تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 8

تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 8

الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صفات المؤمنين وجزاؤهم يوم القيامة

تتحدث الآيات عن صفات المؤمنين الذين يتصدقون ويقرضون الله قرضا حسنا، وجزاؤهم المضاعف والأجر الكريم يوم القيامة. كما تشرح القراءات المختلفة للآية ودلالتها على معاني الصدق والتصديق.

تفسير آية والْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ

يفسر المقطع الآية الكريمة ويشرح معنى المصدقين والمتصدقين، ويبين أن الصدقة ليست بالكم بل بالكيف، ويوضح أن المضاعفة للصدق والصدقة تكون بدرجات متفاوتة حسب العمل والإيمان.

مرتبة الصديقين والشهداء وجزاؤهم

يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بمرتبة الصديقين والشهداء، ويشرح معنى تضعيف العمل الصالح ومجازاة الله للذين آمنوا، كما يبين مرتبة الصديقين والشهداء وجزاءهم يوم القيامة.

ختام الكلام والحمد لله

المقطع يشير إلى انتهاء الحديث والحمد لله، مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. قاله - فصل - رحمه الله: «إن المصدقين من التصدق، أضغمت التاء في الصاد، أي الذين تصدقوا، والمصدقات التي تصدقت، وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق والإيمان. وأقرضوا الله قرضا حسنا راجع إلى الذكور والإناث بالتغليب، وعطف الفعل على الإسم في صلة "أل" لأنه فيها محل الفعل، وذكر القرض بوصفه بعد التصدق تقييد له. يضاعف - في قراءة - يضاعف بالتشديد، أي قرضهم، لهم ولهم أجر كريم. والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون المبالغون في التصديق، والشهداء عند ربهم على المكذبين من الأمم، لهم أجرهم ونورهم. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا، أولئك أصحاب الجحيم النار». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات من هذه السورة، سورة الحديد، وفي سياق ذكر صفات المؤمنين، وما يكون لهم من الجزاء الوفير والأجر الكثير والنعيم المقيم يوم القيامة، جزاء ما كان من أعمالهم المبرهنة والمصدقة لإيمانهم. ومن ذلك ما ذكره الله عز وجل من صفاتهم بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾. وفي إحدى القراءات السبعية المشهورة بالتخفيف، كما أشار إليه بالتعليق، قراءة ابن كثير وشعبة: «إن المصدقين والمصدقات» بدون تشديد. وهاتان القراءتان قراءتان سبعيتان صحيحتان. ولا شك أن في اختلاف المبنى اختلافا للمعنى على القاعدة عند أهل العربية، وزيادة المبنى يدل على زيادة المعنى. فقراءة التخفيف فيها معنى الصدق، ويدخل فيه الصدقة، فيتناول معنى التصديق المعنوي، فيدخل كل عمل صالح رغب الشرع بالتنافس فيه. وأن من فعل ذلك فقد قدم لنفسه قرضا ينتفع به يوم القيامة. وبالقراءة الأخرى بالتشديد، كما قال المفسر - رحمه الله - من التصدق، أضغمت التاء في الصاد. ويذكر علماء اللغة والصرف أن هذا الإدغام سببه تقارب المخرج، والعبرة بالسماع، هذا هو الصحيح أن العبرة بالسماع. وإدغام التاء في الصاد يفيد زيادة معنى، فالتاء من الأحرف التي يؤتى بها لمعنى الطلب. ومعناه أنهم يطلبون فعل ذلك، أي أنهم ليسوا فقط يتصدقون، ولكنهم يبحثون عن مواضع صدقة. وهذا المعنى يدل على المبالغة النسبية في طلبهم لهذا العمل الصالح. ومن كان هذا حاله في هذا العمل الصالح، فلا ينافيه أن يكون عنده تصديق وصدق في أعماله الصالحة الأخرى، لأن الصدقة من برهان الإيمان وصدق الإسلام. والمرء في ظل صدقته يوم القيامة. والصدقة تصلح حال صاحبها، لأنها إخراج للبخل والشح من القلب، وكذلك الخبث من المال. كما قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فهي تطهر القلب وتزكي العمل. ولا تجد إنسانا موفقا في الصدقة إلا وتجد من براهين معنى هذه الآية الشيء الكثير، ذلك تصديقا لقول الله عز وجل: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. فمن داوم على فعل الصدقة فالأفلح في تطهير قلبه وتزكية عمله. ومن كان هذا حاله فإنه يوصف بالصدق. وهذا قوله في الآية والقراءة الأخرى: «إن المصدقين والمصدقات» بالتخفيف. وعلى القراءة الأخرى: «المتصدقين والمتصدقات» على قراءة الإدغام. «إن المصدقين» فبالتشديد «مصصدقين»، بالتخفيف «مصدقين»، أو «مصدقين مصدقين»، يعني معنى الصدق، ويدخل فيه الصدقة. وقوله جل وعلا: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، الله غني عن أن يستقرض أحدا، ولكن المعنى أن الله سبحانه وتعالى يكتنز ذلك العمل الصالح ليوم عظيم ينتفع به هذا العامل، صدقه وصدقته. وقوله المفسر - رحمه الله -: «راجع إلى الذكور والإناث» يعني في أول الآية: ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾، وقال: «بالتغليب» لأن الغالب أن هذا يكون سواء لجنس الذكور والإناث. والنساء شقائق الرجال كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كانت الصدقة من الرجال أكثر، لكن لا يعني أن النساء محرومات من الصدقة. وهنا تنبيه نبه عليه العلماء أن الصدقة ليست بالكم بقدر ما هي بالكيف. فرجل تصدق بنصف ماله، وماله قليل، خير من رجل تصدق بعشر ماله، وماله كثير، ولو كان عشر المال أضعافا مضاعفة من ذلك النصف، لأنه عنده من الإيمان واليقين ما دفعه أن يتخلص عن نصف ماله صدقة لله. ولا شك أن الأول أجره أكثر من الثاني، ولو كان ماله المخرج أقل من الثاني. فإذا كان كذلك فالمرأة لو تصدقت بمال قليل فهو عند الله كثير. هو عند الله كثير، فلا تستصغر شيئا من الصدقة. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة حتى ولو بشق تمرة. شق التمرة نصفها ينفع المرأة يوم القيامة، فلا تبخل على نفسك بشيء يسير من الصدقة. وقوله - رحمه الله -: «وعطف الفعل على الإسم في صلة "أل" لأن فيها محل الفعل» يعني جملة «أقرضوا» معطوفة على «المصدقين والمصدقات»، فصلة «أل» حلت محل الفعل. هذا وجه. ووجه آخر عند اللغويين أنه لا مانع من عطف الجملة الفعلية على الإسمية، فيكون فيه إضافة معنى مما لا يخفى في الفرق بين الجملة الإسمية والجملة الفعلية الدالة على اللزوم والجملة الفعلية الدالة على التجدد. ومعناه أن فعل المتصدقين والصادقين جمع بين الثبوت والتجدد، جمع بين الثبوت، أي استمرار، وتجدد، تنوع، تنوع الصدقات وتنوع أبواب الصدق. ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾، قاله في قراءة: «يضعف» بالتضعيف. وكما أشار في التعليق، قراءة سبعية مشهورة، قراءة ابن كثير، ابن عامر، والبقية قرأوا بغير ذلك. ولا شك أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. وقد تقدم وتقرر وتكرر أن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى. فيضاعف مرة، ويضاعف مرات. ومعناه أن المصدقين والمصدقات يكون لهم من المضاعفة درجات، ويتفاوتون في ذلك بقدر ما يكون من الصدق وغير ذلك مما يكون مع العمل. ولذلك قد يكون عمل واحد وصدق واحد سببا في الفوز بالشيء العظيم في الجنة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم» لماذا؟ لأنه تصدق بصدقة كانت سببا في تحقق هذا الوصف. إذن يصح بحق عثمان: «يضاعف» أو «يضعف»، يضعف، يضعف، ضعف له الثواب في الآخرة حتى وصل إلى أعلى درجاتها. وقوله سبحانه: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، هذا معناه أن هذه المضاعفة غير الأجر، فإذن هناك جزاء على الأجر، وهناك جزاء على ذلك العمل. فإذن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ضعاف كثيرة. وهذا من الأجور. والأجور لها أنواع المجازات يوم القيامة. وكذلك هذا العمل نفسه يضعف، يضعفه الله، كما جاء في الحديث أن الله ينميه له كما ينمي أو يعتني أحدنا بفلوه. فمعناه أن الصدقة نفسها والعمل الصالح يتضاعف، فضلا عن مضاعفة الأجور والحسنات. إذن هما أمران يحصل بهما المجازاة: العمل نفسه يضعف ويضاعف، وحسناته وأجور ذلك العمل كذلك. وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ﴾، قال: «المبالغون في التصديق» يعني من كان هذا وصفه فهو المبالغ في صدقه. وكما يذكر البلاغيون: تعريف طرفي الجملة يفيد الحصر. وطرفي الجملة هنا هو «أولئك» و«الصديقون»، و«هم» ها هنا ضمير أفاد هذا الحصر. وهذا من الفوائد العظيمة التي اجتهد من تراكيب الجمل العربية في إضافة معاني فوق الألفاظ. فضلا عن قوله: «الصديقون» الذي فيه مبالغة في التصديق، أي من حقق الإيمان بالله ورسوله حقا وصدقا فقد وصل إلى هذه المرتبة، وهي مرتبة أعلى من مرتبة الشهداء، مرتبة بعد مرتبة الأنبياء. كما قال الله عز وجل في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. وهذا ترتيب تنازلي، بدأ بالأعلى ثم الأدنى. ومعناه أن منزلة الصديقين بعد منزلة النبيين. ووصف في هذه الأمة من الله وبوحي من الله أنه صديق خير هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم: من؟ أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه. وهكذا يوجد آخرون يعلمهم الله ولا نعلمهم. وممن أعلم أن الله إياهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، لتصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في مواضع كثيرة. وقوله سبحانه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، قال: «على المكذبين من الأمم». الشهداء يتناول معنيين اثنين: الشهيد في أرض المعركة، وشهيد على صدق ما جاء به الأنبياء والرسل وأتباعهم، وهو شهيد. فإن الله يشهد محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم. فتفسير المؤلف - رحمه الله - تفسير ببعض المعنى، أحد المعنيين لمعنى الشهداء. فالشهداء يتناول معنيين اثنين: شهيد المعركة، وشهيد الحجة والبرهان، وهم العلماء. فالعلماء في مرتبة الشهداء، لأن الشهيد بدل جسده وماله، والعالم بدل علمه ووقته، وكذلك ربما وماله. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب الجحيم. جزاء هؤلاء أجر ونور، نور في الدنيا ونور في الآخرة، لما كان من صالح عملهم. وقدم الأجر على النور ليس لأجل الترتيب، ولكن لأجل الفضل، كأنه يقول: فضل الأجر أعظم من فضل النور. ومع ذلك فكله محفوظ لهم. فالواو لا تفيد الترتيب، فلهم الأجور العظيمة في الدنيا وفي الآخرة، ولهم كذلك النور العظيم في الدنيا وفي الآخرة. ولذلك يجعل الله عز وجل القبول لأهل الصدق وأهل الشهادة بما يكون من صالح العمل الذي هم فيه. وهذا من النور الذي جعله الله عز وجل لهم. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب الجحيم. وهذا كذلك فيه ما سبق أن هذا هو وصف أصحاب الجحيم، وحصرهم بهذا الوصف، سواء كان التكذيب بالقول أو كان التكذيب بالعمل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا وإياكم من النار وأهلها، ونجعلنا وإياكم من خاصة أهل جنته ورحمته ورضوانه. إلى هنا والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.