شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 7

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 7

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 7، الدرس السابع : ( القول في أفعال العباد ... فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإيمان بالقدر

يتناول مفهوم الإيمان بالقدر وأهميته كركن من أركان الإيمان، حيث يشرح أن أفعال العباد تحدث بمشيئة الله. الإيمان بالقدر يشمل الإيمان بخيره وشره.

مراتب القدر ومفهوم الخلق

يشرح مراتب القدر الأربع، ويبين أن الله خلق كل شيء بما في ذلك أفعال العباد، وأن الشر لا يضاف إلى الله إلا بإضافة خلق، مشيرًا إلى أن الله خلق الخير والشر لحكمة.

أثر الإيمان بالقدر على الإيمان

يؤكد على أهمية الإيمان بالقدر كجزء من الإيمان، ويبين أن من لم يؤمن بالقدر لا يتم له إيمان، ويشبه القدرية النفاة بالمجوس في جعلهم شريكا لله في خلق الشر.

خلاصة الكتاب وعقيدة أهل السنة

يبين عقيدة أهل السنة والجماعة في باب القدر والقدرية، ويظهر المعتقد الصحيح في هذا الباب، مؤكدًا على أهمية الإيمان بالقدر خيره وشره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. حكى صريع السنة قال: «وَأَمَّا الصَّوَابُ الْقَوْلِ لَدَيْنَا فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَحَسَنَاتِهِمْ وَسَيِّئَاتِهِمْ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ». والله سبحانه مقدره ومدبره، لا يكون شيء إلا بإذنه، ولا يحدث شيء إلا بمشيئته، له الخلق والأمر، كما يريد. قال: وحدثني زياد بن يحيى الحسان -في نسخة: زياد بن عبد الله بن يحيى الحسان- وعبيد الله بن محمد الفريابي، قالا: حدثنا عبد الله بن يزيد بن هارون، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ». قال الربيع بحديث الخطاب: زياد بن عبد الله. والحديث رواه الترمذي، وصححه شيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة». وعادة الأمة: «فَإِنَّ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ». والحديث رواه أبو داود، والحاكم، وصححه شيخ الألباني في «كتاب السنة» لابن أبي عاصم، وكذلك بتخريجه على «جرح الفحاوية». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا المبحث بالكلام على القول في أفعال العباد، فإن أفعال العباد قد اختلف الناس فيها طرفان ووسط، فقوم يسمون الجبرية هم الذين يزعمون أنه ليس للعباد أفعال، وأن الله جل وعلا يجبرهم على أفعالهم، فليس لهم اختيار وليس لهم إرادة، وأن أفعالهم كالريشة في مهب الريح. وهؤلاء قد ضلوا في باب القدر. وصنف آخر يسمون بالقدرية، وهم المعتزلة الذين ينفون القدر، فإن هؤلاء كذلك يزعمون أن العبد يفعل بمحض اختياره، وأنه ليس لله جل وعلا من أفعال وأعمال العباد شيء. والأمر وسط بين قول هؤلاء وهؤلاء، فقد دلت أدلة الكتاب والسنة على أن للعباد أفعالا يفعلونها بمحض اختيارهم، وأنها لا تقع إلا بإرادة الله جل وعلا ومشيئته، لا تخرج عما أراد الله جل وعلا وشاءه. وهذا هو الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي الطريقين البارزين الواضحين: طريق الخير وطريق الشر، فيختار الإنسان لمحض اختياره. وهكذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، ومع أن العباد لهم هذه الإرادة المحضة، فإن هذه الإرادة تابعة لإرادة الله جل وعلا ومشيئته؛ لأنه الرب سبحانه وتعالى لا يكون بملكه إلا ما يأذن به سبحانه وتعالى، ويرضى الرضاء الكوني فيكون كما أراد وشاء سبحانه. كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: لا يكون إلا ما شاءه الله جل وعلا الذي مشيئته النافذة كانت لحكمة وعلم واسع. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإن الرد جل وعلا يبين أن للعبد مشيئة، وأن لله جل وعلا مشيئة، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. وموجب القدر في أربع مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة العلم، أن الله جل وعلا علم بما سيكون من أمري هذا الخلق علما سابقا، لا يخرج شيء مما كان أو يكون إلا بما كان قد علمه سبحانه وتعالى، والله بكل شيء عليم. ومن مراتب القدر: مرتبة الكتابة، فإن الله جل وعلا قدر وكتب في اللوح المحفوظ مقادير السماوات والأرض قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر. ومن هذه المراتب: مرتبة المشيئة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث ابن عباس وغيره أنه أول ما خلق الله القلم -يعني من مخلوقات الدنيا- وأمر القلم أول ما خلق الله القلم، فقال له: «اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وما شاءه جل وعلا يكون، ولا يكون إلا ما شاءه، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: «كن فيكون». ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، فإن الله جل وعلا لو شاء لآمن من في الأرض كلهم، ولكن الله جل وعلا لحكمة جعلهم على صنفين وضربين. وهكذا المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، أن الله جل وعلا خلق الخلق وخلق أفعالهم وأعمالهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وهكذا في «مستدرك الحاكم» من حديث بإسناد حسن: «إن الله خارج كل صانع وصنعته»، فالله عز وجل خلق الصانع وصنعته -أي أعماله ومعمولاته-، فالله خلقنا وأعمالنا، فكل شيء مخلوق لله سبحانه وتعالى. قال: وكل شيء، أفعال العباد مخلوق لله جل وعلا. فحاصل هذا المبحث كما قال رحمه الله: «فإن جميع ذلك من عند الله» يعني: الحسنات والسيئات من عند الله، بمعنى أن الله جل وعلا قدرها، فالله جل وعلا قدر ذلك على العباد -أي الخير والشر-، ولكن الشر لا يضاف إلى الله إلا إضافة خلق، ولا يضاف إليه إضافة صفة؛ فإنه ليس من صفاته الشر. ففي صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه: «الشر ليس إليه». وهكذا قول الله جل وعلا: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فالله خلق الشر، ومع ذلك فليس الشر محضا، بل إن الشر الذي يظهر للناس أنه شر جعل الله عز وجل فيه حكمة أعظم من ذلك الشر. ومن ذلك ما ذكر وقص الله عز وجل علينا في قصة الخضر، فإن بعض المصائب التي يظهر أنها مصائب للناس يكون فيها خير لهم وهم لا يعلمون. وهذا لكذلك كل ما بهذا المعنى مما يظهر فيه الشر، فإن الله عز وجل خلقه لحكمة، خلقه لحكمة. فلولا الظلم ما عرف فضل العدل، ولولا الظلام ما عرف فضل النور، ولولا كذلك الجرم والإجرام لما عرف قدر الاستقامة والصلاح، فكل شيء يعرف بضده، ويعرف فضله ومنزلته كذلك بوجود ضده. فهذه من بعض الحكم، ولله حكم أخرى كذلك. ولهذا قال الله عز وجل مبينا أن حقيقة السوء يصيب الإنسان بما كسب: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، فإن حقيقة الأمر أن الله عز وجل الخالق للخير والشر، ولكن لا يضاف إليه سبحانه إضافة صفة، وإنما يضاف إضافة خلق. وهو مع ذلك ليس شرا محضا، فقوله: «أن ذلك كله من عند الله» يعني: على وجه الخلق. وأما على وجه التقرير والوصف فلا، إضافة السيئات إلى الله جل وعلا. وقوله: «والله سبحانه مقدره ومدبره، لا يكون شيء إلا بإذنه» هذا مراده السلام عليه. «ولا يحدث شيء إلا بمشيئته» وذلك لأنه الإله الحق، فلولا أنه إله لما كان ذلك؛ وذلك لأن الإله الحق هو الذي ينفذ مشيئته، وهو الذي لا يكون بملكه إلا بإذنه. ولهذا لما جاء بعض الأعراب إلى بعض رؤوس المعتزلة القدرية -ويقال: إنه عمر بن عبيد- فقال له: إني ضاعت ناقتي، فادع الله أن يردها علي. أو قال: سرقت. فقال ورفع يديه -وكان قدريا- عمر بن عبيد: «اللهم إنك لم ترض أن تسرق ناقته فسرقت». قال الأعرابي: «لا حاجة لي في دعائك». فقال: لما قال: «إذا كان لم يرض أن تسرق فسرقت»، فإني أخشى أن يريد أن ترجع ولا ترجع. ففقه هذا الأعرابي أكثر من فقه ذاك الذي يدعي أنه من أهل العلم وهو من أهل الضلال. كيف يجعل أن الله جل وعلا الخالق الذي بيده كل شيء يكون في ملكه ما لا يريده؟! بل إن الله جل وعلا يأذن بهذا وهذا، ويبتلي الناس سبحانه وتعالى بما يقع في ملكه، فلا يكون في ملكه إلا ما يريد جل وعلا. وهذا الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، فقوله: «إلا بمشيئته» يعني: لا يكون شيء إلا بمشيئته. «وكذا بإذنه، له الخلق والأمر»، الخلق: هو يشمل الأفعال، ويشمل المفعولات، ويشمل كذلك الذوات، الله خلق الذوات وخلق كذلك أفعالها، وخلق مفعولاتها، فخلقنا وخلق أعمالنا، وخلق ما ينتج من أعمالنا، كل ذلك مخلوق لله عز وجل. وهكذا له الأمر، الأمر الشرعي والأمر الكوني، الأمر الكوني الذي به تكون الأشياء، ولا يكون شيء في ملكه إلا بأمره الكوني وبإذنه، فما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولا يكون شيء إلا بإرادة ومشيئته. ثم ذكر الحديثين: الحديث الأول: حديث جابر بن عبد الله: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، فعلم أن الإيمان لا يتم للعبد حتى يؤمن بالقدر. وفي حديث عمر في الصحيح في صحيح مسلم، وبحديث أبي هريرة في الصحيحين في حديث جبريل، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أركان الإيمان، ومن أركانه الإيمان بالقدر خيره وشره. فمن لم يؤمن بالقدر فإنه لا يتم له إيمان، كما قال عبد الله بن عمر فيمن نفى القدر في زمانه -رحمه الله تعالى- فقال: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ثم لم يؤمن بالقدر لم يقبل الله منه حتى يؤمن بالقدر»؛ لأنه بعدم إيمانه بالقدر يكون قد أنقص ركنا من أركان الإيمان. فعد بعض العلماء أن من لم يؤمن به جحودا كان كافرا بالله عز وجل. وأكد به أن من الإيمان بالقدر أن يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما جاء في حديث ابن عباس مرفوعا في السنن. والحديث الثاني: حديث ابن عمر أورده رحمه الله ليبين كذلك حال القدرية، والقدرية هنا: النفاة، والجبرية يشمل الصنفين -أي الذين خاطوا في القدر بالبعض-، ولكنه يطلق أكثر على القدرية النفاة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «القدرية مجوس هذه الأمة»؛ لأن المجوس يجعلون أن لهذا الكون خالقين: خالق للخير وخالق للشر، فجعلوا خالقين: خالق للخير وخالق للشر، وهم مشركون كفار. وهكذا نفاة القدر زعموا أن الله خالق الخير، وأن الإنسان خالق الشر، فجعلوا مع الله شريكا يشاركه في خلقه، كفعل المجوس يجعلون إله للخير وإله للشر. ولهذا سمي القدرية مجوس هذه الأمة في هذا السبب. قال: «فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». هذا حكم القدرية المعاندون منهم الذين لا يقبلون النصيحة، فإن هؤلاء هذا هو العلاج معهم أن يهجروا، فإن مرضوا فلا يعادوا، وإن ماتوا فلا تشهد جنائزهم. وهذا حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس حديث أحد في هؤلاء القدرية. وقد أفتى العلماء بهذا الحكم في كل من كان من أهل البدع والأهواء وكان معاندا، فإنه يحكم عليه كحكم هؤلاء؛ وذلك لأمرين وفائدتين. أما الفائدة الأولى: ذلك لأن هؤلاء بهذه الشدة عليهم يرجعون إلى الحق وينيبون. والأمر الثاني والفائدة الثانية: أنهم كذلك يحمون المجتمع من شرهم؛ فإن المجتمع يوجد فيه من عنده قصور فهم وقلة علم، فلو خالق هؤلاء الظلال ربما ضلوا بمدحهم فأضلوهم. فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهجرانهم حتى يسلم المجتمع من شرهم، ولأجل كذلك تقل سيئاتهم ويموتوا ويرجعوا. هاتان فائدتان. وخلاصة الأمر أن المؤلف رحمه الله أراد أن يبين عقيدة مذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر والقدرية، وقد ظهر ذلك مما ذكر. والله أعلم.