شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 33

شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 33

الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 33، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

حكم صوم يوم عرفة للحاج وبيان إفطار النبي صلى الله عليه وسلم فيه

يستحب لغير الحاج صوم يوم عرفة تكفيراً لسنتين، بينما المشروع للحاج الإفطار فيه اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي أفطر بعرفة ليقوى على الدعاء والذكر. دلت الأحاديث الصحيحة من فعل أم الفضل وميمونة رضي الله عنهما على أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب اللبن وهو واقف بعرفة معلناً إفطاره.

تحريم صيام يومي العيد وأيام التشريق وبيان الحكمة

أجمع العلماء على تحريم صيام يومي الفطر والأضحى وأيام التشريق مطلقاً سواء كان نفلاً أو قضاءً أو نذراً أو كفارة. علل النهي في عيد الفطر بالفصل بين الصوم والفطر، وفي عيد الأضحى بأكل النسك، مما يجعل صيام هذه الأيام معصيةً لا طاعة.

حكم النذر بصيام يوم العيد أو يوم النهي وتفصيل أقوال العلماء

اتفق العلماء على أن النذر بصيام يوم وافق عيداً أو يوماً منهياً عن صومه لا يصح ولا يلزم صاحبه قضاؤه، كما اتفقوا على تحريم صيام ذلك اليوم المعين بالنذر. اختلفوا فيمن نذر صوم يوماً معيناً فوافق عيداً: الجمهور على عدم انعقاد النذر وسقوط القضاء، والحنفية على وجوب قضائه، والراجح قول الجمهور لأن صوم العيد معصية لا تقرب بها.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني، رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، شهد الله أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب صوم يوم عرفة». قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن مالك، قال: حدثني سالم، قال: حدثني حميد مولى أم الفضل، أن أم الفضل حدثته. قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عمير مولى عبد الله بن عباس، عن أم الفضل بنت الحارث، أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه. وقال أيضاً: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن ذر، عن كريب، عن ميمونة رضي الله عنها، أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون. هذه الترجمة في حكم صوم يوم عرفة. يوم عرفة معروف أنه يوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم من أعظم الأيام، يوم عظيم الأجر، عظيم الفضل من الله عز وجل لعباده، وهو يوم عظيم وفضيل، ويعتبر من أعياد الإسلام، كما ثبت في بعض الأحاديث: «أعيادنا أهل الإسلام يوم عرفة، ويوم الفطر، والنحر، وأيام التشريق». فيوم عرفة من الأيام الفاضلة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الترغيب في صوم يوم عرفة، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والسنة الباقية. ثم ذكر المصنف رحمه الله ما يتعلق بصوم عرفة للحاج: هل يصوم الحاج الواقف بعرفة ذلك اليوم، أو أن المشروع في حقه الفطر؟ ذكر حديث أم الفضل بنت الحارث، وهي والدة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قالت: إن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، يعني استقر عندهم مشروعية صوم يوم عرفة، لكنهم اختلفوا وشكوا: هل النبي صلى الله عليه وسلم صائم في ذلك اليوم وهو واقف بعرفة؟ تماروا أي اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه. في بعض الروايات الصحيح أن التي أرسلت بقدح اللبن إنما هي ميمونة بنت الحارث، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أخت أم الفضل. اختلفت الروايات: التي أرسلت بقدح اللبن أم الفضل أم أنها ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشرب فيه. أن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم وهو واقف بعرفة كان مفطراً ولم يكن صائماً. ففيه أن الأفضل في حقه - مع معرفته لفضل صوم يوم عرفة - أن يفطر؛ لأنه يوم من أعظم الأعياد، شرع فيه كثرة الذكر وكثرة الدعاء لله عز وجل. ومعلوم أن الصوم في تلك البلاد الحارة في أغلب الأوقات يضعف الصائم ويهد من قوته، ولا يمكنه من الاجتهاد في الدعاء والذكر في ذلك اليوم. وهذا معلوم من ذهب الحج، علم المشقة العظيمة التي يلقاها الحاج يوم عرفة، وإن كان مختاراً، فكيف إذا كان صائماً؟ فإنه لا يتمكن من الاجتهاد في ذلك اليوم. فلهذا الجمهور من أهل العلم على أن المشروع في حق الحاج وهو واقف بعرفة أنه يفطر، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي الرواية الثانية عن ميمونة رضي الله عنها: أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون. فالحاصل أن يوم عرفة يوم عظيم يشرع صيامه، وأما بالنسبة للحاج فيشرع في حقه الفطر. قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب أن لا يصام يوم الفطر». قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: «هذا يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم». قال أبو عبد الله: قال ابن عيينة: من قال مولى ابن أزهر فقد أخطأ، ومن قال مولى عبد الرحمن بن عوف فقد أخطأ. وقال أيضاً: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر، وعن الصماء، وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن صلاة بعد الصبح والعصر. وقال في الترجمة التي بعدها: «باب صوم يوم النحر». قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن عطاء بن ميناء، قال: سمعته يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ينهى عن صيامين وبيعتين: الفطر والنحر، والملامسة والمنابذة. وقال أيضاً: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا معاذ، قال: أخبرنا ابن عون، عن زياد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: رجل نذر أن يصوم يوماً، قال: أظنه قال الاثنين، فوافق ذلك يوم عيد، فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم. وقال أيضاً: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا عبد الملك بن عمير، قال: سمعت قزعة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، وكان غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة، قال: سمعت أربعاً من النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبني: «لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو محرم، ولا صوم في يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجد هذا». نعم، هذه الترجمة والتي بعدها فيها الكلام على حكم صوم يوم العيدين. وقد أجمع العلماء على حرمة صوم يوم العيدين: يوم الفطر والنحر، لا خلاف بين أهل العلم في حرمة صوم يوم العيدين، لا يجوز صومهما لا عن قضاء ولا كفارة ولا عن نذر ولا للتمتع ولا نافلة ولا شيء من ذلك. أجمع العلماء على حرمة صوم يوم العيدين: يوم عيد الفطر وعيد الأضحى، فهذا حرام صومهما بإجماع من أهل العلم. وسأتي ترجمة المصنف رحمه الله لأيام التشريق، وأن أيام التشريق الثلاثة تأخذ هذا الحكم، وأنه لا يجوز صومها. لكن اختلف العلماء في أمر، أو في مسألة: ما هي هذه المسألة؟ من نذر أن يصوم يوماً فوافق يوم العيد، هل ينعقد هذا النذر ويلزمه قضاؤه، أو أنه أصلاً لا ينعقد ولا يلزمه قضاؤه؟ قال: صوم يوم الاثنين من الشهر القادم، فوافق يوم الاثنين أنه يوم العيد، فهل ينعقد نذره ويلزمه وفاؤه؟ هم أجمعوا على أنه لا يجوز أن يفي بالنذر في يوم العيد، أجمعوا على أنه لا يجوز أن يفي بالنذر في يوم العيد، لكن اختلفوا: هل يصح هذا النذر ويلزمه قضاؤه في يوم آخر، أو لا يصح ولا ينعقد أصلاً؟ فيه قولان مشهوران لعلماء العلم. القول الأول، وهو قول الجمهور: أنه لا ينعقد ولا يلزمه قضاؤه. والقول الثاني للحنفية: أنه ينعقد ويلزمه قضاؤه. الراجح قول الجمهور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم العيد، فمن نذر ووافق عن النذر يوم العيد، فنذره يعتبر نذر معصية وغير صحيح، وعليه فلا يلزمه القضاء. قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما». هنا: «يوم فطركم من صيامكم»، هنا فيه التعليل: ما هو النهي؟ العلة في النهي عن صوم يوم عيد الفطر هو أن عيد الفطر هو الفاصل بين الصوم والفطر. واليوم الآخر يوم النحر: «تأكلون فيه من نسككم». فهذه العلة: قبول ضيافة الله سبحانه وتعالى وكرم الله على العباد بمشروعية الأضاحي، فشرع الفطر لأجل أن يتمتع الناس بما أباح الله عز وجل. وفي الحديث الذي بعده: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر، وعن الصماء، أي عن اجتبال الصماء، هو أن يلف الثوب عليه من رأسه إلى قدميه ولا يترك موضعاً عنه. هذا معنى عنه بأنه يعني يمنعه من الحركة، وإذا أترك له شيء لا يستطيع أن يتصرف. ومنع من فسر الصماء بأنه يتجلل بالثوب ويرفع أحد جانبيه على كتفه فيؤدي إلى انكشاف العورة. قالوا: «وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد». الاحتباء معروف، الاحتباء معروف أن يجلس على أليتيه وينصب قدميه، ويعمل حبلاً أو حبلا، ويعني يضم رجليه بهما. هذه الحبوة أو الاحتباء أو الصبوة عادة معروفة للعرب، بل قيل في الكلام العربي: أن الاحتباء شيطان العرب، شيطان العرب؛ لأنهم في البوادي لا يوجد فيه سرر، فكانوا يتخذون الاحتباء فيستندون، يعني بهذا يسير، الاحتباء يقوم مقام السرر التي يتكأ عليها ويستند عليها. وهذه الترجمة التي بعدها في صوم النحر، تقدم الكلام فيها، لكن معلق على هذا الأثر عن زياد بن جبير: قال جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: رجل نذر أن يصوم صوم يوماً، قال: أظنه قال الاثنين، فوافق ذلك يوم عيد، فقال ابن عمر: يعني سأل ابن عمر الرجل: نذر أن يصوم يوم الاثنين، فوافق هذا اليوم يوم العيد، فهل يفي بنذره؟ ماذا أجاب ابن عمر؟ فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم. فكأن ابن عمر توقف، يقول: أمر الله بالوفاء بالنذر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيد، فكأنه توقف. وكما تقدم أن الجمهور من أهل العلم على أنه لا يصح نذره ولا يلزمه القضاء، وهم مجمعون جميعاً على أنه لا يجوز له أن يصوم في ذلك اليوم الذي وافق يوم نذره. نكتفي بهذا القدر، والحمد لله.