تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

قصة أصحاب الجنة وندمهم

يروي المفسر قصة أصحاب الجنة الذين خسروا محصولهم بسبب نية منع الفقراء، وندمهم على فعلتهم. القصة تحمل عبرة لمن يمكر بدين الله أو بعباده.

تفسير الآيات المتعلقة بقصة أصحاب الجنة

يتناول المقطع تفسير الآيات التي تروي قصة أصحاب الجنة وندمهم، ويُظهر كيف أن نية الشر تؤدي إلى نتائج عكسية وتوجب العقوبة. يُفسر أيضًا الآية الكريمة ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبَدِّلَنَا﴾.

عبرة القصة وعذاب الآخرة

تُظهر قصة أصحاب الجنتين عبرة لمن خالف أمر الله، وأن العذاب قد يكون في الدنيا أو الآخرة. يؤكد النص على أن عذاب الآخرة أكبر وأشد مما يلقاه الكافرون في الدنيا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبَدِّلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ قال المفسر رحمه الله تعالى: ﴿وغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ منع للفقراء، ﴿قَادِرِينَ﴾ عليه في ظنهم، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ سوداء محترقة، ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ عنها، أي: ليست هذه، ثم لما علموها، ثم قالوا: لما علموها ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ثمرتها بمنعنا الفقراء منها، قال أوسطهم خيرهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِحُونَ﴾ الله تائبين، ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بمنع الفقراء حقهم، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ هلاكنا، ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾، ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبَدِّلَنَا﴾ بالتشديد والتخفيف خيرا منها، ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ليقبل توبتنا ويرد علينا خيرا من جنتنا. روي أنهم أبدلوا خيرا منها. ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: مثل العذاب لهؤلاء العذاب لمن خاف أمرنا من كفار مكة وغيرهم، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ عذابها ما خالفوا أمرنا. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة سورة القلم، وما فيها من العظات والعبر. ضرب الله عز وجل مثلا في أصحاب الجنة، أي: البستان، وما آل إليه أمرهم بما كان من بخلهم وشحهم وظلمهم، وهو مثل مضروب ليتخذ منه العظة والعبرة فيمن يمكر بدين الله عز وجل أو بعباد الله أن الله عز وجل يمكر به في العاجل ويعذبه في الآجل. وختمت هذه القصة بهذه الآيات في قوله سبحانه: ﴿وغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾. وكما تقدم أنهم بيتوا هذه النية أن يخرجوا في الغدو، وهو أول الصباح، كما جاء في الآية قبلها: ﴿أَن يَغْدُوا﴾ على حردكم. وقد قرئ بقراءتين: بكسر النون ﴿أَنْ يَغْدُوا﴾، وضم النون ﴿أَنْ يَغْدُوا﴾، قراءتان سبعيتان مشهورتان. قرأ أبو عمر وعاصم وحمزة بالكسر، وهي قراءتنا قراءة حفص عن عاصم، وقرئ بالضم ﴿أَنْغَدُوا﴾، وهي قراءة الباقين. قوله سبحانه: ﴿وغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ قال: منع للفقراء، يعني بيتوا النية أن يخرجوا مبكرين في الغدوء على هذه النية من منع الفقراء. والحرد المقصود به العمل السيء، فإنهم أرادوا هذا العمل السيء وهو منع الفقراء، ﴿قَادِرِينَ﴾ قال: عليه بظنهم، معناه أنهم أرادوا أن يبكروا ويفعلوا ذلك وهم يقدرون. ومعناه قبل أن يأتي الفقراء؛ لأنهم إذا بدأوا، قد جاء الفقراء سيكون ثقيلا عليهم منع الفقراء، فالمراد بالقدرة أي: اختيار الوقت الذي لا يكون فيه الفقراء. قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا سَوْدَاءَ مُحْتَرِقَةً﴾ يعني بما كان من إحراق الله عز وجل لها كما تقدم، إما بالبرد، والبرد من شدة البرودة احترقت، أو من شدة الحرارة، والقول الأول هو الأرجح. ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ والمراد بالضلال هنا ليس الاعتراف بالذنب، ولكن أي: الخطأ الذي وقعوا فيه، يعني أنهم أخطأوا في الصواب. كذلك بأنه الاعتراف بالذنب. ثم قالوا: قال لما علموها، يعني ظنوا أنفسهم أخطأوا ولم يأتوا على نفس بستانهم. فلما استيقنوا أنه نفس البستان الذي رأوه في الليل وهو جاهز للحصاد، علموا أنهم فعلوا ما كان سببا في حرمانهم، وهو ذهاب الثمرة ونية منع الفقراء. وهذا هو قول رحمه الله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: من ثمرتها بمنعنا الفقراء منها. ومعناه أن نية منع الفقراء كان سببا في حرمانهم الانتفاع من الثمر، والجزاء من جنس العمل. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ قال: خيرهم، وفسر أنه أوسطهم في السن وخيرهم في الموقف في هذا. وكل التفسيرين صحيح لا مانع من ذلك؛ فمن جهة اللغة والسياق يقتضيه ذلك. ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِحُونَ﴾ قال: هل لا تسبحون الله تائبين. والمراد التذكير بالله عز وجل، مثل ما هو عندنا مشهور في العرف إذا أراد إنسان أن يتعجل شيئا يقول له: ماذا اذكر الله، ها اذكر الله، يعني معناه تذكر ما يحبه الله فافعل، ولا تتعجل، ولا تفعل الخطأ فضلا عن الذنب. وهكذا كذلك قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِحُونَ﴾ أي: تذكرون الله وتمثلون ما يحب وترجعون إلى الله من هذه النية السيئة. قوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: اعترفوا هنا. وقيل: إن المعترفين بعضهم وليس كلهم بما كان من نيتهم السيئة بمنع الفقراء حقهم. وتقدم معنا أن هذه الآية استدل بها غير واحد من أهل العلم أن في المال حق واجب غير الزكاة؛ فليس من أخرج الزكاة سلم وبرئ، بل هناك شيء زائد عن الزكاة، وهو ما يكون من دفع الضرورات عن أهلها، وكل مال بحسبه. قوله سبحانه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾، وهذا حال الإنسان يندم حيث لا ينفع الندم. ومعناه: كل واحد يرمي بالسبب على الآخر، ولا ينفعهم ذلك. وفيه كذلك أنهم كانوا مختلفين في أول الأمر؛ فمنهم المعارض، ومنهم المصِر على هذه الفعلة، ومنهم المتردد. ولهذا ذكر الله عز وجل صاحب القول الحق واحد. وفي التلاوم ذكر الجماعة، أي: هناك من كان في الوسط لم يكن مع صاحب الحق، وكان مترددا في أن يكون مع أهل الباطل، ولكنه في النهاية تبع، فكانوا من أهل الظلم. وفي هذا كذلك أن من لم ينكر المنكر فإنه يكون من أهله، أي: من أهل المنكر. وفيه كذلك أن أهل الحق في كل زمان ومكان قليل بالنسبة لأهل الباطل، سنة الله عز وجل الامتحان والابتلاء. قوله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾، قال: يا للتنبيه، يعني ليس للنداء؛ لأنها كلمة واحدة يراد منها التنبيه، وكذلك الاعتراف، أو كذلك ذكر ما وصل إليه حال المتكلم من السوء، أو ما يخاف أن يصل إليه من السوء، وهو هلاك مزرعتهم، بل وما توعدهم الله عز وجل بسبب معصيتهم. ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: بالفعل الذي فعلناه؛ فإنه كان فعل سوء ومكر سوء. وفيه كذلك أن العقوبة بقدر العمل، وأن النية إذا كان معها شيء من العمل فإن صاحبها لا يأمن عقوبة الله سبحانه وتعالى، بخلاف الهم إذا تاب منه ولم يفعل ما هم به من هم سيء. بل على العكس إذا غلب نفسه الأمارة بالسوء بأن غير نيته السيئة إلى نية حسنة فإنه يؤجر على ذلك، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يهم بالسيئة ثم لا يعملها كتبت له حسنة. لماذا؟ لأنه جاهد نفسه الأمارة بالسوء فغلبت نفسه الطيبة نفسه الخبيثة، فيؤجر على هذا. قوله: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبَدِّلَنَا﴾ وقرئ: ﴿يُبَدِلْنَا﴾، كما ذكر بالتشديد والتخفيف، قراءتان سبعيتان مشهورتان، كما جاء في التعليق. بالتشديد قراءة نافع وأبي عمرو، وقرئ بقية السبعة بالتخفيف، أي: ﴿يُبَدِلْنَا﴾. ونافع وأبو عمرو: ﴿يُبَدِلَنَا﴾، قال: خيرا منها، ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، أي: أنهم لم ييأسوا من رحمة الله، بل تابوا إلى الله سبحانه وتعالى، ورجوا أن الله يخلف لهم خيرا، ويبدلهم بخير مما كان من توبتهم، وأنهم راجعون إلى الله تائبون إليه، راغبون بما عنده من أمر وخير الدنيا والآخرة. ولم يذكر العاقبة، لكن أكثر أهل التفسير ذكروا أن الله أبدلهم خيرا، كما ذكرها هنا. روي أنهم أبدلوا خيرا منها. وهذا من باب حسن الظن بالله عز وجل، وإن كان لم يذكر بنص صحيح صريح لا في الكتاب ولا في السنة، إلا أن أكثر المفسرين ذكروا هذا من باب حسن الظن بالله. وهذه سنة الله في عمومات الأدلة وأخبار الأمم أن الله عز وجل يجازي المحسن إحسانا، والتائب غفرانا. وهو كذلك في أحوال الناس؛ فإن المزرعة احترقت في ذاك الموسم، فردها الله عز وجل بأفضل منها في الموسم الذي بعده، كما ذكر بعض المفسرين. وفيه كذلك أن بعض البلاء يكون فيه خير، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فمثلا ولا ينافي ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. فمثلا أصحاب هذه المزرعة أرادوا الثمر، ولأنهم مكروا هذا المكر عاقبهم الله عز وجل باحتراق هذه المزرعة وثمارها بسبب شدة البرد. ثم كان في العام المقبل أن الثمرة أكثر مما كانت في العام الذي قبله. ولهذا سببان: السبب الشرعي توبتهم ورجوعهم ورغبتهم إلى الله سبحانه وتعالى، والسبب القدري الكوني أن هذه الثمرة اكتنزت خيرها، يعني كان عندها خير تريد أن تخرجه احترق، فاكتنزت هذا الخير. فلما كان العام القادم أخرجت كل ما فيها، فخرج كيف؟ مضاعفا. خرج مضاعفا. وهكذا كذلك لا يأس الإنسان ولا يقنط من رحمة الله. فلذلك رب شيء تظنه شرا وهو خير يدفع الله عز وجل عنك به ما هو أعظم مما كرهت. وهذا كثير وله نظائر عديدة فيما يبتل به بعض الناس. فبعض الناس قد تكون بنيته ضعيفة ولا يتيسر له الولد في أول الأمر، فيتأخر سنوات ثم يأتي ربنا سبحانه وتعالى له بالولد فيكون على أكمل ما يكون. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، وهو قريب من المعنى الذي ذكرنا. قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾، قال المفسر رحمه الله: أي: مثل العذاب لهؤلاء لمن خالف أمرنا من كفار مكة وغيرهم. وهذا هو المقصود من ضرب المثل بهذه القصة؛ أنهم عوجلوا بالعقوبة قبل الوصول لما يريدون في الدنيا، وكذلك لو أصروا فهم متوعدون بعقوبة الآخرة. ومن باب أولى المشركون في مكة؛ فإن مكرهم وأبيتهم كما تقدم معنا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عظيمة، فهم متوعدون بعقوبة الدنيا وقد وقع، وعقوبة الآخرة. وهذا ما توعدهم الله عز وجل به مثل ما وقع لآل فرعون؛ أغرقهم الله عز وجل في الدنيا، وعذبهم في قبورهم، ولا يزالون حتى قيام الساعة ينتظرهم عذاب أشد، كما قال سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. ولهذا قال هنا: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾، يعني ما ينتظرهم، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، قال: عذابها، وما خالفوا أمرنا، يعني مما يقتضي هذا العذاب الأكبر. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.