الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 53، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الرد على شبهات النصارى حول الإنجيل والتوراة، ويوضح أن القرآن يشهد لهم بأنهم أنصار الله. كما يبين أن تعظيمهم لكتبهم لا يعني صحة ما لديهم بسبب التحريف والتغيير الذي طرأ عليها.
يناقش تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالإيمان والكتب السماوية، ويفند تأويلات النصارى لبعض الآيات. كما يشير إلى تحريف اليهود والنصارى للكلم عن مواضعه في التوراة والإنجيل.
يؤكد وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ويبين أن القرآن هو المرجع الصحيح للإيمان. كما يبين أن القرآن أنصف النصارى وأثبت ما كان حقاً ورد ما كان باطلاً.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الجواب الصحيح تدين المسيح. قال فصل: ثم قالوا عن القرآن إنه يشهد لهم أنهم أنصار الله، حيث يقول: كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصار إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله، فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفر الطائفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين. فيقال: هذا حق، والحواريون مؤمنون مسلمون، وهم أنصار الله، لكن ليس في هذا أنهم رسل الله، ولا في هذا أن كل ما أنتم عليه من الدين مأخوذ عنهم، ولا في هذا أن الواحد من الحواريين معصوم من الغلط. بل أمر الله المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا أنصار الله، كما طلب المسيح ذلك بقوله: من أنصار إلى الله. وقد وصف الله المؤمنين أصحاب النبي من أهل المدينة النبوية بأنهم أنصار الله، بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهم أيضا من أنصار الله، نصروه كما نصره الأنصار، لكن لما كان لهم اسم يخصهم، وهو المهاجرون، وهو أفضل الاسمين، خص الأنصار بهذا الاسم. والمهاجرون والأنصار أفضل ممن آمن بموسى ومن آمن بعيسى عند المسلمين، ومع هذا فليس فيهم عندهم نبي ولا رسول لله، ولكن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الفصل جعله رحمه الله في رد هذه الشبهة. ويتبع لما سبق: فإن ذكر الحواريين بأنهم أنصار لله أو أنصار الله لا يعني أنهم أنبياء ولا رسل، ولا يعني أن يتابعوا في غلط. وهذا ظاهر، وهذا إن دل على شيء، دل على صحة هذا الدين الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو دين العدل والإنصاف، لم يبخس أحد حقه، بل أعطي كل ذي حق حقه. وكما أن أهل الإسلام لا يأذنون لأنفسهم أن يتابعوا أخص صحابة النبي عليه الصلاة والسلام في خطأ وقع منهم ينافي ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فكذلك ينبغي أن يكون في حق النصارى أن يكتفوا بما أنزل الله من وحي على رسولهم. وأما أن يأذنوا لأحد بعد الرسول أن يشرع وأن يغير ويبدل في الدين وأن ينسخ ويخترع ما يشاء من أحكام، بل وأناجيل تستمر: إنجيل متى، وإنجيل يوحنا، وإنجيل كذا وكذا، بحجة أنهم رسل يوحى إليهم، فهذا باطل وافتراء على الله وتغيير وتبديل لدين الله، حتى ما بقي من دين المسيح شيء من كثرة التبديل والتغيير والنسخ الذي فعله أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام. وهذا لا يجوز، بل الواجب البقاء على ما أنزل الله من شرع ودين في حق كل رسول ونبي بعثه الله. قال سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. فقط الهدى الذي أنزله على رسوله ونبيه. والنصارى على خلاف ذلك، غيروا وبدلوا كما مر معنا في قصة حديث أدي بنى حاتم وغيرها. الله عز وجل أنزل في حقه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ومن معنى اتخاذهم الأرباب: تحليل الحرام وتحريم الحلال، كما مضى. قال فصل: قالوا: أما تعظيمه لإنجيلنا وكتبنا التي بأيدينا، فيقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. وقال في سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾. وقال في سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فأعنى بالكتاب الإنجيل، والذين يؤمنون بالغيب نحن النصارى الذين آمنا بالمسيح وما رأيناه. ثم أتبع بالقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. فأعنى بهم المسلمين الذين آمنوا بما أوتي به وما أوتي من قبله. وقال في سورة المائدة: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلِيَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وقال في سورة آل عمران: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. فأعنى أيضا بالكتاب المنير الذي هو الإنجيل المقدس. وقال أيضا: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فثبت بهذا ما معنى ونفى عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التهم والتبديل والتغيير، لما فيها بتصديقه إياها. والجواب: بعد أن تعرف أن لفظ الآية الأولى من سورة المائدة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ أَوْ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. أن يقال: أما تصديق خاتم الرسل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله قبله من الكتب ولمن جاء قبله من الأنبياء، فهذا معلوم بالاضطرار من دينه، متواترا تواترا ظاهرا كتواتر إرساله إلى الخلق كلهم. وهذا من أصول الإيمان. قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. إلى آخر الآيات. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. إلى آخر الآيات. وتصديقه للتوراة والإنجيل مذكور في مواضع من القرآن. وقد قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾. وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾. فبين أنه أنزل هذا القرآن مهيمنا على ما بين يديه من الكتب. والمهيمن: الشاهد المؤتمن الحاكم، يشهد بما فيه من الحق وينفي ما حرف فيها ويحكم بإقرار ما قره الله من أحكامها وينسخ ما نسخه الله منها. وهو مؤتمن في ذلك عليها. وأخبر أنه أحسن الحديث وأحسن القصص. وهذا يتضمن أنه كل ما كان متمسكا بالتوراة من غير تبديل شيء من أحكامها فإنه من أهل الإيمان والهدى. وكذلك من كان متمسكا بالإنجيل من غير تبديل شيء من أحكامه قبل النسخ فهو من أهل الإيمان والهدى. وليس في ذلك مدح لمن تمسك بشرع مبدل، فضلا عن من تمسك بشرع منسوخ، ولم يؤمن بما أرسل الله إليه من الرسل وما أنزل إليه من الكتب. بل قد بين كفر اليهود والنصارى بتبديل الكتاب الأول وبترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في غير موضع. وأما تأويلهم قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إنه الإنجيل، وإن الذين يؤمنون بالغيب: هم النصارى، فهو من تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل كلام الله كما فعلوه في قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾. وفي قوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ أي باللاهوت. وفي قوله: ﴿دِينَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. وفي غير ذلك مما ذكروه وتأولوه من القرآن على غير المعنى الذي أراد الله به. وهذا مما يؤيد أنهم فعلوا كذلك بالتوراة والإنجيل. فإنه إذا كان القرآن الذي قد عرف تفسيره والمراد به العام والخاص ونقل ذلك عن الرسول نقلا متواترا حتى عرف معناه علما يقينا اضطراريا، فيبدلون معناه ويحرفون الكلم عن مواضعه، فماذا يصنعون بالتوراة والإنجيل؟ وليس في أهل تلك الكتب من يذب عن لفظها ومعناها كما يذب المسلمون عن لفظ القرآن ومعناه. وهؤلاء غرهم قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. فظنوا أن لفظ ذلك لما كان يشار به إلى الغائب، أشير به إلى الإنجيل. فيقال لهم: هذا كقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَاتِ الْكِتَابِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. وأشار بذلك إلى ما تلاه قبل هذه الآية. وقوله: ﴿وَأَنْفَقْتُمْ﴾. وليسألوا ما أنفقوا: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ومثله قوله تعالى: بعد أن ذكر خبر يوسف الصديق: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. وقال أيضا لما ذكر خبر مريم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. كما قال لما ذكر آيات يخبر فيها عن نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾. وقال: ﴿أَلَمْ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وتلك في المؤنث مثل ذلك في المذكر. ومع هذا فأشار إلى القرآن. ومنه قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾. وقوله: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ومنه قوله: ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. ومنه قوله: ﴿حَم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. وقوله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. الآية. ومثل هذا كثير. وذلك أنه لما أنزل قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. ونحو ذلك، لم يكن الكتاب المشار إليه قد أنزل تلك الساعة، وإنما كان قد أنزل قبل ذلك. فصار كالغائب الذي يشار إليه كما يشار إلى الغائب. وهو باعتبار حضوره عند النبي صلى الله عليه وسلم يشار إليه كما يشار إلى الحاضر. كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾. ولهذا قال غير واحد من السلف: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. أي هذا الكتاب. يقولون: المراد هذا الكتاب. وإن كانت الإشارة تكون تارة إشارة غائب وتارة إشارة حاضر. وقد قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. وقد وصف النصارى بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وأنهم كافرون ظالمون. فكيف يجعلهم المتقين الذين يؤمنون بالغيب؟ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. ونهى عن مؤالاتهم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. وقد أخبر أن الله ولي المتقين، فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. فلو كانوا من المتقين، فضلا عن أن يكونوا هم المتقين، لكان الله وليهم، ولكانت موالاتهم واجبة على المؤمنين. وهو قد نهى عن موالاتهم، وجعل من يتولاهم ظالما. وجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض. ولهذا لما قطع الله الموالات بين المؤمن وبين الكافرين، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». واتفق المسلمون على أن اليهود والنصراني لا يرث مسلما، ولو كان ابنه وأباه، لأن الله قطع الموالات بينهما. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾. الآية. وأيضا فإنه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. وهي الصلاة التي أمر بها في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». والنصارى يصلون بغير طهور. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». وهم لا يقرؤونها. والصلاة التي فرضها وأثنى عليها مجتمعة على استقبال الكعبة، وعلى ركوع وسجدتين في كل ركعة، وغير ذلك مما لا يفعله النصارى. فكيف يمدحهم بإقامة الصلاة، وهم لا يقيمون الصلاة التي أمر بإقامتها؟ ثم لو قال اليهود: المراد بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ التوراة، وبالمتقين: اليهود، لكان هذا مع بطلانه أقرب من قول القائل: أن المراد بالكتاب الإنجيل، لأن التوراة أحق بذلك من الإنجيل، فإنها الأصل. والله تعالى يقرن بينها وبين القرآن في غير موضع. فقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقد قالت الجن لما سمعت القرآن: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال النجاشي لما سمع القرآن: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». وكذلك ورقة بن نوفل قال: «هذا هو الناموس الذي كان ينزل على موسى بن عمران». وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. أي التوراة والقرآن. ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. أي موسى ومحمد. ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. وقالوا: «ساحران». يعني ما عندك ساحران أو سحران. سحران لا. الله. صواب. ساحران تظاهرا. لي ساحران. وقالوا: «ساحران تظاهرا». أي موسى ومحمد. ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قال الله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقد بين أنه لم يأتي من عند الله كتاب أهدى من التوراة والقرآن. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون. وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. فهي صفة ثانية للذين يؤمنون بالغيب، مجملة. ثم وصفهم بإيمان مفصل بما أنزل إليك وما أنزل من قبله. والعطف بالواو يكون لتغاير الذوات، ويكون لتغاير الصفات. كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَمِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. إلى آخر الآيات. وقد فسر قبل قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. صفة المؤمنين من غير أهل الكتاب، كمشركي العرب. و﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. صفة من آمن به من أهل الكتاب. وعلى هذا القول هؤلاء غير هؤلاء. لكن هذا ضعيف، فإنه لا بد في المؤمنين من غير أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله. ولا بد في مؤمن أهل الكتاب أن يؤمن بالغيب. فكل من الإيمانين واجب على كل واحد. وليكون أحد على هدى من ربه مفلحا إلا بهذا وهذا. وأما قول النصارى: نحن الذين آمنا بسيد المسيح ما رأيناه. فهكذا اليهود آمنوا بموسى عليه السلام ما رأوه. والمسلمون آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما رأوه. بل المسلمون آمنوا بموسى وعيسى وسائر النبيين وما رأوهم. بخلاف اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض. ثم الغيب ليس المراد به صورة النبي عليه السلام، فإن الصورة النبي ليست من الغيب، فإن الناس يرونها. وليس في رؤيتها ما يوجب إيمانا ولا كفرا. ولكن الغيب ما غاب عن مشاهدة الخلق. وهو ما أخبرت به الأنبياء من الغيب. فيدخل فيه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. وهذا الفصل كذلك اجعله رحمه الله تعالى في رده هذه الشبهة. وهو زعمهم أن في القرآن ما يدل أن الإنجيل ليس بمحرف. وهذا باطل. وخلاصة هذا الفصل أن الجواب على ذلك من وجهين: الأول أن في هذا ممدحة للقرآن لا ذم للنصارى ودينهم لا مدح. وذلك أن القرآن أنصف النصارى، فما كان من حق أثبت، وما كان من باطل رد عليهم. فالمراد بالكتاب: الكتاب الذي لم يحرف، وهو الذي أثنى الله عليه في القرآن، ونبينا عليه الصلاة والسلام في السنة، أي التوراة والإنجيل قبل التحريف. وأما بعد التحريف فلا. وفي القرآن والسنة مما فيه بيان أوجه التحريف التي وقعت عند أهل الكتاب، ما يبين أن هذا الادعاء باطل. ثم الأمر الآخر: كما سمعنا في هذا الكلام والاستدلال شيء من الكذب والتدليس والتحريف الذي يدل على جهل هؤلاء النصارى أو على عدم أمانتهم. فهم بين رجلين: بين رجل جاهل يستدل بما لا يصح الاستدلال به، وبين رجل غير أمين يستدل بما يعرف أنه لا يصح الاستدلال به فيحرف المعنى. وهذا كما قال شيخ الإسلام: إن دل على شيء، دل على صحة ما وقع من تحريف وتغيير وتبديل في دينهم. وهذا هو الواقع أن التحريف والتبديل وقع بهذين الأمرين: من جهة أهل الجهل، ومن جهة كذلك أهل عدم الأمانة الذين حرفوا وغيروا وبدلوا. قال رحمه الله: ربما يكون عند من لم ير النبي من دلائل رسالته وصحة نبوته ما هو أكثر ممن رآه. يريد بذلك رحمه الله الإشارة إلى بطلان قاعدتهم التي أصلت ضمنا في هذا المعنى. فينبغي أن يعلم أن الحق يعرف بوصف الحق فيه لا بأي اعتبارات أخرى. ولهذا فلا فرق بين قريب وبعيد. ومن فضل الله عز وجل على هذه الأمة جميعا: أمة الدعوة وأمة الإجابة، أن ختم الله عز وجل بهذا الدين وبهذا الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنزل هذا الكتاب الذي هو مهيم على ما سبق من الكتب، يعني مبين لما فيه من صواب وما أدخل فيه من خطأ. وهذا حكم عظيم من الله. وهكذا كذلك مبين ما عليه أحوال مدعيه من اليهود والنصارى من صواب وخطأ، ونسخ ونسخ لما لا حاجة للخلق فيه لحكمته ورحمته وفضله بخلقه. حتى ما كان من حق وثبت في الكتاب الأول، فهذا القرآن جاء مهيم عليه، نسخ بعضه بما فيه الحكمة والمصلحة للخلق. فوجب على كل منصف بعد تأمل ذلك كله الإيمان بما أمر الله الإيمان به، من الإيمان بالأنبياء والرسل قبل، وبهذا النبي والرسول عليه الصلاة والسلام من بعد. والله أعلم.