الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 52، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تفسير النصارى لآية البقرة ويرد عليه، ويبين أن الآية تشير إلى النبيين والكتاب المنزل معهم. يوضح أن المقصود بالاختلاف هو اختلاف الأمم قبلهم.
يتناول اختلاف اليهود والنصارى في التوحيد والأنبياء والتشريع، ويبرز موقف المسلمين من هذه القضايا. يوضح أن المسلمون أثبتوا لله صفات الكمال ونزهوه عن النقائص.
يتناول الاختلافات بين اليهود والنصارى والإسلام، ويبين أن الإسلام هو الدين العدل القيم. يشير إلى سبق المسلمين في اكتشاف الأمريكيتين وتأثيرهم فيه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «الجواب الصحيح»: ﴿فصل﴾ وقد تبين بما ذكرناه فساد قولهم في تفسير آية البقرة، فإنهم قالوا: «وقال في سورة البقرة: ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾، قالوا: فأراد بقوله النبيين المبشرين ورسله، ينحو بذلك عن الحواريين الذين دوّروا في سبعة أقاليم العالم وبشروا بالكتاب الذي هو الإنجيل الطاهر، لأنه لو كان أراد إبراهيم وموسى وداود ومحمد لكان قال: ومعهم الكتب؛ لأن كل واحد منهم جاء بكتاب دون غيره، ولم يقل إلا الكتاب الواحد؛ لأنه ما أتى جماعة المبشرين بكتاب واحد غير الحواريين الذين أتوا بالإنجيل الطاهر». فيقال لهم: قد تقدم بعض ما يدل على فساد هذا التفسير. وأيضا فإنه قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾، والحواريون ليسوا من النبيين، وإن كان المسيح أرسلهم، ولا يلزم من إرساله لهم أن يكونوا أنبياء، كمن أرسلهم موسى ومحمد وغيرهما، ولهذا تسميهم عامة النصارى رسلا ولا يسمونهم أنبياء. وأيضا فإنه قال: ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾، والحواريون لم ينزل معهم الكتاب، إنما أنزل الكتاب مع المسيح، ولكن الأنبياء أنزل معهم جنس الكتاب؛ فإن الكتاب اسم جنس، يدخل فيه الكتب المنزلة كلها، كما في قوله: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾، وفي قوله: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، وفي القراءة الأخرى: ﴿وكتابه ورسله﴾. وكذلك قوله عن مريم: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾، وفي القراءة الأخرى: ﴿وكتابه﴾. وأيضا قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾، وقال تعالى في سورة يونس: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾، وهذا يدل أنهم لما اختلفت بنو آدم بعث الله النبيين، واختلافهم كان قبل المسيح، بل قبل موسى، بل قبل الخليل، بل قبل نوح، كما قال ابن عباس: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم حدث فيهم الشرك والاختلاف». والاختلاف على وجهين: تارة يختلفون فيؤمن بعضهم ويكفر بعضهم، كما قال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾، وقال تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ يعني أهل الإيمان والكفر. وقد يكون المختلفون كلهم على باطل، كقوله: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾، وقوله: ﴿وليزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾. وأيضا فالإنجيل ليس فيه حكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، بل عامته مواعظ ووصايا وأخبار المسيح، بخلاف التوراة والإنجيل؛ فإن فيهما من الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ما ليس في الإنجيل. وأيضا فإنه قال: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم﴾، فهذا ذم للذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وذلك يقتضي أن الله هدى الذين آمنوا بعد اختلاف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم لما اختلفوا فيه من الحق، وهذا ذم لمن أوتوا الكتاب فاختلفوا، والنصارى داخلون في هذا الذم، ولو كان المراد الإنجيل لكانوا هم المذمومين دون غيرهم، وليس كذلك، بل اليهود وغيرهم من المختلفين مذمومون أيضا، وإنما الممدوح هم المؤمنون الذين هداهم الله لمختلف أولئك فيه من الحق بإذنه، وهذا يتناول أمة محمد صلى الله عليه وسلم قطعا، وقد يتناول كل من آمن من الأمم المتقدمة كالذين كانوا على دين موسى والمسيح وإبراهيم الخليل. كما قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله هداهم لمختلف فيه الأمم قبلهم يلحق بإذنه، وهذا بين؛ فإنهم على الحق والعدل الوسط بين طرفي الباطل. وهذا ظاهر في اتباعهم الحق الذي اختلفت فيه اليهود والنصارى في التوحيد والأنبياء والأخبار والتشريع والنسخ والحلال والحرام والتصديق والتكذيب وغير ذلك. أما التوحيد، فإن اليهود شبهوا الخالق بالمخلوق، فوصفوا الرب سبحانه بصفات النقص التي يوصف بها المخلوق، فقالوا: إن الله فقير وبخيل وإنه يتعب وغير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق -صفات الكمال التي يوصف بها الخالق- فقالوا عن المسيح: إنه خالق السماوات والأرض القديم الأزلي علام الغيوب القادر على كل شيء، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله -الآية-. والمسلمون هداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق، فلم يشبهوا الخالق بالمخلوق ولا المخلوق بالخالق، بل أثبتوا لله ما يستحقه من صفات الكمال ونزهوه عن النقائص، وأقروا بأنه أحد ليس كمثله شيء وليس له كفوا أحد في شيء من صفات الكمال، فنزهوه عن النقائص خلافا لليهود، وعن مماثلة المخلوق له خلافا للنصارى. وأما الأنبياء عليه السلام، فإن اليهود قتلوا بعضا وكذبوا بعضا، كما قال تعالى: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾. والنصارى أشركوا بهم وبمن هو دونهم، فعبدوا المسيح، بل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وجعلوا الحواريين رسلا لله، وزعموا أن الإنسان يصير بطاعته بمنزلة الأنبياء، وصوروا تماثيل الأنبياء والصالحين، وصاروا يدعونهم ويستشفعون بهم بعد موتهم، وإذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تماثيلهم. وفي «الصالحين» أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر من حسنها وتصاوير فيها، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وأما المسلمون فهداهم الله لمختلف فيه من الحق بإذنه، فآمنوا بأنبياء الله كلهم، ولم يفرقوا بين أحد منهم، ولم يغلو فيهم غلو النصارى، ولا قصروا في حقهم تقصير اليهود. وكذلك اليهود الذين يأمرون بالقصد من الناس، والنصارى يطيعون من يأمر بالشرك، وإن الشرك لظلم عظيم، ويطيعون من يحرم الحلال ويحلل الحرام. والمسلمون يطيعون من يأمر بطاعة الله، ولا يطيعون من يأمر بمعصية الله. والنصارى فيهم الشرك بالله، واليهود فيهم الاستكبار عن عبادة الله، كما قال تعالى في النصارى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾، وقال في اليهود: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾. والإسلام هو أن يستسلم العبد لله وحده، فيعبده وحده بما أمره به، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له بل استكبر عن عبادته كان ممن قيل فيه: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادته سيدخلون جهنم داخرين﴾. فلهذا كان جميع الأنبياء وأممهم مسلمين لله، يعبدونه وحده بما أمرهم به، وإن تنوعت شرائعهم، فالمسيح لم يزل مسلما لما كان متبعا لشرع التوراة، ولما نسخ الله له نسخة منها، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يزل مسلما لما كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم لما صلى إلى الكعبة، ولما بعثه الله إلى الخلق كانوا كلهم مأمورين بطاعته، وكانت عبادة الله طاعته، فمن لم يطعه لم يكن عابدا لله فلم يكن مسلما. وأما التشريع، فإن اليهود زعموا أن ما أمر الله به يمتنع منه أن ينسخه، والنصارى زعموا أن ما أمر الله به يسوغ لأكابرهم أن ينسخوه، فهدى الله المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق، فقالوا: إن الله سبحانه له أن ينسخ ما شرعه خلافا لليهود، وليس للمخلوق أن يغير شيئا من شرع الخالق خلافا للنصارى. وأما الحلال والحرام والطهارة والنجاسة، فإن اليهود حرمت عليهم الطيبات وشددت عليهم من أمر النجاسات حتى منعوا من مؤاكلة الحائض والجلوس معها في بيت، ومن إزالة النجاسة، وحرم عليهم شحم الخنزير والكليتين وكل ذي ظفر وغير ذلك. والمسيح عليه السلام أحل لهم بعض الذي حرم عليهم، فقابلهم النصارى فقالوا: ليس شيء محرم، لا الخنزير ولا غيره، بل ولا شيء نجس، لا البول ولا غيره، وزعموا أن بعض أكابرهم رأى ملاءة صور له فيها صور الحيوان، وقيل له: «كل ما طابت نفسك ودع ما تكره»، وأنه أباح لهم جميع الحيوان، ونسخوا شرع التوراة بمجرد ذلك. فالحلال عندهم ما اشتهته أنفسهم، والحرام عندهم ما ترته أنفسهم. فهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه يلحق، فأحل لهم الله الطيبات وحرم عليهم الخبائث، وأزال عنهم الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل خلافا لليهود، وأمرهم بالطهارة -طهارة الحدث والخبث- خلافا للنصارى. والمسيح عليه السلام جعلته اليهود ولد زنا كذابا ساحرا، وجعلته النصارى هو الله خالق السماوات والأرض، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فشهدوا أنه عبد الله مخلوق خلافا للنصارى، وأنه رسول وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين خلافا لليهود. وأما التصديق والتكذيب، فإن اليهود من شأنهم التكذيب بالحق، والنصارى من شأنهم التصديق بالباطل، فإن اليهود كذبوا من جاءهم بالحق -وهي الأنبياء- كما قال تعالى: ﴿فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾. والنصارى يصدقون بمحالات العقول والشرائع، كما صدقوا بالتثليث والاتحاد ونحوهما من الممتنعات. جعل المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الفصل تتمة لما سبق في دعوة إثبات النبوة والرسالة للحواريين، وسبق هناك أن هذا ليس بصحيح، لا بدليل المنقول ولا بدليل المعقول، ولا بالقياس الصحيح، فهو باطل من هذه الأوجه جميعا، وأكد ذلك هنا، وأبان -رحمه الله- شيء من الفروق في دين الإسلام ودين اليهود والنصارى، وكيف أن الإسلام هو الاستسلام لله عز وجل عقيدة وعبادة ومعاملة. وأبان -رحمه الله تعالى- في هذه الفقرات التي ذكرها -رحمه الله- شيء من ذلك، وكيف أن الله عز وجل هدى أهل الإسلام لمختلف فيه بالحق بإذنه سبحانه وتعالى، فهداهم لحقيقة التوحيد لله عز وجل الذي يكمن بإفراد الله عز وجل بالعبادة مع التسليم له في الشرع والدين، واليهود لم يفعلوا ذلك والنصارى لم يفعلوا ذلك. وهكذا كذلك في أحكام العبادات، وهكذا كذلك فيما اختلف فيه اليهود والنصارى في أمر الأنبياء والرسل، وتفاصيل عدد من الأحكام كالنسخ وأشياء في العبادات ونحوها مما أشار إليه -رحمه الله-. فالحاصل: إن دل على شيء، دل على صحة هذا الدين الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنه الدين العدل القيم الذي أنزل من فوق سبع سماوات، وبين به ضلال اليهود وضلال النصارى في هذا الباب، جفاء اليهود وتعنتهم، وهكذا كذلك ضلال النصارى وخرافتهم. فالنصارى ساروا في باب العقائد على الخرافة، كما قال: «يصدقون بمحالات العقول»، ويخرجون عن الشريعة، والعكس من ذلك اليهود سلكوا مسلك الجفاء، وهكذا كذلك التعنت، فحرم الله عز وجل عليهم ما حرم بظلمهم. وفي أول كلام شيخ الإسلام لفتة لبعض أو لمسألة مما اشتهر بكلام المتأخرين المعاصرين، وهو ليس بصحيح، وهذا من التحريف في التاريخ، وفي كذلك بعض المسائل العلمية، وهي زعمهم أن القارات لم تكن معروفة إلا خمس، وأن الأمريكية اكتشفها من اكتشفها من البحارة والرحالة في القرون الوسطى، ويريدون كولومبوس، وهذا من الكذب والتحريف للتاريخ. بل لا يزال الناس يعلمون أن الأقاليم سبعة وهي القارات، وعند علماء المسلمين من البراهين أنهم أول من وصل إلى الأمريكيتين قبل هؤلاء الذين زعموا أنهم وصلوا، من الكتب المدونة، وه، ما هو موجود من تاريخ الأندلس، فإن أمراء وعلماء بلاد الأندلس حكموا فترة من الزمن بلاد الأمريكيتين، كما هو مدون في كتب تاريخ المسلمين. وهكذا كذلك مصور في عدد من المؤلفات، وقد ألف بعض المعاصرين مؤلفا في هذا الباب، يكذب فيه هذه الخرافة، وهذا الكذب والتحريف في التاريخ الذي يزعمه الكثير من الأوروبيين في هذا الباب، وهو ليس بصحيح. يعني: في أن أهل الأندلس هم أول من وصل إلى بلاد الأمريكيتين، وأثر ذلك ظاهر حتى في الأمريكيتين، فإن أصول أهل بلاد الأندلس من انتشار اللغة الأسبانية والبرتغالية أقوى وأرسخ من أصول اللغات الأوروبية بعد ذلك، وهذا يؤيده الحس والواقع، وهو كذلك في تاريخ الأمم كما هو معلوم، وشهد بذلك بعض الكفار فضلا عن المسلمين. فهذا شيخ الإسلام، وهو في القرن الثامن، يثبت الأقاليم السبعة، وهم يزعمون أنه ما اكتشف إلا في 1800 أو نحوها ميلادي، هكذا 1800 أو 1600، ما أذكر الآن في هذا الحدود، المهم يعني بعد 1500، هذا يدلنا على أن الكثير مما يزعم أنه حقيقة، عند التحقيق يتبين أنه ليس بحقيقة، بل هو خلاف الواقع وخلاف الحق. طيب لهنا، والله تعالى أعلم.