصحيح بهذا الإطلاق، بل لا بد من حساب الفيء الزائد في وقت وجوده في بعض أشهر السنة، لأنه كان موجودًا في وقت الزوال. وهكذا وقت العصر كما قلنا، من بعد صيرورة الظل كطول الشاخص أو طول الشيء إلى غروب الشمس. قلنا إذا خرج، إذا وصل ظل الشاخص كطوله فهذا وقت الظهر، نهاية وقت الظهر، فإذا تعدى ذلك بيسير دخل وقت العصر. وحد اليسير الذي يكون به الزوال، ويكون به وقت الظهر، ويكون به دخول وقت العصر، ويكون به دخول وقت المغرب، قال العلماء هو قدر غياب القرص، وغياب القرص قرص الشمس تقريبًا بين الثلاث إلى الخمس دقائق. قلنا أن نهاية وقت الشيء يكون بعده دخول وقت الصلاة الأخرى، فكم هذا الوقت اليسير الذي به تدخل وقت الصلاة الأخرى؟ قال العلماء: بقدر حركة قرص الشمس، يعني مثلًا وقت الظهر بعد الزوال حين تكون الشمس في كبد السماء، فبعد الزوال بكم؟ بقدر انتقال قرص الشمس من وسط السماء، وكم يأخذ وقت انتقال قرص الشمس من وسط السماء؟ قال العلماء: بما يعادل تقريبًا ثلاث إلى خمس دقائق. ومثله في وقت الظهر، فروج وقت الظهر، بعده في ثلاث دقائق أو خمس دقائق وقت دخول العصر. وأما وقت نهاية العصر فهو إلى غروب الشمس، لما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والحديث في الصحيحين: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر»، فدل إلى أن نهاية وقت العصر إلى قبيل غروب الشمس، فإذا غربت الشمس لم يدخل، لم يكون انتهى وقت صلاة العصر. وهنا في حديث عبد الله بن عمر الذي سمعناه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ووقت العصر ما لم تصفر الشمس»، ما لم تصفر الشمس. فقوله: «ما لم تصفر الشمس» قد يقول قائل: هذا يعارض الحديث الآخر الذي فيه ذكر غروب الشمس. فأجاب العلماء: أن الوقت وقتان، وقت اضطرار ووقت اختيار، فنهاية وقت الصلاة إلى غروب الشمس، وما بين اصفرار الشمس وقت الصلاة العصر إلى غروب الشمس، وما بين اصفرار الشمس إلى غروبها هذا وقت كراهة، لا يجوز للمسلم تعمد تأخير الصلاة إلى هذا الوقت. وهذه الكراهة تنقسم إلى كراهة التنزيه وكراهة التحريم، كراهة التنزيه هو وقت حصول الصفرة للشمس، وهذا تقريبًا قبل المغرب بنصف ساعة، وكراهة التحريم هو وقت احمرار الشمس. فالتنزيه هو وقت اصفرار الشمس، تقريبًا قبل المغرب بنصف ساعة، تكون الشمس صفراء، أما في أول العصر تكون الشمس بيضاء حية، فإذا قرب وقت المغرب تبدأ الشمس بالانخفاض ويبدأ لونها يصفر، فهذا وقت الكراهة، يضعف الشعاع، أو العصر تكون حية بيضاء، فهذا الوقت وقت كراهة، أي وقت الاسفرار، فإذا حمرت الشمس دخل وقت التحريم، يحرم على المسلم تأخير الصلاة عمدًا من غير عذر إلى هذا الوقت، أي وقت احمرار الشمس. و«صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في هذا الوقت، لأنه وقت يسجد فيها المشركون للشمس، ففي رواية: «لشيطان»، فإن الشمس تغرب بين قرني شيطان». وهذا الوقت وقت احمرار الشمس هو ما قبل الصلاة بعشر دقائق إلى خمس دقائق تقريبًا، يعني قبل الغروب من خمس إلى عشر دقائق تقريبًا، فلا يجوز للمسلم تأخير الصلاة لهذا الوقت من غير عذر. فلهذا قال العلماء: هناك وقت اختيار ووقت اضطرار، فوقت الاختيار هو إلى ما قبل وقت الكراهة، يجوز للمسلم أن يصلي في أول الوقت أو في آخر الوقت ما لم يدخل وقت الكراهة، كما سمعنا، وقت الكراهة من اصفرار الشمس، يجوز له أن يفعل ذلك، والأفضل هو الصلاة في أول الوقت. وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وفي رواية: الصلاة في أول وقتها». نعم، إلى ما قبل أن تصفر، الاختيار إلى ما قبل أن تصفر. ومعنى «اختيار»: يعني المسلم يجوز له أن يصلي في أول الوقت أو في آخر، يجوز يختار ذلك على حسب المصلحة، وإذا كان في الجماعة طبعًا يتابع الجماعة، والأفضل أن يصلي المسلم في أول الوقت لحديث ابن مسعود في الصحيحين: «سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي العمل أفضل؟ أو أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وفي رواية: في أول وقتها». وأما وقت الاضطرار فيجوز لأهل الأعذار، كنائم أخذه النوم بغير تفريط، فاستيقظ فيقال له: «أدرك الصلاة»، فإن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح من حديث أبي هريرة. وسمعنا في الحديث الآخر: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». وهكذا كذلك وقت المغرب من غروب الشمس إلى غياب الشفق، واختلف في هذا الشفق، قيل: الشفق المراد بالشفق الأحمر الذي يكون بعد الغروب، وقيل: الشفق الأبيض. وقد رويت أحاديث في بيان معنى هذا الشفق، ولكن الصحيح أنه لم يصح حديث صحيح صريح في تحديد الشفق، أنه الأحمر أو أنه الأبيض. ولكن رويت آثار في هذا الباب، فقد روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس أنهم قالوا بالشفق الأبيض، والأبيض يأتي بعد الأحمر، فلهذا يقال: الأولى والأحوط أن تكون الصلاة إلى الشفق الأحمر، وعند الاضطرار لا بأس بالصلاة ما بعد الشفق الأحمر، وهو الشفق الأبيض. والشفق الأحمر معروف يعرفه أكثر الناس، وهي الحمرة التي تكون بعد المغرب، تقعد قرابة عشرين دقيقة أو نصف ساعة. والشفق الأبيض هو ما يأتي بعد الأحمر، ويكون غالبًا إلى قرب وقت العشاء، وهو في الغالب لا يرى، لأنه يبقى يسيرًا في طرف الأفق من جهة المغرب. فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء، ووقت العشاء يستمر حتى منتصف الليل، كما جاء في هذا الحديث وبعض الأحاديث الأخرى. وما جاء عن بعض أهل العلم من أن وقت العشاء إلى الفجر، فاستدلوا ببعض العمومات، وهذا كذلك يقال في حق أهل الاضطرار، كما قام من نوم أو نسي بغير تفريط، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها إذا ذكرها». ووقت الفجر يبتدأ من طلوع الفجر الصادق، وهو ما يكون بالفجر الذي يظهر ضوءه في جهة المشرق، كما قال أهل العلم: كالرأس، بياض يسير في جهة المشرق، يبتدأ كالرأس، ثم ينتشر في الأفق، يعترض في أفق المشرق، هذا هو الفجر الصادق. وقد جاء في وصفه عدة أحاديث. وقبله الفجر الكاذب، وهو ضوء يكون في كبد السماء، يعني في وسط السماء، وليس هو بوقت الفجر. ويستمر وقت الفجر حتى طلوع الشمس، يكون في وسط السماء، كبد السماء أو وسط السماء. وبين الفجر الكاذب والصادق قرابة تقريبًا ساعة إلى ساعة ونصف، لا الصادق، وقت الفجر الكاذب قبل الفجر بساعة إلى ساعة ونصف. ووقت الفجر الصادق وقت صلاة الفجر من ظهور الفجر الصادق إلى طلوع الشمس. وما قبل طلوع الشمس هذا وقت كراهة، لا يجوز للمسلم تعمد تأخير الصلاة إلى ذلك الوقت، أي قبل الفجر بعشر دقائق تقريبًا. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في هذا الوقت، وأنه من صلاة المشركين، أي قبيل طلوع الشمس، فإنها تغرب وتطلع بين قرني شيطان. هذه هي أوقات الصلوات، مع التنبيه على بعض مسائلها، لا يجوز للمسلم أن يصلي إلا بين هذين الوقتين لكل صلاة، إلا لعذر. وهذه الأعذار بينت في الشريعة في أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة. فمن الأعذار السفر، فيجوز للمسافر أن يجمع بين الصلاتين التي يجمع بينهما، كالظهر والعصر أو المغرب والعشاء، جمع تأخير إذا جد به السير، أو جمع تقديم إذا احتاج إلى ذلك، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. ففي حديث جابر في صحيح مسلم وغيره: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير أخر الصلاة إلى الأخرى»، فدل بمنطوقه، أي بلفظه: أنه يجوز تأخير الصلاة إلى وقت الصلاة الأخرى للسفر، فيصلي، يجوز أن يصلي الظهر مع العصر في وقت العصر، ودل الحديث بمفهومه جواز جمع التقديم عند الحاجة، فيجوز أن يصلي العصر مع الظهر في وقت الظهر. وفي كل الحالتين يبتدأ بالترتيب، أولًا صلاة الظهر ثم صلاة العصر، وطبعًا يقصر الرباعية، وغير الرباعية يتركها كما هي، أي الفجر والمغرب. وهكذا كذلك يقال في المغرب والعشاء، يجوز جمع التقديم في وقت المغرب للسفر، ويجوز جمع التأخير في وقت العشاء لعذر السفر، وله تفاصيل تذكر في كتب الفقه الأوسع في أحكام صلاة المسافر. وهكذا من الأعذار المطر، يجوز جمع التقديم والتأخير من أجل المطر، وبغير قصر للرباعية، بل كل صلاة تصلى كما هي، فيجوز أن يجمع جمع التقديم أو جمع التأخير لأجل المطر بين الظهر والعصر، وكذا بين المغرب والعشاء. وهذه رخصة صحت بها الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس، وجاء عن غيره. وحد المطر الذي ترخص به الصلاة: المطر الذي تكون به المشقة. وجاء عن بعض السلف، ومعناه في بعض الأحاديث: أنه قدر أن تبتل أطراف النعال، يعني تكون الأرض زلقة، تعرفون الأرض إذا شربت الطبقة الأولى منها بالماء تكون محل انزلاق، تعرفون الانزلاق، يعني ما يقول: يضطرب الإنسان فيها. فإذا ابتلت الأرض ولو يسيرًا، حتى ولو انقطع المطر، حتى ولو انقطع المطر، فهذا محل عذر وترخيص، هي رخصة، ولا يلزم الأخذ بها، يعني يجوز إذا احتاج الناس للترخص بذلك أن يجمعوا بين الصلاتين. وتعرفون بعض البلاد يكثر فيها المطر، فربما يصير عند بعض الناس عدم الترخص هو الأنفع لهم، فهم ينظرون بما يصلح لهم، هي رخصة، إن شاءوا أخذوا بها وإن شاءوا فعلوا غيرها، بما يرون أنه أصلح لهم. ومن هذه الأعذار كذلك المرض، فيجوز للمريض إذا احتاج الجمع أن يجمع بين الصلاتين التي يجوز الجمع بينهما، من دون قصر، لما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال ابن عباس: من غير سفر ولا مطر»، قالوا: ماذا أراد بذلك؟ قال رضي الله عنه: «أراد أن لا يحرج أمته، أن يرفع عنهم الحرج، أن يبين لهم أنه في مواضع الحرج يجوز الجمع بين الصلاتين من دون قصر». فالمريض يقع له حرج أحيانًا، إما بسبب تكرار الطهارة أو حاجته إلى كثرة الراحة أو غير ذلك، فيجوز للمريض أن يجمع بين الصلاتين من دون أن يقصر، يعني يصلي لكل صلاة كاملة، الظهر والعصر، إما جمع تقديم أو جمع تأخير، بحسب حاجته ورفع الحرج عن نفسه. وهكذا كذلك جمع المغرب والعشاء، جمع تقديم أو جمع تأخير، بحسب حاجته ورفع الحرج عن نفسه. وهكذا ما كان بمعنى هذه الثلاث مما فيه حرج، يجوز الجمع بين الصلاتين، جمع التأخير أو جمع التقديم، لرفع الحرج عن الناس. ولهذا صور كثيرة لا تنحصر، تختلف باختلاف حاجات الناس وأحوالهم وظروفهم. فعلى سبيل المثال: الجمع بين الصلوات إذا كان لعمال الإطفاء -تعرفون الإطفاء يعني نسميه نحن بالدفاع المدني- قد يكون عند صاحب الدفاع المدني عمل يأتيه بلاغ عن حريق، وهو يعرف أنه لن يخرج من هذا الحريق إلا بعد خروج وقت الصلاة، فيجوز له أن يجمع بين الصلاتين، جمع تقديم إذا علم بذلك قبل دخوله في المهمة، أو دخل في المهمة فانشغل بالحريق حتى خرج وقت الظهر مثلًا، فيجوز أن يصلي الظهر مع العصر جمع تأخير، لأجل قيامه بهذه المهمة. وهكذا مثلًا المرأة تسافر، سفر ستسافر، ولم تسافر بعد، وهي تعلم أنها في طريق السفر لن يتيسر لها مكان تستطيع أن تصلي فيه، المرأة ليست كالرجل، تحتاج إلى مكان يسترها، فتسأل: هل يجوز أن يصلي في بيتي جمع التقديم بين الظهر والعصر مثلًا في وقت الظهر؟ الجواب: نعم، يجوز، والحالة هذه، لكن من دون قصر، من دون قصر. وهكذا أمثلة كثيرة يكون فيها الحرج يرفع الحرج مع المشقة، فالمشقة تجلب التيسير، هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، وبه نكتفي. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.