الدرس في تفسير سورة الحجرات من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع تفسير الآيات من سورة الحجرات، موضحًا سبب نزول الآية الأولى في الوليد بن عقبة والآية الثانية في الإصلاح بين طائفتين من المؤمنين اقتتلتا. يُفسر المقطع هذه الآيات ويشرح المعاني اللغوية لبعض الكلمات.
يؤكد النص على أهمية التثبت والتبين في نقل الأخبار لتجنب الظلم والحكم الخاطئ، مستدلًا على ذلك بقصة وردت في القرآن الكريم. كما يبين أن العبرة بعموم اللغة لا بخصوص السبب.
يشرح المقطع أهمية الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين بالعدل والتسامح، ويحذر من دور المنافقين في إثارة الفتنة بين المسلمين. كما يؤكد على ضرورة العدل والإنصاف في الإصلاح بين المتخاصمين.
المقطع يتضمن دعاءً لله سبحانه وتعالى بأن يوفقنا لاتباع أحسن الأقوال ويجعل ذلك نافعًا لنا في الدنيا والآخرة. الدعاء يعبر عن الرغبة في الاستماع والتأثر بالكلام الطيب واتباعه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يا أيها الذين آمنوا وإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمه والله عليم حكيم﴾، و﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾. قال المفسّر رحمه الله: ونزلت في الوليد بن عقبة، وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقًا، فخافهم لثأر كان بينه وبينهم في الجاهلية، فرجع وقال: إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتله، فهم النبي صلى الله عليه وسلم بغزوهم، فجاءوا منكرين ما قاله عنهم. «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ» خبر «فتبينوا» صنقه من كذبه، في قراءة «فتثبتوا» من الثبات، «أن تصيبوا قوما» مفعول له، أي خشية ذلك، لجهالة حال من الفاعل، أي جاهلين، «فتصبحوا على ما فعلتم من الخطأ بالقوم نادمين». وأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالدًا، فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. «واعلموا أن فيكم رسول الله»، فلا تقولوا الباطل، فإن الله يخبره بالحال، «لو يطيعكم في كثير من الأمر الذي تخبرون به على خلاف الواقع فيرتب على ذلك مقتضاه لعنتم لآثمتم»، دونه إثم التسبب إلى المرتب، «ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه» حسنه «في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان»، استدراكًا من حيث المعنى، «أولئك هم الراشدون» الثابتون على دينهم، «فضلاً من الله» مصدر منصوب من فعله المقدر، أي أفضَل، «ونعمة» منه، «والله عليم بهم حكيم» في إنعامه عليهم. «وإن طائفتان من المؤمنين» الآية نزلت في قضية هي أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارًا ومر على ابن أبي، فبال الحمار على أنفه، فقال ابن رواحة: والله لبول حماره أطيب ريحًا منك، فكان بين قومهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف، «اقتتلوا» جمع نظرًا إلى المعنى، لأن كل طائفة جماعة، وقرئ «اقتتلتا» فأصلح بينهما، «فإن بغت» تعدت «إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء» ترجع «إلى أمر الله» الحق، «فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل» بالإنصاف، «واقسطوا» اعدلوا، «إن الله يحب المقسطين». «إنما المؤمنون إخوة في الدين فأصلحوا بين أخويكم» إذا تنازعا، وقرئ «إخوتكم» بالفوقانية، «واتقوا الله لعلكم ترحمون». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فكما سمعنا هذه الآيات الكريمات في أوائل سورة الحجرات، وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في تعليقه على هذه الآيات، فالآية الأولى من هذه الآيات المقرؤة فيها ما ذكر رحمه الله مما جاء في خبر من بعث فنقل خبرًا على خلاف الواقع في قصة بني المصطلق، وحديثه كما أشار في التعليق مختلفٌ فيه، وجمهرة العلماء على ضعفه، فهو عند الطبراني وغيره من طريق عبد الله بن عبد القدوس التميمي، وهو ضعيف، وله طرق كثيرة، ولهذا بعض أهل العلم يرى حسن هذا الحديث وارتقائه إلى درجة الحسن باجتماع تلك الطرق، والحديث محتمل، وإن كان أكثرهم على ضعفه. وسواء كانت صحة القصة أو لم تصح، فالعبرة بعموم اللغة لا بخصوص السبب، والمقصود هو التثبت في نقل الأخبار، هذا الذي جاءت به الآية التالية، ففي قراءة «فتبينوا»، وفي قراءة أي سبعية كما أشار في التعليق لحمزة والكسائي «فتثبتوا»، والمعنى ينبغي أن يتأكد ويتثبت ويتبين في الأخبار المنقولة حتى لا يكون ذلك سببًا للوقوع في الظلم، وكذلك الحكم الخاطئ، فيكون الندم حيث لا ينفع الندم. وقوله رحمه الله تعالى: «فتثبت من الثبات أن تصيب قوما» مفعول له، أي خشية ذلك، معناه أنه نهي عن ذلك لأجل أن لا يقع أهل الإسلام في هذا، لأن لا يقع أهل الإسلام في هذا. وقوله رحمه الله في ذكر ما جاء من خبر خالد وتصحيح القصة، فبهذا استدل بعض أهل العلم على أن القصة لها أصل، وأن ما ورد جاء من عدة أوجه، ولهذا صححه وحسنه بعض أهل العلم، فمجموعة من المراسيل مع بعض الأسانيد التي فيها ضعف، وفي بعضها لم يشتد ضعفها، ترتقي القصة إلى الحسن. ولكن كما تقدم، العبرة بعموم اللغة لا بخصوص السبب، سواء صحة القصة أو لم تصح، فالمقصود أن هذه الآيات تدل على وجوب التثبت والتبين فيما ينقل من أخبار، والبينة بما كان من شهادة الشهود الثقات، وما يرى ويعاين، وليس كل ما يسمع فإنه يصح. ثم ذكر تفسير قول الله عز وجل: «واعلم أن فيكم رسول الله» إلى آخر الآيات، ومناسبة هذه الآية في هذا الموضع أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم مدعاة إلى أن لا يقال إلا الحق، وأن لا يحكم على أحد إلا بعد تثبت، فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه بالتثبت لكان الحكم على تلك الطائفة بنقل الناقل الذي لم يتبين ولم يتثبت، فيكون فيه الظلم والبغي على الطائفة التي لا تستحق عقوبة. وقد أراد من نقل الخبر الخاطئ أن يكون ذلك موجبًا للعقوبة، مع أنه قد يكون الناقل متأولًا، كما جاء في القصة بقصة بني المصطلق، أن الناقل كانت بينه وبين قومه وقومهم عداوة، ولذلك خاف وظن شيئًا بسبب الخوف الذي سبق عنده. وفي هذا دليل كذلك إلى أن بعض ما قد يكون عند الإنسان من سابق علم أو أثر قد يؤثر فيه الحكم، وقد يؤثر فيه الحكم. وكذلك فيه تنبيه إلى أنه ينبغي أن يرسل من ليس عنده مظنة خصومة أو عداوة أو نحو ذلك مما يكون به فتنة أو نقل الخبر أو حصول الظن الغير صواب في غير موضعه. وقوله رحمه الله: «لعنتم» بقوله «لأثمتم»، لأن العنت ثمرة ونتيجة الحكم الخاطئ، فمعناه أنه سيقع عليكم ما يصعب عليكم فكاكه، وهو نتيجة هذا التسبب والحكم الخاطئ الذي يترتب عليه تلك المشقة والعنت، ومن معانيه الإثم. فذكر هذا معناه أنه أوصل هذا الحكم الخاطئ أو قد يوصل هذا الحكم الخاطئ إلى هذه المشقة والحرج الذي لا ينفك عن هذا لمن يريد أن لا يقع فيه، فإذن ينبغي أن يحرص أن يسد هذا الباب من أول وهله بالتثبت. ثم ذكر رحمه الله بعد ذلك في قصة الاقتتال وتفسير الآية: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» وذكر القضية فيما قال ابن أبي، والحديث أصله في الصحيحين كما أشار في التعليق، فقد جاء من حديث أنس وغيره، وإن كان بعض التفاصيل كما أشار في التعليق ليس موجودًا، ولكن أصل القصة صحيح، أصل القصة صحيح. فرأس المنافقين جعل مرور النبي صلى الله عليه وسلم بحماره سببًا أو ذريعة للتنقص، ذريعة للتنقص، فبذلك حمي الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان الذي سبق ذكره وما ذكره المؤلف رحمه الله ما جاء في الحديث، وفيه دليل على تسمية الضرب بالأيدي قتالًا، لأنه مفتتح للقتال، فقد يبدأ باليد ثم يكون بعد ذلك ما هو أعظم. وقوله: «وقرئ اقتتلتا» هذه قراءة شاذة، وبعضهم قال: قراءة تفسيرية، قراءة تفسيرية، يعني أن الطائفتين حصل بينهما من الاقتتال ما ذكر في القصة، فيُقتتل على الجماعة من الطائفتين، و«اقتتلتا» التثنية للطائفتين كل طائفة فرقة، فيصح التثنية ويصح الجمع، هذا باعتبار وهذا باعتبار. وفيه كذلك ما تقدم في دروس سابقة: أنه لا ينافي الإيمان حصول الاقتتال، فإن لا ينافي أصل الإيمان، أما كماله فلا شك أنه ينافي الكمال، ولكن لا يزول الإيمان بالاقتتال، فسماهم الله عز وجل المؤمنين، ومع ذلك وصف هذه الجماعة وهاتان الطائفتان وصف الطائفتين بما وقع بينهما من الاقتتال، فقال: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلح بينهما»، فسماهم مؤمنين، ومع ذلك وقع القتال، فالقتال لا يهدم الإيمان. وفي هذا رد على الخوارج والوعيدية الذين يأخذون مثل يأخذون بآيات الوعيد فيجعلونها سببًا في هدم الإيمان. وفي هذه القصة كذلك أنه قد يقع من أهل الفضل ما يقنز به الشيطان، وقد يكون ذلك بسبب بعض المنافقين وأهل السوء بينهم. فانظروا إلى هذا المنافق كيف كان سببًا في التحريش بين طائفتين مؤمنتين كما وصفهم الله عز وجل، وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا كذلك ينبغي لأهل الحق أن يحذروا من أن يكون بينهم وأن يفرق جمعهم وأن يجعل بينهم العداوة والبغضاء والشحناء والفرقة، والنتيجة هي أنها كانت بسبب بعض أهل الشر والنفاق والفساد بين أهل الحق. فهذا المنافق كان سببًا في هذا الاقتتال، حمي قومه في الدفاع عنه، وحمي عليه من غار للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرضَ مثل هذه الكلمة التي أخرجها. وختم الآية بقوله سبحانه وتعالى: «فأصلحوا بينهما بالعدل»، والمعنى ظاهر، أي أنه لن يكون صلح إلا بالعدل، لن يكون صلح إلا بالعدل، ولا ينافي العدل التطاوع والتسامح والتنازل عن بعض الحقوق. وهنا يحصل غالبًا الخلاف والشر ونزغ الشيطان، أن بعض الأطراف يبخل ويشح في التسامح، فعند ذلك لا يحصل الصلح، ولكن ما سمي صلحًا إلا لما كان فيه من طلب الإصلاح، والإصلاح لا يكون إلا لشيء فيه فساد، لا يكون الإصلاح إلا بشيء فيه فساد. ومعناه أن كل الأطراف ينبغي أن تسعى لهذا الإصلاح، وهذا لا يكون إلا بالتطاوع والتسامح عن بعض الحقوق، ولا ينافي ذلك العدل، ولهذا أكد بقوله سبحانه: «وأقسطوا» اعدلوا، والأصل خلاف المبنى يدل على خلاف المعنى، والمعنى بالغ في طلب العدل، العدل لفظ معان، والقصد لفظ أخص منه، أي المطلوب مبالغة في العدل. فأنت من عدل مع نفسك أنك تطلب من نفسك التسامح كما تطلب من أخيك التسامح، أن تطلب من عدل من نفسك الإنصاف كما تطلب من أخيك الإنصاف، «لا يمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وإذا حصل مثل هذا العدل والإنصاف والمبالغة فيه، فإنه إن شاء الله يكون الصلح ويحصل الخير. وأكد بقوله ثالثًا: «إن الله يحب المقسطين»، وبه نتأكد ونعرف أن أكثر الخصومات التي تؤدي إلى شر تكون بسبب عدم العدل وعدم القصط وعدم الإنصاف، فلو أن جميع الأطراف حصل منها العدل والقصط والإنصاف لم يحصل ولم تستمر فرقة ولا خصومة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، ويجعل ذلك نافعًا لنا في الدنيا والآخرة، اللهم آمين آمين.