الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الكتاب مسألة عموم رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الإنس والجن، ويرد على من زعموا خصوصية رسالته. يبين أن القرآن يحتوي على نصوص صريحة تدل على عموم رسالته.
يُبين أن الصدق هو أصل الخير والكذب هو أصل الشر، وأن الأنبياء والصادقين هم من أفضل خلق الله. كما يذكر أن دلائل صدق الأنبياء وكذب المتنبئين كثيرة ومتنوعة.
يتناول دلائل صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى أن إثبات صدق الرسالة يأتي من خلال خبره وأمره، ويؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل للناس عامة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله: «اكتابي الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، قال: فنحن نبدأ بالجواب عن هذا، ونبين أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه مرسل إليهم وإلى جميع الإنس والجن، وأنه لم يطلق أنه لم يرسل إليهم، ولا في كتابه ما يدل على ذلك، وأنما احتجوا به من الآيات التي غلطوا في معرفة معناها، فتركوا النصوص الكثيرة الصريحة في كتابه التي تبين أنه مرسل إليهم، من جنس ما فعلوه في التوراة والإنجيل والزبور وكلام الأنبياء، حيث تركوا النصوص الكثيرة الصريحة وتمسكوا بقليل من المتشابه الذي لم يفهموا معناه. ومعلوم أن الكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم رسالته وخصوصها، وإن كان قد يعلم أحدهما قبل الآخر، لكن هؤلاء القوم ادعوا خصوص رسالته، وذكروا أن القرآن يدل على ذلك، فنجيب عما ذكروه على حسب ترتيبهم فصلًا فصلًا، فنقول: وبالله التوفيق. الكلام فيمن قاطب الخلق بأنه رسول الله إليهم، كما فعل محمد صلى الله عليه وسلم، وغيره ممن قال: إنه رسول الله، كإبراهيم وموسى ونحوهما من الرسل الصادقين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وآل كل من الصالحين، وفمسيلمة الكذاب والأسود العنسي ونحوهما من المتنبيين الكذابين، ينبني على أصلين: أحدهما أن نعرف ما يقوله في خبره وأمره، فنعرف ما يخبر به ويأمر به، وهل قال: إنه رسول الله إلى جميع الناس، أو قال: إنه لم يرسل إلا إلى طائفة معينة لا إلى غيرها؟ والثاني: أن يعرف هل هو صادق أو كاذب؟ وبهذين الأصلين يتم الإيمان المفصل، وهو معرفة صدق الرسول ومعرفة ما جاء به. وأما الإيمان المجمل فيحصل بالأول، وهو معرفة صدقه فيما جاء به، كإيماننا بالرسل المتقدمة. وقد نعلم صدقه أو كذبه. وهؤلاء بدأوا في كتابهم هذا بما ذكره الرسول مما زعموا أنه حجة لهم على عدم وجوب اتباعه، وعلى مدح دينهم الذي هم عليه اليوم بعد النسخ والتبديل، ثم ذكروا حججًا مستقلة على صحة دينهم، ثم ذكروا ما يقدح فيه وفي دينه، فلهذا قدمنا الجواب عما احتجوا به من القرآن كما قدموه في كتابهم. فصل: ودلائل صدق النبي الصادق وكذب المتنبي الكذاب كثيرة جدًا، فإن من اجتنب النبوة وكان صادقًا فهو من أفضل خلق الله وأكملهم في العلم والدين، فإنه لا أحد أفضل من رسل الله وأنبيائه، صلوات الله عليهم وسلامه، وإن كان بعضهم أفضل من بعض، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾. وإن كان المدعي للنبوة كاذبًا فهو من أكبر خلق الله وشرهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. فالكذب أصل الشر وأعظمه الكذب على الله عز وجل، والصدق أصل الخير وأعظمه الصدق على الله تبارك وتعالى. وبصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». ولما كان هذا من أعلى الدرجات، وهذا في أسفل الدركات، كان بينهما من الفروق والدلائل والبراهين التي تدل على صدق أحدهما وكذب الآخر ما يظهر لكل من عرف حالهما. ولهذا كانت دلائل الأنبياء وأعلامهم الدالة على صدقهم كثيرة متنوعة، كما أن دلائل كذب المتنبيين كثيرة متنوعة، كما قد بسط في موضع آخر. أورد رحمه الله تعالى هذين الفصلين للجواب على أولئك الشبه والاعتراضات التي أثارها النصارى، وخصوصًا تلك الرسالة التي أشار إليها رحمه الله، وأنها اشتهرت بين النصارى وعلمائهم، فبدأ بالفصل الأول، وهي المقدمة والتوطئة بأن حال أهل الكتاب عمومًا والنصارى خصوصًا كحال من سبقهم في التغيير والتبديل لما أنزل الله سبحانه وتعالى، بأن ينصرفوا عن الحق الذي علموه إلى المتشابه، أو أنهم لقلة فهمهم يتمسكون بالمتشابه ويعرضون عن الصريح الواضح، وهو ذكر أن هذا ربما كان لأنهم لم يفهموا معناه، أو وهذا الثاني وهو الأكثر والأغلب أنهم فعلوا ذلك على وجه تغطية الحق والتلبيس على الناس. وهذا هو الذي يظهر من هذه الرسالة، لأنهم لا يتخذون شبهة واحدة، بل شبهًا متتابعة، يدل على أنهم يريدون أن يغلطوا الحق بهذا الكذب وهذا التلفيق. ثم أشار رحمه الله تعالى بعد ذلك إلى أن مسألة بيان أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث للعرب ولغير العرب، أدلة ذلك كثيرة في كتاب الله، على خلاف ما ظن هؤلاء. ولكن قبل ذلك يريد أن ينبه رحمه الله أنه ينبغي أن يعلم أولًا صدق رسالة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن كل من ادعى الرسالة والنبوة لابد أن تعرف شواهد صدقه بأمرين: بخبره وأمره، فيعلم أن خبره وأمره يدل على أنه مبعوث ومرسل من عند الله سبحانه وتعالى، وأنه إما مرسل لطائفة خاصة أو مرسل للناس عامة. والنبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي، دلة أدلة الكتاب والسنة وأخبار الرسل قبله أنه مرسل من عند الله حقًا وصدقًا أولًا، وأنه مرسل للناس عامة ثانيًا. والمثلة الثانية تأكيد أنه صادق فيما بعث به عليه الصلاة والسلام، وشواهد ذلك كثيرة سيأتي -إن شاء الله- ذكرها مما ذكر في كتاب الله الذي استدلوا به. أي هؤلاء النصارى فلزمهم أن يقبلوا ما ذكر فيه، ما داموا صححوا الاستدلال به، إنهم استدلوا على شبهتهم بآيات من الكتاب، فيلزمهم أن يقبلوا ما جاء من آيات أخرى، إن كانوا طالبين للحق. وإن كانوا كذبوا بهذا الكتاب، فيلزمهم أن لا يستدلوا بشيء منه، لا يستدلوا بشيء. وما دام أنهم قبلوا الاستدلال بشيء منه، يلزمهم قبول ما ورد فيه كذلك مما هو حجة عليهم، فضلًا عما جاء في أخبار الأنبياء قبل نبينا عليه الصلاة والسلام مما يؤيد ما سيذكره المؤلف رحمه الله. ثم جعل الفصل الثاني في ذكر شيء من دلائل صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبيان أن الكذب على الله عز وجل من أعظم الكذب. وكفى في برهان صدق رسالته عليه الصلاة والسلام تأييده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو القائل سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، هذا في بعض الأقاويل، فكيف برسالة كاملة؟ فعلم بذلك أنه رسول الله حقًا. والله جل وعلا يقول: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: على صدق رسالته، أن الله جل وعلا شاهد، وهو يؤيده ويعينه وينصره، فلو كان كاذبًا عن الله لما نصره ولما أيده ولما جعل له الظفر على أعدائه، بخلاف من ادعى الرسالة والنبوة، فلا يوجد أحد يدعي الرسالة والنبوة يكون أمره إلى ظفر أبدًا، بل أمره إلى السفول. فهذا مسيلمة الكذاب جعل الله أمره إلى سفول، وهذا الأسود العنسي كذلك، مدعي النبوة والرسالة جعل الله أمره إلى سفول. ولا يزال في أوساط المسلمين وعند النصارى وقبلهم عند اليهود أناس يدعون الرسالة والنبوة فيجعل الله أمرهم إلى سفول. فعلم أن تأييد ونصر هذا الرسول دليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وسأتي بعد ذلك -إن شاء الله- بتفنيد الشبهة.