الدرس في تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المفسر الآيات من سورة النجم، موضحًا رؤيا النبي لجبريل عند سدرة المنتهى وعظمة الله. يشرح أيضًا عبادة المشركين للأصنام ويعرض الحجج ضدهم.
يفسر المقطع الرؤية الثانية لجبريل على حقيقته عند سدرة المنتهى، ويبين أنها كانت للنبي لجبريل وليست لله. كما يفسر سدرة المنتهى بأنها شجرة عظيمة ينتهي إليها صعود ونزول كل شيء.
يشرح المقطع تعظيم جبريل في القرآن ويثبت معراج النبي إلى السماء السابعة. ينتقد أيضًا عبادة الأوثان مثل اللات والعزى ومناة، ويبين ضعفها مقارنة بعظمة الله.
يشير المقطع إلى عظمة سورة معينة لما فيها من بيان وحجج وبرهان. يتم الإشارة إلى اكتفاء الدرس الحالي وتأجيل الباقي لدرس قادم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى. أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى؟ قال المفسر رحمه الله تعالى: ولقد رآه على صورته نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، لما أسرى به إلى السماوات، وهي شجرة عظيمة، عن يمين العرش، لا يتجاوزها أحد من الملائكة، غيرهم، عندها جنة المأوى، تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين، إذ يغشى السدرة ما يغشى من طير وغيره. وإذ نعمة مرآه، ما زاغ البصر من النبي صلى الله عليه وسلم، وما طغى، أي ما مال بصره عن مرئيه المقصود له، ولا جاوزه تلك الليلة. لقد رأى فيها من آيات ربه الكبرى، الحظام، أي بعضها، فرأى من عجائب الملكوت رفرفًا أخضر سد أفق السماء، وجبريل له ستمائة جناح. أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى؟ صفة ذنب للثالثة، وهي أصنام من حجارة، كان المشركون يعبدونها، ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله. ومفعول أفرأيتم الأول اللات، وما عطف عليه، والثاني محذوف، والمعنى أخبروني أليست هذه الأصنام قادرة على شيء ما، فتعبدونها دون الله القادر على ما تقدم ذكره؟ ولما زعموا أيضًا أن الملائكة بنات الله، مع كراهتهم البنات، نزلت: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه الآيات من هذه السورة العظيمة، سورة النجم، التي فيها من الحجج الدامغة والآيات العظيمة ما يحاج به هؤلاء المشركون، وما فيها كذلك التسلي والتصبير للمؤمنين. ولو تأملنا السور المكية، رأينا فيها من الواعظات، وكذلك التذكير والتخويف والزجر، ما نعلم به أن الله عز وجل قد أقام الحجج الواضحة الكاملة على المشركين، وأنه أمهلهم بما فيه الكفاية، ولم يعذبهم إلا بعد أن تمت النذارة، وانتهى منتهى الوعظ الذي لو عقل الواحد منهم لاكتفى بآيات، فضلًا عن سورة، فضلًا عن سورة. وهذه الآيات في هذه السورة كذلك تذكير بعظمة الله، وصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. قد مر معنا أن الله عز وجل ذكر عظمة الملك الذي نزل بهذا الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تذكيرًا بعظمة الله، وعظمة من أرسل هذا الرسول، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته الحقيقية مرتين، المرة الأولى في غار حراء، قد ملأ الأفق ما بين السماء والأرض، وهذه هي التي ذكرها في الآيات السابقة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾. ثم ذكر سبحانه وتعالى الرؤية الثانية التي رأى فيها جبريل عليه الصلاة والسلام على حقيقته، وهي التي كانت في السماء، وهذا هو قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية، فأكثر المفسرين أن هذه الآية في حق جبريل عليه الصلاة والسلام، وأن الله عز وجل أقدر النبي صلى الله عليه وسلم على رؤية جبريل بصورته وكيفيته الحقيقية مرتين، مرة في الدنيا في أول نزول الوحي، ولا شك أن علاقة ذلك في تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم، وإقامة الحجة على المشركين ظاهرة. والثانية عند أن صعد الله عز وجل به إلى السماء، وقد ملأ في جناحيه أفق ما كان فيه عليه الصلاة والسلام، فرآه مرتين، مرة في الأرض، ومرة في السماء، وهذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. وجاء عن بعض المفسرين أن هذه الرؤية هي رؤية الله سبحانه وتعالى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه مرتين، وهو قول مرجوح لعدة أمور. والأمر الأول أن سياق الآيات من أولها تدل على أن المقصود جبريل عليه الصلاة والسلام، والضمير في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يعود إلى أقرب مذكور، وهو جبريل عليه الصلاة والسلام. والثانية أن الله عز وجل ذكر هذه الآيات في سياق ذكر الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكون المذكور جبريل أقرب من أن يكون المذكور الله سبحانه وتعالى، وهذا مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ثم قوله سبحانه وتعالى: عند سدرة المنتهى، سدرة المنتهى هي سدرة، والمسميات في الآخرة تشبه مسميات الدنيا، ولكن الحقائق تختلف، كما صح: ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء. ولهذا جاء في تفسيرها في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وذكره شيخنا بالصحيح المسند مما ليس في الصحيحين: أن هذه الشجرة شجرة عظيمة، يسير الراكب تحت ظلها مئة عام، وأن النبق الواحد، يعني ورقة من أوراقها، يستظل تحتها أكثر من مئة رجل، وهي عظيمة جدًا جدًا. وسميت سدرة المنتهى؛ لأن إليها ينتهي صعود كل شيء، ومنها ينتهي نزول كل شيء، فلهذا سميت سدرة المنتهى، وهي في أعلى مكان. ولهذا قال المفسر رحمه الله بأنها قريبة من العرش، وهذا مأخوذ معناه من الأحاديث التي سبق الإشارة إلى بعضها. وقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾، أي من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنه رأى رؤية حقيقية على هيئته وكيفيته، أي رأى جبريل عليه الصلاة والسلام. ﴿وَمَا طَغَى﴾، أي ما مال بصره عن مرئيه المقصود له، ولا جاوزه تلك الليلة. وبعضهم استدل بهذا التعظيم والتفخيم أنه لله سبحانه وتعالى، والصحيح أن التعظيم والتفخيم هو لجبريل العظيم في خلقته، وخلقته العظيمة تدل على عظمة من خلقه سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية كما تقدم معنا إثبات معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة. قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، قال: العظام، بعضها، فرأى عجائب الملكوت رفرفًا أخضر إلى آخره. والمعنى أن الله عز وجل أراه آيات عظيمة كبيرة، وهو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج. قال: أفرأيتم اللات والعزى، وهذا من بلاغة القرآن ينتقل من العظيم إلى الحقير، يعني أفرأيتم هذا الذي تعظمونه، أين هذا الذي تعظمونه مع عظمة الله العظيم ومخلوقاته العظيمة؟ فإذا كان واحد من مخلوقاته جبريل عليه الصلاة والسلام يملأ خلقه ما بين السماء والأرض، والأفق مشرقًا ومغربًا، فكيف بالله العظيم؟ وأنتم تتعلقون بهذه المخلوقات الضعيفة في خلقتها، الضعيفة في صفتها. واللات والعزى كان من أشهر معبودات المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، اللات يقال: رجل صالح كان في جهة الطائف، وعظمه قومه، فلما مات جعلوا له وثنًا، وصاروا يزورونه ويعبدون ذلك الوثن تذكيرًا لهم بصلاح ذلك الرجل الصالح. والعزى نخلة أو شجرة كانت في موضع بين الطائف ومكة، وكانت تزار وتعظم. ولشدة تعظيمهم بهذه الأوثان والأشجار صار يفتخر بها هؤلاء العرب على غيرهم من القبائل، ويزعمون أنهم أقوى بهذه المعبودات الباطلة اللات والعزى ونحوها. ولهذا يوم بدر نادى المشركون أن لهم العزة ولا عزة لكم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجيبوهم بأنهم يقولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. وما هي إلا أوثان وأشجار ضعيفة في نفسها، ولا تملك نفعًا ولا ضرًا، فضلًا أن يجعل لها شيء من العبادات. وقوله سبحانه: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، كذلك صنم آخر من أصنامهم. والمراد أن الله عز وجل يريد أن يبين حقارة ما يعبدون، وما عظمة ما خلق الله سبحانه وتعالى، فضلًا عن عظمة الله العظيم جل وعلا. وهذا من الاستدلال بالقياس، وبذلك المفهوم، لعل هذا ينفع هؤلاء المشركين. وفعلًا هذه الآيات أثرت على المشركين تأثيرًا عظيمًا، وأوقعت في نفوسهم الشك فيما هم فيه. كما وقع ذلك لبعضهم، وقد مر معنا وسيأتي إن شاء الله: أن المشركين لما سمعوا هذه الآيات انبهروا وانبهرت نفوسهم، حتى لما سجد النبي صلى الله عليه وسلم - وهي أول سورة فيها سجدة تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم - فسجد النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن مسعود، فسجد كل من كان خلفه ومعه، وكان فيهم مشركون فسجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، إلا رجلًا أو رجلين. قال ابن مسعود: فرأيتهم قتلى في قليب بدر، فرأيتهم قتلى في قليب بدر. والشاهد من هذا لعظم ما في هذه السورة من بيان وحجج وبرهان، حصل لهم الذي حصل. نقف لهنا، ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه السلام.