تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صفات المؤمنين الحقيقيين واستحقاق الفيء

يشرح المقطع صفات المؤمنين الحقيقيين الذين يستحقون الفيء، ويبين شروط استحقاق الفيء ومعنى الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار. كما يذكر آراء بعض العلماء حول استحقاق بعض الطوائف للفيء.

أقسام الناس في الإسلام وفضل الصحابة

المقطع يشرح أقسام الناس في الإسلام وفضل الصحابة، ويبين وجوب الاستغفار لهم وعدم التنقص منهم، ويحذر من سبهم أو انتقاصهم لأنه ينافي كمال الإيمان وقد يزيله.

تآمر اليهود والمنافقين ضد المسلمين ونتائج مواجهتهم للنبي

يتناول المقطع تآمر اليهود والمنافقين ضد المسلمين وكيف فضح الله نواياهم، كما يبين نتائج مواجهتهم للنبي عليه الصلاة والسلام وخروجهم من ديارهم بذل وصغار.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا، وإن قوتلتم لننصرنكم، والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار، ثم لا ينصرون. قال المفسر رحمه الله: والذين جاءوا من بعدهم، من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً، حقدًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. ألم تر، تنظر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب، وهم بنو النظير، وإخوانهم في الكفر؟ لئن أخرجتم -واللام مقسم بها في المواضع الأربعة- من المدينة لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم في خذلانكم أحدًا أبدًا، وإن قوتلتم -وحذفت منه اللام الموطئة- لننصرنكم، والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم -أي جاءوا لنصرهم- ليولن الأدبار، واستغنى بجواب القسم المقدر عن جواب الشرط في المواضع الخمسة، ثم لا ينصرون -أي اليهود-. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه، وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا بهذه الآيات في سورة الحشر، آيات عظيمات تصف لنا حال ما وقع لليهود، وما كان معه من حصول بعض المواقف التي صار فيها امتحان للمسلمين، كما كان فيه نصر، وذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية القسم الثالث من الفقراء الذين يستحقون الفيء، وهم الذين يأتون من بعد المهاجرين والأنصار. والذين جاءوا من بعدهم، قال: من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، أي التابعون، بل وقبل ذلك المخضرمون، وهم الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار وأدركوا زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم التابعون، واتباع التابعين إلى قيام الساعة. ولكن هؤلاء الذين يستحقون الفيء قيدوا بهذه الأوصاف الثلاثة: والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. فالشرط الأول أن يكونوا من أهل الإيمان، يقولون حال كونهم مؤمنين كمن سبقهم من المهاجرين والأنصار. والوصف الثاني أنهم يستغفرون لمن سبقهم من المهاجرين والأنصار، أي لا يذكرونهم إلا بالجميل. والشرط الثالث أن ليس في قلوبهم غل، ليس فقط لا يصدر منهم نقص، ولا سب، ولا شتم، بل كذلك قلوبهم سليمة، قلوبهم سليمة لأهل الإسلام. بهذه الشروط الثلاثة يستحق هذا القسم الثالث هذا الفيء، أن يكونوا من أهل الفيء. ولهذا أفتى إمام مالك رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم، أن الرافضة لا يستحقون من الفيء شيئًا؛ لأنهم يسبون الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، إلا نزرًا يسيرًا. وهكذا الناصبة الذين يسبون، ويتنقصون طائفة من أهل البيت. الرافضة سبوا كل الصحابة إلا اليسير من أهل البيت، والناصبة سبوا أهل البيت دون سائر الصحابة. وكل طائفة من هؤلاء على ضلال، ولا يستحقون كذلك من هذا الفيء. والواجب على المسلمين جميعًا أن يكونوا من هذا القسم الثالث. كما روي عن ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى أنه كان يقول: الناس ثلاثة: مهاجرون، وأنصار، ومتبعون لهم بإحسان، ولا تكن في غير هؤلاء فتهلك، أي لن ينجو ولن يسلم إلا هؤلاء الثلاثة: المهاجرون، والأنصار، والمتبعون لهم بإحسان. وروي عن عائشة رضي الله عنها، ومعناه عن ابن عباس، أنهم قالوا رضي الله عنهم أجمعين: أمر الناس أن يستغفروا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ويدعوا لهم، فسبوهم -يعني يريدون الناصب والرافضة ومن كان على شاكلتهم-. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: علم الله أنه سيمتحن، ويبتلي الناس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فأمرهم في هذه الآية بما يعينهم على الامتحان، فلم يسلم إلا القليل، أو كما قال رضي الله عنهما. والمعنى من هذه الآثار أن هذه الآية أفادت أحكامًا، من أهم هذه الأحكام أولًا ما يتعلق بالفيء: أن من أقسام الفيء، أو من القسم الثالث من الفقراء الذين يستحقون الفيء، من كان بعد المهاجرين والأنصار، ولكنه متبع لهم بإحسان. وتفسرها آية سورة التوبة بقول سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وهكذا كذلك فيه ثانيًا فضل الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار، وأن الواجب لمن جاء بعدهم أن يستغفر لهم، وأن كذلك لا يجعل في قلبه غلًا، ولا حقدًا، ولا حسدًا، ولا تنقصًا لأحد منهم رضي الله عنهم أجمعين. ومن كان منه ذلك، فإن ذلك ينافي كمال الإيمان، بل قد يزول الإيمان به. ولهذا نص بعض أهل العلم في كتب العقائد أن سب الصحابة منافي لكمال الإيمان، وقد يزيله بالكلية. إذا تنقص من نص الله على فضله، فإنك بهذا كذبت القرآن. وهكذا ما جاء في السنة كذبت السنة. وقد جاء عن عدد من الأئمة أن من تنقص أبا بكر رضي الله عنه، وعائشة ونحوهما رضي الله عنهما، وعن جميع الصحابة ممن ذكر الله فضلهم في القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم في السنة بالتخصيص، أن هذا تكذيب للقرآن والسنة، وهذا يعد كفرًا. والأمر الثالث أن في هذه الآية أن أهل الإسلام ثلاثة أقسام، فإما أن تكون من المهاجرين والأنصار من الصحابة، أو ممن اتبعهم بإحسان، ولا تكون الثالث فتهلك، وكما روي عن بعض السلف أنه كان يقول: كن شمسًا أو قمرًا أو نجمًا يقتدي بهم، ولا تكون غير ذلك فتزيغ، أو كما قال رحمه الله تعالى. فالشمس والقمر الأم والأب، والنجوم التوابع هم المكملات، فكذلك أراد رحمه الله تعالى. ثم أتبع سبحانه وتعالى بذكر حال اليهود والكفار والمنافقين، كيف يتآزرون ويتناصرون ويتكلمون بالكلام الذي يظهر أنهم لحمة واحدة، وكأنه يقول: يا أهل الإسلام، أنتم أولى بهذا من هؤلاء، أنتم أولى بهذا من هؤلاء. وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قال: تنظر، وتقدم معنا أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالمبنى هنا مختلف، النظر ليس هو عين الرؤية، ولكن قرب به المعنى، فقالت: تنظر. وفي أمر الله عز وجل نبيه والمؤمنين بالرؤية فيه أمر كذلك، فيه إخبار كذلك بإثبات الرؤية له سبحانه وتعالى؛ لأن الذي أمرك أن ترى يكون قد رأى ماذا قبلك، يكون قد رأى قبلك، وهو من باب إثبات الرؤية لله سبحانه وتعالى. يعني ألا ترى ما على هؤلاء؟ فقد رأينا ذلك ونخبرك بكذا وكذا مما أخبر الله عز وجل به كل آية بحسبها. وقوله: إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب، قال: وهم بنو النظير، وإخوانهم في الكفر، يعني ما وقع من تآلف وتحالف وتعاهد بالخفاء في نقض العهد وخيانة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين. الله عز وجل علم بذلك وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم، إذن تحالفت طوائف الكفر والنفاق: المنافقون في المدينة، واليهود ومنهم بنو النظير حول المدينة، والمشركون في مكة ومن حولها، وذلك كما مر معنا في أول الآيات حين خرج مجموعة من اليهود إلى المشركين وحصل بينهم التآمر على نقض العهد، فأخبر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك. فهؤلاء الطوائف تعاهدوا عهدًا على هذا التناصر، وأن يكونوا يدا واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ففضحهم الله سبحانه وتعالى. وقوله: لئن -قال: لا مقسم في الأربعة- ويريد كما أشار بالتعليق: لئن أخرجتم، لئن أخرجوا، لئن قوتلتم، لئن نصروهم، يعني كلها لا مقسم في هذه المواضع الأربعة. قال: أخرجتم من المدينة لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم -قال: أي في خذلانكم- أحدًا أبدًا. وإن قوتلتم -قال: حذفت منه اللام الموطئة- لننصرنكم، والله يشهد إنهم لكاذبون، أي أن الله عز وجل يعلم أنهم أهل الدعوى باللسان، أهل الدعوى باللسان، فأظهروا التناصر والتآذر، ولكنهم عند الحقيقة لم يقع منهم ذلك. فلما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم ما تجاسر المشركون أن يأتوا لينصروا هؤلاء، بل قعدوا مقعد المتفرج، ولا تجاسر المنافقون أن ينصر هؤلاء، بل قعدوا مقعد المتفرج. وهذا هو ما أخبر الله عز وجل به في هذه الآية، وفي الآية التي بعدها. ففي الآية إشارة إلى ثلاثة أمور: الأول فضحهم الله بما كان من تآمرهم. والثانية فيه إشارة لأهل الإسلام أنهم أولى بالتآذر والتناصر من هؤلاء المنافقين، ولو كان باللسان. الأمر الثالث فيه تكذيب هؤلاء المنافقين ومن كان معهم من المشركين في زعمهم وحلفهم بالأيمان أنهم سينصرون، وسينصرون هؤلاء اليهود من أن يصيبهم شيء من الضر، فكان الخذلان. وقول سبحانه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ الآيات، أي قال: جاءوا لنصرهم، هذا دعوى المنافقين: ﴿لَيُوَلُّنَ الْأَدْبَارَ﴾ قال: واستغنى بجواب القسم المقدر عن جواب الشرط في المواضع الخمسة. والمعنى كما أشار في التعليق في قوله قال: هي الأربع المتقدمة المشار إليها في التعليق السابق، يعني: لئن أخرجتم، لئن أخرجوا، لئن قوتلوا، لئن نصروهم، والخامس: وإن قوتلوا، فهذه كلها أقسام بعضها وارد على بعض. وفي قوله: ﴿لَيُوَلُّنَ الْأَدْبَارَ﴾ استغنى بهذه الجملة عن ذكر جواب القسم المقدر عن جواب الشرط لظهور المعنى، والمعنى لا يكون ذلك منهم. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ لا ينصرون، قال: أي اليهود، أي المعنى كلها دعاوى كاذبة. وهأنتم ترون في الواقع: أجل الله عز وجل بما أوحى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام اليهود فأخرجوا في غاية من الذلة والصغار، وقد جردوا من أسلحتهم ومن ممتلكاتهم إلا ما أذن لهم بحمله في مركوبهم، ولم ينصرهم أحد، لا أهل النفاق، ولا كذلك أهل الشرك من أهل مكة وما حولها. طيب الله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.