الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 6

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 6

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على ادعاءات أهل الكتاب

يناقش الشيخ الإسلام ابن تيمية ادعاءات أهل الكتاب ويبين بطلان احتجاجهم بالقرآن وكتب الأنبياء. يؤكد على أهمية الإيمان بجميع الأنبياء والكتب السماوية في دين المسلمين.

شرح الإيمان بالكتب السماوية

يتناول المقطع شرح الآيات القرآنية التي تتحدث عن الإيمان بالكتب السماوية وجميع الرسل. يوضح أن الإيمان بالغيب يتضمن الإيمان بجميع ما أنزل الله.

حجية قول الرسول وشرط الإيمان

لا يجوز الاحتجاج بقول من كذب على الله، وشرط الإيمان برسالة النبي هو التصديق بكل ما جاء به. الرسول يجب أن يكون صادقًا ومعصومًا فيما يبلغه عن الله.

تتمة الكلام عن عدم ثباتهم

المقطع يشير إلى عدم ثبات بعض الأشخاص على قول واحد ويشير إلى توضيح قادم حول هذا الموضوع. يبدو أن هناك إشارة إلى توضيح قادم حول هذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله: كتاب الجواب الصحيح من بدل دين المسيح، فصل: إذا عرف هذا، فهؤلاء القوم في هذا المقام ادعوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يرسل إليهم، بل إلى أهل الجاهلية من العرب. فهذه الدعوة على وجهين: إما أن يقولوا إنه بنفسه لم يدع أنه أرسل إليهم، ولكن أمته ادعوا له ذلك، وإما أن يقولوا إنه ادعى أنه أرسل إليهم، وهو كاذب في هذه الدعوة. وكلامهم في صدر هذا الكتاب يقتضي الوجه الأول، وفي آخره قد يقال إنه مشار إلى الوجه الثاني. لكنهم في الحقيقة لم ينكروا رسالته إلى العرب، وإنما أنكروا رسالته إليهم. وأما رسالته إلى العرب، فلم يصرحوا بتصديقه فيها ولا بتكذيبه، وإن كان ظاهر لفظهم يقتضي الإقرار برسالته إلى العرب. بل صدقوا بما وافق قولهم، وكذبوا بما خالف قولهم. ونحن نبين أنه لا يصح احتجاجهم بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. ثم نتكلم على الوجهين جميعًا، ونبين أنه لا يصح احتجاجهم بشيء من القرآن على صحة دينهم بوجه من الوجوه. ونبين أن القرآن لا حجة فيه لهم، ولا فيه تناقض. وكذلك كتب الأنبياء المتقدمين التي يحتجون بها هي حجة عليهم، ليس في شيء منها حجة لهم. ولو لم يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف هو الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم موافقًا لسائر كلام الأنبياء عليه السلام في إبطال دينهم، وقولهم في التثليث والاتحاد وغير ذلك، مع العقل الصريح؟ فهم احتجوا في كتابهم هذا بالقرآن، وبما جاءت به الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم مع العقل. ونحن نبين أنه لا حجة لهم فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا فيما جاءت به الأنبياء قبله، ولا في العقل. بل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءت به الأنبياء قبله، مع صريح العقل، كلها براهين قطعية، كلها براهين قطعية على فساد دينهم. ولكن نذكر قبل ذلك أن احتجاجهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح بوجه من الوجوه. وأنه لا يجوز أن يحتج بمجرد المنقول عن محمد صلى الله عليه وسلم من يكذبه في كلمة واحدة مما جاء به. وكذلك سار الأنبياء عليهم السلام. بخلاف الاحتجاج بكلام غير الأنبياء، فإن ذلك يمكن موافقة بعضه دون بعض. وأما ما أخبرت به الأنبياء عليهم السلام، أو من قال إنه نبي، فلا يمكن الاحتجاج ببعضه دون بعض، سواء قدر صدقهم أو كذبهم. فيقال لهم على كل تقدير: سواء أقروا بنبوته إلى العرب أو غيرهم، أو كذبوه في قوله إنه رسول الله، أو سكتوا عن هذا وهذا، أو صدقوه في البعض دون البعض. إن احتجاجكم على صحة ما تخالفون فيه المسلمين مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لا يصح بوجه من الوجوه. فاحتجاجكم على أنه لم يرسل إليكم، أو على صحة دينكم بشيء من القرآن، حجة ضاحظة على كل تقدير. مع أننا سنبين إن شاء الله تعالى أن الكتب الإلهية كلها مع المعقول لا حجة لكم في شيء منها، بل كلها حجة عليكم. وهذا بخلاف المسلمين، فإنه يصح احتجاجهم على أهل الكتاب اليهود والنصارى بما جاءت به الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وأهل الكتاب لا يصح احتجاجهم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أن المسلمين مقرون بنبوة موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام. وعندهم يجب الإيمان بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي أرسله الله. وهذا أصل دين المسلمين. فمن كفر بنبي واحد أو كتاب واحد، فهو عندهم كافر. بل من سب نبيًا من الأنبياء، فهو عندهم كافر مباح الدم. كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكهم الله، وهو السميع العليم. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. والكتاب اسم جنس لكل كتاب أنزله الله، يتناول التوراة والإنجيل كما يتناول القرآن. في قوله تعالى: ﴿فَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿آمَنَ رَسُولٌ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. وفي القراءة الأخرى: ﴿وَكِتَابِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿آيَاتٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فذكر أن هذا الكتاب الذي أنزل عليه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، والذين يؤمنون بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، وبالآخرة هم يوقنون. ثم أخبر أن هؤلاء هم المفلحون، فحصر الفلاح في هؤلاء، فلا يكون مفلحًا إلا من كان من هؤلاء. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ هو صفة للمذكورين، ليس هؤلاء صفًا آخر. فإن عطف الشيء على الشيء قد يكون لتغاير الصفات، وإن كانت الذات واحدة. هذا هو الصحيح هنا. وإن كان قد قيل: إن الصنف الثاني مؤمن أهل الكتاب، والأول هم المسلمون. فهذا ضعيف، وأفسد منه قول هؤلاء النصارى: إن الكتاب المراد به الإنجيل. كما سيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. والعطف لتغاير الصفات. فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾. إلى آخر الآيات. وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. هم الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون، وهم الذين على هدى من ربهم، وهم المفلحون. ولكن فصل إيمانهم بعد أن أجمله، لأن لا يظن ظان أن مجرد دعوى الإيمان بالغيب ينفع، وإن لم يؤمن بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله. فلو قال أحد من الناس: أنا أؤمن بالغيب، ومع ذلك لا يؤمن ببعض ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ببعض ما أنزل على من قبله، لم يكن مؤمنًا حتى يؤمن بجميع ما أنزل إليه، وما أنزل إلى من قبله. ولو كانوا صنفًا آخر، لكان المفلحون قسمين: قسمًا يؤمنون بالغيب، ولا يؤمنون بما أنزل إليه، وما أنزل إلى من قبله، وقسمًا يؤمنون بما أنزل إليه، وما أنزل إلى من قبله، ولا يؤمنون بالغيب. وهذا باطل عند جميع الأمم المؤمنين، واليهود والنصارى. فإن الإيمان بما أنزل إليه، وإلى من قبله، يتضمن الإيمان بالغيب. والإيمان بالغيب لا يتم إلا بالإيمان بجميع ما أنزله الله تبارك وتعالى. والمسلمون لا يستجيز أحد منهم التكذيب بشيء مما أنزل على من قبل محمد صلى الله عليه وسلم. لكن الاحتجاج بذلك عليهم يحتاج إلى ثلاث مقدمات: إحداها ثبوت ذلك عن الأنبياء عليهم السلام. والثانية صحة الترجمة إلى اللسان العربي، أو اللسان الذي يخاطب به كالرومي والسرياني. فإن لسان موسى وداود والمسيح وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل كانت عبرانية. ومن قال: إن لسان المسيح كان سريانيًا أو روميًا، فقد غلط. والثالثة تفسير ذلك الكلام، ومعرفة معناه. فلهذا كان المسلمون لا يردون شيئًا من الحجج، ولا يكذبون أحدًا من الأنبياء في شيء قال، ولكن قد يكذبون الناقل عنهم، أو يفسرون المنقول عنهم بما أرادوه، أو بمعنى آخر على وجه الغلط. وإن كان بعض المسلمين قد يغلطوا في تكذيب بعض النقل، أو تأويل بعض المنقول عنهم، فهو كما يغلط من يغلط منهم، ومن سائر أهل الملل في التكذيب على وجه الغلط في بعض ما ينقل عن من يقر بنبوته، أو في تأويل المنقول عنه. وهذا بخلاف تكذيب نفس النبي، فإنه كفر صريح. وفي خلاف أهل الكتاب، فإنه لا يتم مرادهم إلا بتكذيبهم في بعض ما أنزل الله. ومتى كذب بكلمة واحدة مما أخبر به من قال إنه رسول الله، بطل احتجاجه بسائر كلامه. فكانت حجتهم التي يحتجون بها ذاحضة. وذلك أن الذي يقول إنه رسول الله، إما أن يكون صادقًا في قوله: إني رسول الله، وفي جميع ما يخبر به عن الله، وإما أن يكون كاذبًا ولو في كلمة واحدة عن الله. فإن كان صادقًا في ذلك، امتنع أن يكذب على الله في شيء مما يبلغه عن الله. فإن من كذب على الله ولو في كلمة واحدة، كان ممن افترى على الله الكذب، ولم يكن رسولًا من رسل الله. ومن افترى على الله الكذب، تبين أنه من المتنبئين الكذابين. ومثل هذا لا يجوز أن يحتج بخبره عن الله، فإنه قد علم أن الله لم يرسله. وإذا قال هو قولًا وكان صدقًا، كان كما يقوله غيره، يقبل لا لأنه بلغه عن الله، ولا لأنه رسول عن الله، بل كما يقبل من المشركين وسائر الكفار ما يقولونه من الحق. فإن عباد الأوثان إذا قالوا عن الله ما هو حق، لم نكذبهم في ذلك، وإن كانوا كفارًا. وكذلك إذا قال الكافر: إن الله حي قادر، قلنا: لم نكذبوا في هذا القول. فمن كذب على الله في كلمة واحدة، قال: إن الله أنزلها عليه، ولم يكن الله أنزلها عليه، وهو من الكذابين الذين لا يجوز أن يحتج بشيء من أقوالهم، التي يقولون: إنهم بلغوها عن الله تبارك وتعالى. وما قالوه غير ذلك، وما قالوه غير ذلك، هم فيه كسائر الناس، بل كأمثالهم من الكذابين. إن عرف صحة ذلك القول من جهة غيرهم، قبل لقيام الدليل على صحته، لا لكونهم قالوه. وإن لم يعرف صحته من جهة غيرهم، لم يكن في قولهم له مع ثبوت كذبهم على الله حجة. وحينئذ هؤلاء نقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه صادق فيما بلغه عن الله من الكتاب والحكمة. واجب عليهم الإيمان بكل ما كتب عنه من الكتاب والحكمة، كما يجب الإيمان بكل ما جاءت به الرسل. وإن كذبوه بكلمة واحدة، أو شكوا في صدقه فيها، امتنع مع ذلك أن يقروا بأنه رسول الله. وإذا لم يقروا بأنه رسول الله، كان احتجاجهم بما قاله كاحتجاجهم بسائر ما يقوله من ليس من الأنبياء، بل من الكذابين، أو من المشكوك في صدقهم. ومعلوم أن من عرف كذبه على الله فيما يقول: إنه يبلغه عن الله، أو شك في صدقه، لا يعلم أنه رسول الله، ولا أنه صادق بكل ما يقوله، ويبلغه عن الله. وإذا لم يعلم ذلك منه، لم يعرف أن الله أنزل إليه شيئًا. بل إذا عرف كذبه، عرف أن الله لم ينزل إليه شيئًا، ولا أرسله. كما عرف كذب مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطليح الأسدي، وكما عرف كذب ماني وأمثاله، وغيرهم من المتنبئين الكذابين. وإذا شك في صدقه بكلمة واحدة، بل جوز أن يكون كذبها عمدًا أو خطأ، لم يجز تصديقه مع ذلك في سائر ما يبلغه عن الله. لأن تصديقه فيما يخبر به عن الله، إنما يكون إذا كان رسولًا صادقًا، لا يكذب عمدًا، ولا خطأ. فإن كل من أرسله الله، لابد أن يكون صادقًا في كل ما يبلغه عن الله، لا يكذب فيه عمدًا، ولا خطأ. وهذا أمر اتفق عليه الناس كلهم: المسلمون، واليهود، والنصارى، وغيرهم. اتفقوا على أن الرسول لا بد أن يكون صادقًا، معصومًا فيما يبلغه عن الله، لا يكذب على الله خطأً، ولا عمدًا. فإن مقصود الرسالة لا يحصل بدون ذلك. كما قال موسى عليه السلام لفرعون: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. وفي القراءة المشهورة: يخبر أنه جدير، وحري، وثابت، ومستقر على أن لا يقول على الله إلا الحق. وعلى القراءة الأخرى: أخبر أنه واجب عليه أن لا يقول على الله إلا الحق. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. الآية. وهذا بسطه موضع آخر. وإلى هنا إن شاء الله. وهذا الكلام الذي ذكره رحمه الله تعالى ظاهر، فهو ابتدأ رحمه الله في الجواب على هذه الشبهة ببيان أوجه الدعوة، وأنهم إما كانوا ممن يقر بإرسال النبي عليه الصلاة والسلام إلى العرب، ومع إنكارهم بأن يرسل إليهم، وأنه أي النبي عليه الصلاة والسلام لم يدع ذلك، وإنما ادعى العرب ذلك عليه. وإما أن يكون هو عليه الصلاة والسلام ادعى ذلك، والله لم يرسله. وكلا الأمرين باطل. لكن الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يتنزل معهم ليبين أنهم في كلا الحالين هم كاذبون مخطئون، فضلًا عن أنهم في الحقيقة هم لم يقروا للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة. وإنما المسألة مسألة مجادلة في الباطل، واستدلال بالشبه للتهرب من الإقرار بالحق. ولهذا هم لا يثبتون على قول واحد، كما سيأتي إن شاء الله بيانه. والكلام الذي ذكره رحمه الله ظاهر إن شاء الله.