تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 7

تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 7

الدرس في تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آية المشي على الوجه أو الصراط المستقيم

يشرح المقطع الآية الكريمة من سورة الملك، حيث يقارن الله بين حال المؤمن والكافر، ويوضح أن الكفار سيعاقبون يوم القيامة بمشيهم على وجوههم. يُفسر المقطع أيضًا تفاوت استقامة المؤمنين يوم القيامة.

أهمية طريقة مشي الإنسان في الدنيا

يُنبه المقطع إلى أهمية طريقة مشي الإنسان في الدنيا لأنها ستكون من جنسها يوم القيامة، ويشرح عدل الله في معاملة الإنسان حسب عمله. يُظهر المقطع أيضًا قدرة الله في خلق الإنسان وتعدد طباعه وأشكاله.

تفسير نعم الله والبعث والنشور

يشرح المقطع تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن نعم الله على الإنسان، مثل السمع والبصر والأفئدة، ويبين قلة شكر الناس لهذه النعم. كما يفسر قوله تعالى 'قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ'.

دور الإنذار والبلاغ في رسالة النبي

المقطع يشرح أن العلم الحقيقي عند الله، وأن دور النبي وأتباعه هو الإنذار والبلاغ، ويُنكر على المشركين تكذيبهم بالبعث والنشور. يُبين أن الإنذار بالبعث هو المقصود من رسالة النبي.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم؟ قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلا ما تشكرون. قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون، ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين. قال المفسر رحمه الله تعالى: أفمن يمشي مكبًا واقعا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا معتدلا على صراط طريق مستقيم، وخبر من الثانية محذوف دل عليه خبر الأولى، أي أهدى، والمثل في المؤمن والكافر، أيهما على هدى؟ قل هو الذي أنشأكم خلقكم، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة القلوب، قليلا ما تشكرون، ما مزيدة، والجملة مستأنفة مخبرة بقلة شكرهم جدا على هذه النعم. قل هو الذي ذرأكم خلقكم في الأرض وإليه تحشرون للحساب، ويقولون للمؤمنين متى هذا الوعد وعد الحشر إن كنتم صادقين فيه، قل إنما العلم بمجيئه عند الله وإنما أنا نذير مبين بينوا الإنذار. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات بهذه السورة سورة الملك التي استفتحت بعظمة الله عز وجل وسعة ملكه وواسع قدرته جل وعلا، ثم ما تبع من ذكر أحوال الكافرين والمؤمنين مع ما جاءت به الرسل عليهم أفضل الصلاة والتسليم، إلى هذه الآية بقوله سبحانه: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وهذا مثل جعله الله عز وجل في حال المؤمن والكافر والبر والفاجر في هذه الدنيا. فلما كان الكفار والفجار يسيرون في هذه الدنيا سيرا معوجا منقلبا عن الحق والهدى معرضون عنه، فإن الله عز وجل يجازيهم من جنس العمل يوم القيامة، فيمشون مكبوبين على وجوههم، كما جاء بالصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وله ألفاظ، وجاء مطولا خارج الصحيحين بأسانيد حسنة أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يمشي على وجهه يا رسول الله؟ أي الكافر يوم القيامة، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي أمشاه على قدميه قادر على أن يمشيه على وجهه»، وهو على كل شيء قدير. ومعناه أن الله عز وجل يمشيهم مشيا حقيقيا فيه هذا الإذلال والتعذيب، كما كانوا يمشون على هذا الاعوجاج والانقلاب عن الفطرة والاستقامة، فيعذبهم الله من جنس ما كانوا عليه في الدنيا، فيمشون مكبوبين على وجوههم، أي واقعين منحني ظهورهم وجوههم إلى الأرض، وجوههم إلى الأرض عذابا وعقوبة من الله سبحانه وتعالى، كما كانوا كذلك في هذه الدنيا. وذكر المؤمنين أنهم يمشون على صراط مستقيم مستوين، أي في هذه الدنيا، وكذلك يوم القيامة، واستقامة الناس تتفاوت أهل الإيمان، ولذلك فهم يتفاوتون في هذه الاستقامة كذلك يوم القيامة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في سير الناس يوم القيامة على الصراط، فمنهم من يمره كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يعد عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يكردس في نار جهنم والعياذ بالله، وهذا كذلك الجزاء من جنس العمل. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن أعمالنا في الدنيا وعاقبتنا بالآخرة، اللهم آمين. فانظر أيها المسلم ويا أيها الإنسان كيف مشيك في هذه الدنيا، فإنه سيكون من جنسه يوم القيامة، بعدل الله سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير. وهذه الآية في الحقيقة لمن تأملها وتدبرها عظيمة فضيعة، فإنها تحكي واقع الناس بشيء من المثال الذي يؤثر على القلوب. وفي هذه الآية ضرب الأمثال التي فيها العظة والعبرة للناس، وفيه كذلك كما ذكر غير واحد من أهل العلم العمل بالقياس، وفيه عدل الله سبحانه وتعالى، وفيه كذلك العمل بالإلحاق، فمن عدل الله أن الإنسان يعامل من جنس عمله يوم القيامة، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، حتى في سيره، فمن كان سيره معوجا فإنه يأتي معوجا يوم القيامة، وإنما الأعمال بالخواتيم. ومن كان سيره مستقيما فإنه يكون كذلك يوم القيامة، ومن كان سيره سريعا في الخير فيسرع به إلى جنة الله عز وجل، ومن كان سيره بطيئا فإنه يبطأ به، وليس يبطأ به على وجه ليس فيه امتحان وابتلاء وزلزال، لأنه يسير في جسر فوق نار جهنم، فكيف يكون حال الإنسان وهو يسير فوق نار جهنم في جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، كما جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وليس هذا بحسب، بل هو لا يدري ما عاقبته وأين منزلته، فهو يسير والنار تحته، ولا يدري في أي جهة سيكون، فهو امتحان وزلزال عظيم. وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ﴾، قال: خلقكم، والإنشاء أعظم من الخلق، فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، الإنشاء الخلق بإتقان وبتدرج، فالله عز وجل خلق هذا الإنسان على وجه التدرج، فآدم عليه الصلاة والسلام خلقه من طين وماء، ثم نفخ فيه الروح، وليس طين عادي، بل جمع من نواحي متنوعة من طين الأرض، فخرج منه ما نرى من ذريته من أثر ذلك الطين الذي أنشأه الله عز وجل منه: الأبيض والأحمر والأصفر والأسود والوسط بينهما في الألوان، وهكذا كذلك في الطباع: الرطب والقاسي وغير ذلك من طباع الأرض، وكذلك في قبولها للنبات والخضرة والصحراء والجذباء والصخر وغيره. وهذا الذي نراه من تنوع الناس وطباعهم وأخلاقهم هو من تنوع ما أنشأ الله عز وجل فيه أصل هذا الإنسان، فهو إن شاء عجيب بديع، فيه من عجيب قدرة الله سبحانه وتعالى في الخلق ما نراه في بني آدم، فلا تكاد تجد على كثرة ذرية آدم بمليار المليارات، ولا تجد اثنين يستويان أبدا، لا يوجد من يتماثلان نسخة واحدة أبدا، حتى التوأم الذين هم توأم، أخلاف الله عز وجل في أخلاقهم وأشكالهم وألوانهم وبصمات أناملهم وغير ذلك، وهذا من عظيم صنع الله عز وجل لهذا الإنسان، ثم ذريته من بعده، ثم ذريته من بعده، خلقهم الله عز وجل على نحو أعجب أعجب. فقد خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من أب من دون أم، وخلق عيسى عليه الصلاة والسلام من أم دون أب، وخلق بقية الناس من أب وأم، ويمرون في خلقهم على نحو عجيب بديع كله يدل على عظمة الله سبحانه وتعالى وعظيم قدرته. وهكذا كما أنشأهم من هذه الأرض فإنه يعيدهم إليها سبحانه وتعالى. ثم أعطاهم من نعم الله الكثيرة، ومنها في أجسادهم، وهذا قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾، قال: أي القلوب، والأفئدة ليست القلوب المجردة، فالفؤاد هو القلب الذي يميز، فالله عز وجل لم يرزق الإنسان قلبا كقلب سائر المخلوقات، قلب الإنسان يختلف كثيرا، وهذا هو الفؤاد، فهو الذي يميز بين الحق والباطل والخير والشر إلى آخره. قليلا ما تشكرون، قال: ما مزيدة، وكما مر معنا وتكرر وتقرر لا يوجد في القرآن شيء زائد، بل الصحيح أنها توكيد، فالإتيان بها يزيد في قوة المعنى وإثبات المثبت، فيكون المعنى قليلا فعلهم للشكر. وقوله: والجملة مستأنفة مخبرة بقلة شكرهم، يعني أنهم لم يشكروا الله عز وجل على هذه النعم وغيرها مما أعطوه: لا السمع ولا البصر ولا الأفئدة، السمع يسمعون فيعتبرون، والبصر ينظرون فيتبعون، والأفئدة يعقلون فيميزون، وكل هذا لم يفعلوا، فأعرضوا عن الحق والهدى الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل زادوا ذلك بالعناد والمكابرة والاستهزاء كما سيأتي في الآية بعدها. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، قال: خلقكم، ولا شك أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فإن مبنى ذرأ ليس مثل خلق، فمعناه المنتهى الذي ينتهي إليه الخلق، صحيح لكنه خلق لكيفية خاصة، وهو الذي ذرأكم في الأرض، أي بثكم وضعكم كوضع الزرع وبدره إذا وضع في الأرض، فهو سبحانه وتعالى ابتدأ الخلق كذلك، ويميتهم كذلك، ثم يعيدهم إليه سبحانه وتعالى. والمقصود من هذا ضرب المثل فيما هو من جنس فعل الذرء، وهو الزرع، ما يكون من ذرع الحب الذي يزرع منه، فهذه الشجرة التي كانت حية بأشجارها وخضرتها وثمارها وأزهارها تدل على حياة بكل معانيها بما فيها من الكمال والجمال والخضرة والنظرة، ومع ذلك يميتها الله عز وجل حتى تكون حطيما وورقا يابسا وخشبا ناخرا، ثم يعيدها الله عز وجل من بذره الذي كان جمادا ميتا يابسا مرة أخرى شجرة أخرى، وهو على كل شيء قدير. فإذا كان هذا في الشجر وهو أقرب مثال يقرب به المعنى، فكيف بهذا الإنسان؟ والمعنى الذي أعاد هذه الأشجار قادر على أن يعيد هذا الإنسان بعد موته. والتعبير بالذرأ كذلك يوحي بأن خلق الإنسان أشبه بخلق الزراعة، وهذا ما صحت به السنة في حديث أبي هريرة وغيره عند الإمام أحمد وغيره، وجاء بألفاظ وأسانيد أن الناس ينبتون من عجب ذنب، عجب الذنب أي آخر فقرة في الظهر، وتمطر السماء بمطر كمني الرجال، يعني مطر ثخين ليس كمطر الدنيا اليوم، تمطر السماء بماء لكن ما يسبق البعث والنشور، تمطر السماء بمطر ثخين كمني الرجال، فينبت الناس من هذا العظم كما ينبت الزرع، فيخرجون يبعثهم الله عز وجل للبعث والنشور. وهذا عبر عنه بهذه الكلمة اليسيرة: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، يعني إلى الوقت المعلوم، فأجساد الناس تنتهي في الأراضي والبحار والجبال وبطون السباع إلا هذا فإنه يبقى منه ينبت الإنسان وقت البعث والنشور، فيكون مثل الشجرة التي تنبت من بذرها إذا ذرأتها في الأرض، ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، هذا هو الحشر الذي يحشر إليه الناس، ويكذب به المشركون. ويقولون: متى هذا الوعد؟ أي الكفار يقولون للمؤمنين مكذبين للحشر والنشور، وهذا هو قول: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ على وجه الاستهزاء والسخرية، فيكون ما أراد الله عز وجل في وقته. قل إنما العلم يعني أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه من أمته من بعده أن المكلفين به أي الرسل وأتباع الرسل هو النذارة والبلاغ، قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين، أي لأبين الإنذار بالبعث والنشور وما توعد الله عز وجل به كل مكذب، وهذا هو المقصود، هو الإنكار على المشركين إنكارهم البعث والنشور الذي كذبوا به. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.