تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

رد على زعم المشركين بشأن الملائكة

يتناول الرد على زعم المشركين أن الملائكة بنات لله، ويبين ظلم هذه القسمة. يُظهر كراهية المشركين للبنات ومع ذلك ينسبونهن إلى الله.

تحليل قسمة المشركين وظلمهم في العبادة

يتناول تحليل قسمة المشركين للملائكة والآلهة، ويبين أنهم يتبعون الظن وما تهوى الأنفس. يُظهر أن الملائكة جنس خاص لا يوصف بالذكورة ولا الأنوثة.

تعظيم الكعبة واستغلالها في الجاهلية

يتناول تعظيم المشركين للكعبة واستغلالها في أمور الجاهلية، مثل الاستشفاء بها وتحليف الناس عليها تعظيمًا لها. يُظهر بعض ممارساتهم التي تعد من عقائد الجاهلية.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ، وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى. «لكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى»، جائرة، من ضازه يضيزه إذا ظلمه وجار عليه، «إن هي» أي من يذكرونه «إلا أسماء سميتموها» أي سميتم بها أنتم وأباؤكم أصنامًا تعبدونها، «ما أنزل الله بها» لعبادتها «من سلطان» حجة وبرهان، «إن يتبعون» في عبادتها «إلا الظن وما تهوى الأنفس» مما زين لهم الشيطان من أنها تشفع لهم عند الله تعالى، «ولقد جاءهم من ربهم الهدى» على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع، فلم يرجعوا عما هم عليه. أم للإنسان -أي لكل إنسان منهم- ما تمنى، من أن الأصنام تشفع لهم، ليس الأمر كذلك، فلله الآخرة والأولى، فلا يقع فيها إلا من يليله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق من الآيات السابقات في هذه السورة العظيمة البليغة، سورة النجم، التي فيها محاججة المشركين الكافرين فيما كانوا عليه من كفر وشرك وعناد ومحادة للنبي صلى الله عليه وسلم وأذية، وهكذا كذلك للمؤمنين. وقد مر معنى في الآيات السابقات ما ذكره الله عز وجل من تعلق المشركين بآلهة اشتهرت في زمانهم، ومر معنى الكلام على ذلك، ثم ذكر ربنا سبحانه وتعالى هذه الآية: «لكم الذكر وله الأنثى»، ردًا على زعمهم أن الملائكة بنات لله سبحانه وتعالى. وهذا مراد بهذا الموضع؛ ليبين ويبرهن لمن كان عنده شيء من الإنصاف أن طريقتهم طريقة جائرة، وقسمتهم قسمة مقلوبة ظالمة، فكيف يجعلوا لله سبحانه وتعالى ما يتبرؤون عنه؟! فهم يكرهون البنات، وهذا كان من عوائد أهل الجاهلية المشركين الكافرين، ثم يجعلون الملائكة بنات لله سبحانه وتعالى. والصحيح أن الملائكة جنس خاص لا يوصف بالذكورة ولا الأنوثة، خلقهم الله عز وجل بخلقة خاصة سبحانه وتعالى، كما مر في سور كثيرة، آيات عديدة، وهذا مراد هنا، ومناسبته ليظهر لكل منصف مدى تعنت وظلم، وهكذا كذلك جور هؤلاء. ولهذا قال سبحانه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، قال: الجائرة، من ضازه يضيزه إذا ظلمه وجار عليه، وكما مر معناه في القاعدة: إذا اختلف المبنى اختلف المعنى، فضيزى شيء زائد عن الجائر والظالم، فهو ما بلغ في الظلم والجور غايته، فكان مقلوبًا معكوسًا، أي غاية ما يبلغه الظلم حتى إنه في أمر لا يمكن أن يكون. وهذا لا يكون إلا إذا كان القاضي والحاكم به والقاسم به غاية في التعنت والعناد والظلم والجور، ولهذا ضرب مع هذا المثل: كيف تجعلون لله العظيم ما تتنزهون أن تصفوا به أنفسكم؟! وأنتم المخلوقون الضعفاء، وإذا كان كذلك في مثل هذه القسمة، فهو كذلك فيما اتخذوا فيه الألوهية. ولهذا أتبعه بقوله سبحانه: «إن هي» أي تلك المذكورات «إلا أسماء سميتموها»، قال: أي سميتم بها، أي وضعتم لها هذه الأسماء، ليست هي من عند الله عز وجل، ولا نزل بها كتاب، ولا جاءت بها الرسل، فهي أسماء وضعتموها من عند أنفسكم، أنتم وآباؤكم، أي جيل بعد جيل. وليس المقصود جيلين فقط، ولكن المقصود أجيال تتتابع بعضها خلف بعض على الشرك والكفر، في عبادة هذه الأشجار والأحجار والأصنام والأوثان، ولهذا قال: أصنامًا تعبدونها، هذا من ذكر البعض، والمراد به الكل. والمقصود كل تلك الأسماء التي كان يعبدها المشركون، وهي كثيرة، منها ما هي أصنام، ومنها ما هي أوثان، ومنها ما هي أشجار، ومنها ما هي أحجار، «ما أنزل الله بها» قال: أي بعبادتها «من سلطان» قال: حجة وبرهان. وكما تقدم وتكرر وتقرر أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالسلطان ليس الحجة والبرهان، بل حجة وبرهان وزيادة، أي الحجة والبرهان الواضحة، ولهذا قال بعده: «إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس»، وهذا من الاستثناء المنقطع. فالظن وهوى النفس ليس من السلطان ولا البرهان، بل هو ضد السلطان والبرهان، فكأنه يقول: ليس لكم مسكة حجة ولا برهان إلا ما هو مضاد لذلك من الظنون والأهواء، أي أنكم جئتم في هذا كذلك. ولهذا قال المفسر رحمه الله: مما زين لهم الشيطان من أنها تشفع لهم عند الله، وكذلك كل ما اعتقدوه من معاني الألوهية والربوبية في هذه المعبودات، فقد اختلف مشركو العرب في وصف هذه المعبودات -الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار- فيما تتصف به. ولهذا ينزلونها منازل، ويدرجونها درجات، ويجعلون لها صفات، وكل هذا الذي جعلوه هو مما جاء من الشياطين، ومن الظن وهو النفس، وليس لهم فيه حجة ولا برهان، ومن ذلك أمر الشفاعة، وإن لهم اعتقدوا ما هو فوق الشفاعة وأكثر وأعظم. فكانوا يستشفعون بها، ويتقربون إليها، ويفعلون أنواع العبادات والقرابين وغير ذلك، رجاء نفعها، وكذلك خوفًا من ضرها. وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى﴾، قال: على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع، فلم يرجعوا عما هم عليه. والصحيح أنه عمّ من ذلك، جاءهم الهدى من الكتب المنزلة والرسل المرسلة، ومن ذلك ما ختم به برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من كتاب ووحي، فكل الأنبياء والرسل جاءوا بالتوحيد، ودعوا إليه، وحذروا من الشرك والكفر. ولهذا لما رسموا صورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الكعبة استقسموا بالأزلام، كذبهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومحاها بيده عليه الصلاة والسلام، أي تلك التصاوير، وتلى الآيات التي كان عليها إبراهيم عليه الصلاة والسلام من دعوته إلى التوحيد. وهذا من الهدى الذي جاءت به الأنبياء والرسل، فهم كذبوا حتى على الأنبياء، ليس على نبينا عليه الصلاة والسلام فحسب، بل كذبوا على الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «أم للإنسان ما تمنى»، قال: أي لكل إنسان منهم، من أن الأصنام تشفع لهم، وليس الأمر كذلك، والمعنى عمّ من هذا، يعني كل ما يتمنونه من تلك الأصنام والأوثان من أمر الشفاعة، وكذلك النفع والضر وغير ذلك. ولهذا كانوا يأخذون منها، ومن أطرافها، ومن حجارتها، ومن خيوطها، ما يستشفون به، وما يرجون به المنفعة أو دفع المضرة، وغير ذلك مما كان عليه عقائد المشركين الكثيرة، حتى إنهم كانوا يحلفون بها تعظيمًا لها. وهذا كله يدخل في هذا المعنى الذي ذكر في هذا الموضع، وفي هذه الآية إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.