الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 36

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 36

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 36، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

إرسال الرسل ووجوب الإيمان بهم وتوضيح بعض الأحكام

يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إرسال الرسل إلى كل أمة ووجوب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ويوضح الفرق بين السنة الشمسية والقمرية. كما يبين أهمية الإيمان بالرسل جميعاً.

الرد على شبهات حول عدالة الله في إرسال الرسل

يناقش المقطع شبهة عدم عدالة الله في مطالبة الأمم باتباع إنسان لم يأت إليهم، ويقدم ثلاثة أوجه للرد على هذه الشبهة، مبيناً فهم الكتاب بالعربية وسهولة قيام الحجة على الأمم.

شرح مفاهيم الواجب والوجوب وعلاقتهما بالعقل

يناقش المقطع مفهوم الواجب وفرقه عن الوجوب، ويشرح أن ما لا يتم الواجب إلا به يعتبر واجبا، بينما ما لا يتم الوجوب إلا به ليس بواجب، مع تقديم أمثلة توضح هذه المفاهيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح": "قال فصل: وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ فحق، وتمام الآية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، وهذا كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، في صح الأقوال، أي: ولكل قوم داع يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، كما أنت هاد -أي داع- لمن أرسلت إليه. والهادي بمعنى الداعي والمعلم والمبلغ، لا بمعنى الذي يجعل الهدى في القلوب، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَا تَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطَ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا أكثر الأمم أنبياء، بعث إليهم موسى، وبعث إليهم بعده أنبياء كثيرون، حتى قيل: إنهم ألف نبي، وكلهم يأمرون بشريعة التوراة، ولا يغيرون منها شيئا، ثم جاء المسيح بعد ذلك بشريعة أخرى، غير فيها بعض شرع التوراة بأمر الله عز وجل. فإذا كان إرسال موسى والأنبياء بعده إليهم لم يمنع إرسال المسيح إليهم، فكيف يمتنع إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولهم من حين المسيح لم يأتهم رسول من الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وهذه الفترة التي كانت بين المسيح ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه، وهي فيما ذكره غير واحد من العلماء: ستمائة سنة، وقد قيل: ستمائة سنة شمسية، وهي ستمائة وعشرون أو ثمان عشرة هلالية، وذلك أن كل مئة سنة شمسية تكون مئة وثلاث سنين هلالية، كما قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةِ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. وهذه التسع وبعض العاشرة، والتاريخ قد تحسب فيه التامة وتحسب فيه الناقصة، فمن قال: عشرين، حسب الناقصة، ومن قال: ثمان عشرة، حسب التامة فقط". جعل هذا الفصل رحمه الله تعالى إشارة منه إلى الآيات التي استدلوا بها، وأنه لا دليل فيها على عدم لزوم الإيمان بنبينا عليه الصلاة والسلام، وكونه لكل قوم هاد ونذير وبشير، ليس معناه عدم الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن كل أمة يؤمن فقط بمن بعث فيهم. وقد مر وذكرها هنا كذلك أنهم آمنوا بموسى وأمروا بالإيمان بعيسى، فما قيل: إنه لكل أمة نذير أو هاد أو بشير، فإذا لا يؤمن بالنبي التالي، بل يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والتسليم لما دعوا إليه من عند الله سبحانه. وهذا الذي أراد أن يبينه رحمه الله، وهذا أمر ظاهر، لكن المقصود هو التلبيس فقط، وإلا ظهور الحق فيه ليس فيه امتراء. وأما ما أشار إليه من العدد، هذا شيء عارض، يريد أن يبين الفرق بين السنة الهلالية -أي القمرية- الأشهر العربية، والشمسية -وهي الفرنجية-، لأن هذا ثلاثين أو واحد وثلاثين إلا شهر اثنين، والعربية تسع وعشرين أو ثلاثين، فيحصل فرق، وهذا الفرق قرابة، كما قال رحمه الله تعالى: ثلاث سنين في كل مئة سنة، وهو في كل سنة قرابة خمسة عشر يوما، فرق يجتمع في مئة سنة بما يقارب، كما قال: ثلاث سنين. قال فصل: "وأما قولهم: نعلم أن الله عدل، وليس من عدله أن يطالب أمة يوم القيامة باتباع إنسان لم يأتي إليهم، ولا وقفوا له على كتاب بلسانهم، ولا من جهة داع من قبله. فيقال: الجواب من وجوه: أحدها أن هذا الكلام لا يجوز أن يقوله من كتب هذا الكتاب، ولا أحد يفهم بالعربية، فإن هؤلاء يفهمون هذا الكتاب بالعربية، وقد قرأوه وناظروا بما فيه. وإذا كانوا مع ذلك يفهمون بغير العربية، كان ذلك أبلغ في قيام الحجة عليهم، فإنهم يمكنهم فهم ما قال بالعربية، وتفهم ذلك لقومهم باللسان الآخر. الثاني: كما أنهم يفهمون ما في كتبهم الرومية والسريانية والقبطية وغيرها، ويترجمونها للعرب من النصارى بالعربية، فإذا قامت الحجة على عرب النصارى باللسان الرومي، فلأن تقوم على الروم باللسان العربي أولى، فإن اللسان العربي أكثر انتشارا في العالم من اللسان الرومي، والناطقون به بعد ظهور الإسلام أكثر من الناطقين بغيره، وهو أكمل بيانا وأتم تفهماً. وحينئذ فيكون وصول المعاني به إلى غير أهل لسانه أيسر، لكمال معناه ولكثرة العارفين به. وهؤلاء علماء النصارى يقرؤون كتب الطب والحساب والفلسفة وغير ذلك باللسان العربي، مع أن مصنفيها كانوا عجما من رومي ويوناني وغير ذلك. فما المانع أن يقرأ القرآن العربي وتفسيره وحديث النبي صلى الله عليه وسلم باللسان العبري، مع أنه أخذ عن الرسول بالعربي، وهو أولى بأن يعرف به مراد المتكلم به؟ الوجه الثالث: أن يقال: الناس لهم في عدل الله ثلاثة أقوال: قيل: كل ما يكون مقدورا فهو عدل. وقيل: العدل منه نظير العدل من عباده، وهما قولان ضعيفان. وقيل: من عدله أن يجزي المحسن بحسناته، لا ينقصه شيئا منها، ولا يعاقبه بلا ذنب. ومعلوم أنه إذا أمر العبد بما يقدر عليه، كان جائزا باتفاق طوائف أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى. وإن كان الفعل مكروها للإنسان، فإن الجنة حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، فقد كلفت بنو إسرائيل والنصارى من الأعمال ما هو مكروه لهم وشاق عليهم. فكيف يمتنع أن يأمرهم وينهاهم بلغة يبين بعض المسلمين معناها لهم؟ والعرب الذين نزل القرآن بلسانهم طبقوا الأرض، ومنهم نصارى لا يحصون. فكل من عرف بالعربية من النصارى، أم كان فهم ما يقال بالعربي، ومن كان منهم روميا، كان له أسوة من أسلم من سائر طوائف الأعاجم، كالفرس والترك والهند والبربر والحبش وغيرهم، وهم متمكنون من معرفة ما أمرهم الله به والعمل به، كما يمكن هؤلاء كلهم، بل الروم أقدر على ذلك من غيرهم. فلأي وجه يمتنع أن يأمرهم الله بذلك؟ وما لا يتم الواجب إلا به، إذا كان مقدورا للعبد، فعليه أن يفعله باتفاق أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى. وإنما تنازع الناس فيه: هل يسمى واجبا؟ قيل: يسمى واجبا. وقيل: لا يسمى واجبا. فإن الآمر لم يقصده بالأمر، وقد لا يخطر بباله إذا كان الآمر مخلوقا. قال هؤلاء: ولأن الواجب ما يذنب تاركه شرعا، أو يعاقب تاركه شرعا، أو ما يستحق تاركه الذنب، أو ما يكون تركه سببا للذنب أو العقاب. وقالوا: وما لا يتم الواجب إلا به، لا يستحق تاركه الذنب والعقاب، فإن الحج إذا وجب على شخصين: أحدهما بعيد والآخر قريب، ولم يفعله، لم تكن عقوبة البعيد على الترك أعظم من عقوبة القريب، مع أن المسافة التي لا بد لهما من قطعها أثر. وكذلك من وجب عليه قضاء دينه من غير احتياج إلى بيع شيء من ماله، ليست عقوبته على الترك بأقل من عقوبة من يحتاج إلى بيع مال له ليقضي به دينه. وفصل الخطاب: أن ما لا يتم الواجب إلا به، هو من لوازم وجود الواجب، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. فالمأمور به لا يمكن فعله إلا بلوازمه، والمنهي عنه لا يمكن تركه إلا بترك ملزوماته، لكن هذا الملزوم لزوم عقلي أو عادي، فوجوبه وجوب عقلي عادي، لا أن الآمر نفسه قصد إيجابه، والذنب والعقاب على تركه. وتنازع الناس: هل يقال: ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، سواء كان وجوبه شرعيا أو عقليا؟ إلى آخره. يشير إلى أن الواجب أولا بالشرع، ليس بالعقل. وثانيا: أننا نفرق بين معنى الواجب ومعنى الوجوب، فالوجوب لم يؤمر به العبد، والواجب أمر به العبد، لأن الوجوب ليس في استطاعة الإنسان، مثل أوقات الصلاة مثلا، ووقت الصلاة هذا من الوجوب، ليس من الواجب، وهو ليس في قدرة الإنسان أن يدخل الوقت، ولا هو مأمور به. وكذلك نصاب الزكاة هو شرط وجوب، فليس هو مما أمر به الإنسان. فإذا نفرق بين ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به، فليس بواجب. هذا الفصل كذلك أجعله المؤلف رحمه الله للجواب على هذه الشبهة الأخرى، التي زعم فيها أن نزول الكتاب بغير لسانهم، ثم دعوتهم وإلزامهم بالإيمان بهذا الدين، أنه خلاف العدل. فبين المؤلف رحمه الله تعالى بأن العدل هو وضع الشيء في موضعه، بإثابة المحسن، وكذلك معاقبة المذنب. ثم أبان بهذه الأوجه أن إعراضهم عن تعلم هذا الدين، ولو كان بغير لسانهم، يعتبر ذنبا ونقصا. فإذا كان هو في حق العلوم الدنيوية المحضة يعتبر نقصا، فكيف بأمر الدين هو أعظم وأعظم؟ فلو أن رجلا ترك تعلم الحساب مثلا، أو غيره مما قد يحتاجه، بحجة أنه لم يجده بلسانه، لصار هذا لوما عليه، إذ أمكنه أن يترجمه أو ينظر من يترجمه له، وليس هذا بعذر. فكيف بأمر فيه نجاح في الدنيا ونجاح في الآخرة، وهداية في الدنيا، وكذلك سلامة في الآخرة؟ فهو أولى. وهذه الأوجه كلها تدور حول هذا المعنى، وهي واضحة وظاهرة بما يغني عن أي زيادة، والله تعالى أعلم. وأما قوله: هذا ربما يحتاج إلى إشارة فقط بمسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أشار بهذا إلى أن تعلم اللغة من الواجب، إذا كان لا يصل إلى معرفة الدين إلا به، وضرب أمثلة وأشياء عقلية وعادية وغير ذلك، يؤكد هذا المعنى أنه ليس فقط مما جاء الأمر به بالشرع، بل كذلك مما لا يجحده عقل صحيح، ولا تنكره عادة من العوائد، لا عوائد المسلمين ولا عوائد الكافرين. فإن ما لا يتم الأمر إلا به فهو مأمور به، فمثلا لو أمر أب ابنه أن يأتي له بطعام، فكونه ليس عنده طعام وليس عنده مال، ويحتاج أن يكتسب هذا من لازم الأمر، إذن يلزمه، ليس له حجة أن يقول لأبيه: أنت أمرت أني آتي بطعام وأنا ليس عندي طعام، فإذن لا تلومني في ذلك، هذا ليس بصحيح، ولا يعد عذرا، فهو مطالب بالطعام يأتي به، بما لا يتم منه، يكتسب، يستلف، يستعير، يستدين، يفعل ما يشاء، المهم يأتي بالطعام لأبيه. هذا المثال، وإلا فالأمثلة كثيرة تبين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب شرعا، وهو كذلك عقلا، وهو كذلك عادة وعرفا. ثم المسألة الأخرى التي أشار إليها، وطبعا تعريف الواجب بما عرفه هو تعريف بالثمرة، كما مر معنا، وتبين، وأحسن منه تعريفه بالماهية، لكن المقصود هنا فقط الإشارة إلى ما يحتاج إليه في هذا المقام، ليس المقصود تحقيق تعريف الواجب. وأما قوله: وتنازع الناس، هذه مسألة ذكرت استطرادا، تنازع الناس: هل يقال ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، سواء كان وجوبه شرعيا أو عقليا؟ إلى آخره. يشير إلى أن الواجب أولا بالشرع، ليس بالعقل. وثانيا: أننا نفرق بين معنى الواجب ومعنى الوجوب. والله أعلم.