الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 68

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 68

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 68، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على ادعاءات أهل الكتاب حول تحريف كتبهم

يناقش الشيخ ادعاءات أهل الكتاب بأن كتبهم لم تحرف، ويرد عليها بإثبات التحريف والتبديل في كتبهم. كما يبين أن المسلمين يثبتون بالدلائل تحريف معاني التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السماوية.

معتقدات أهل الكتاب حول ذنب آدم وتأثيره على الأنبياء والرد عليها

يناقش المقطع معتقدات أهل الكتاب حول ذنب آدم وتأثيره على الأنبياء، ويرد على فكرة أن ذنب آدم أدى إلى حبس الأنبياء في جهنم. يُظهر أن الأنبياء تابوا وغُفر لهم.

انتقاد الخرافات في الدين وبيان بطلان ادعاءات النصارى

يناقش انتقاد الخرافات في الدين وبيان بطلان ادعاءات النصارى حول صلب المسيح وخلاص البشرية، ويبين بطلان ادعاء سلامة الإنجيل قبل بعثة النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن التزديل هو الصغير، يجوز أن يكون بعد هذا القول. فقالوا: إنا نعجب من هؤلاء القوم، على علمهم وذكائهم ومعرفتهم، كيف يحتجون علينا بمثل هذا القول؟ وذلك أنا أيضا إذا احتججنا عليهم بمثل هذا القول، وقلنا: إن الكتاب الذي في أيديهم يومنا هذا قد غيروه وبدلوه، وكتبوا فيه ما أرادوا واشتهوا، هل كانوا يجوزون كلامنا؟ قال الحاكي عنهم: فقلت لهم: هذا مما لا يجوز، ولا يمكن أحدا أن يقوله، ولا يمكن أن يتغير منه... إلى آخر القصة. وصيّاتي بألفاظ بعد هذا. والجواب أن هذا السائل النصراني الذي ذكر عن المسلمين سؤالا لا يقولونه، وعن علماء النصارى جوابه هو. وهم بنوا كلامهم على أصلين فاسدين: أحدهما أن الرسول ثبت ما معهم، ونفى عن كتبهم التي بين أيديهم التهم والتبديل والتغيير لها. ومقصودهم بذلك لا يتم إلا إذا نفى التبديل عن لفظها ومعناها. وهذا مما يعلم كل عاقل أن الرسول لم ينفه عنهما، بل النقل المتواتر عنه بنقيض ذلك. وهم أيضا، وكل عاقل يعلم أن الكتب التي بأيديهم في تفسيرها من الاختلاف والاضطراب بين فرق النصارى، وبين النصارى واليهود، ما يوجب القطع بأن كثيرا من ذلك مبدل محرف. وكذلك وقع في تغيير شرائع هذه الكتب، فإن الكتب تضمنت أصلين: الإخبار والأمر. والإيمان بها لا يتم إلا بتصديقها فيما أخبرت، وإيجاب طاعتها فيما أوجبته. وأهل الكتاب يكذبون بكثير مما أخبرت، ولا يوجبون طاعتها في كثير مما أوجبته وأمرت به. وكل فرقة منهم تشهد على الفرقة الأخرى بمثل ذلك. والنصارى لهم سبع مجامع مشهورة عندهم، وهم في كل مجمع يلعنون طائفة منهم كبيرة، ويكفرونهم، ويقولون عنهم: إنهم كذبوا ببعض ما في تلك الكتب، ولم يوجبوا طاعة بعض أمرها. وذلك الطائفة تشهد على الأخرى بأنها كذبت ببعض ما فيها. ثم فرقهم الثلاثة المشهورة: النصطورية، والملكية، والإعقوبية، كل طائفة تكفر الأخرى، وتلعنها، وتشهد عليها أنها مكذبة ببعض ما في النبوات، غير موجبة لطاعة بعض ما فيها. بل اختلافهم في نفس التوحيد والرسالة، فزعم كل فريق منهم أن المسيح جاء بما هم عليه. والمسيح عليه السلام، وجميع الرسل، برئون من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة، وبريئون من من يقول على الله غير الحق، أو يقول على الله ما لا يعلم. وبريئون من كل قول باطل يقال على الله عز وجل، وإن كان قائله مقتئا لم يتعمد الكذب. وبمقالات النصارى من هذه الأنواع ما يطول وصفه. وقد بسط في غير هذا الموضع. وإذا عرفت أن جميع الطوائف من المسلمين واليهود والنصارى يشهدون أنه قد وقع في هذه الكتب تحريف وتبديل في معانيها وتفاسيرها وشرائعها، فهذا القدر كافر. وهم من حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم صار كل من لم يؤمن به كافرا، بخلاف حال النصارى قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كان فيهم من هو متبع لدين المسيح. والمسلمون وإن كان فيهم من حرف الدين وبدله، فجمهورهم خالفوا هؤلاء، فلا يزال فيهم طائفة ظاهر على الحق، لا يضرهم من خالفهم وخذلهم، حتى تقوم الساعة. بخلاف النصارى، فإنهم كفروا جميعهم كما كفرت اليهود بتكذيب المسيح. والمسلمون يثبتون بالدلائل الكثيرة أنهم بدلوا معاني التوراة والإنجيل والزبور وغيرهم من نبوات الأنبياء، وابتدعوا شرعا لم يأتي به المسيح ولا غيره. ولا يقوله عاقل، مثل زعمهم أن جميع بني آدم من الأنبياء والرسل وغيرهم كانوا في الجحيم في حبس الشيطان، لأجل أن أباهم آدم أكل من الشجرة. وأنهم إنما تخلصوا من ذلك لما صلب المسيح. فإن هذا الكلام لو نقله ناقل عن بعض الأنبياء لقطعنا بكذبه عليهم، فكيف وهذا الكلام ليس منقولا عندهم عن أحد من الأنبياء؟ وإنما ينقلونه عن من ليس قوله حجة لازمة. فإن كثيرا من دينهم مأخوذ عن رؤوسهم الذين ليسوا بأنبياء. فإذا قطعنا بكذب من ينقله عن الأنبياء، فكيف إذا لم ينقله عنهم؟ وذلك أن الأنبياء عليهم السلام يخبرون الناس بما تقصر عقولهم عن معرفته، لا بما يعرفون أنه باطل ممتنع. فيخبرونهم بمحيرات العقول لا محالات العقول. وآدم عليه السلام وإن كان أكل من الشجرة، فقد تاب الله عليه وهداه، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وليس عند أهل الكتاب في كتبهم ما ينفي توبته. وإنما قد يقول قائلهم: إن لا نعلم أنه تاب، أو ليس عندنا توبة. وعدم العلم بشيء ليس علما بعدم، وعدم وجود الشيء في كتاب من كتب الله لا ينفي أن يكون في كتاب آخر. ففي التوراة ما ليس في الإنجيل، وفيهما ما ليس في الزبور، وفي الإنجيل والزبور ما ليس في التوراة، وفي سائر النبوات ما لا يوجد في هذه الكتب. والقرآن لو كان دون التوراة والإنجيل والزبور والنبوات، أو كان مثلها، أمكن أن يكون فيه ما ليس فيها. وكيف إذا كان أفضل وأشرف؟ وفيهما العلم أعظم مما في التوراة والإنجيل. وقد بيّن الله تعالى فضله عليهما في غير موضع، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، فقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. وسواء تاب آدم أو لم يتوب، فكيف يجوز أن يكون رسل الله الذين هم أفضل منه محبوسين في حبس الشيطان في جهنم بذنبه؟ وإبراهيم خليل الرحمن كان أبوه كافرا، ولم يؤاخذه الله بذنبه، فكيف يجعله في جهنم في حبس الشيطان بسبب ذنب أبيه الأقصى آدم، مع أنه كان نبيا؟ ونوح عليه السلام قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وأغرق الله أهل الأرض بدعوته، وجعل ذريتهم الباقين، فكيف يكون في جهنم في حبس الشيطان بسبب ذنب آدم؟ وموسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما، وأظهر على يديه من البراهين والآيات ما لم يظهر مثله على يدي المسيح، وقتل نفسا لم يؤمر بقتلها، فغفر الله له ذلك، وله من المنزلة عند الله والكرامة ما لا يقدر قدره، فكيف يكون في جهنم في حبس الشيطان؟ ثم أي مناسبة بين الصلب الذي هو من أعظم الذنوب، سواء صلب المسيح أو المصلوب به، وبين تخليص هؤلاء من الشيطان؟ فإن الشيطان إن فعل ذلك بالذرية كان ظالما معتديا. والله عز وجل قادر على منعه من ظلمهم، بل وعلى عقوبته إذا لم ينته عن ظلمهم. فلماذا أخر منعه من ظلمهم إلى زمن المسيح؟ وهو سبحانه ولي المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم، وهم رسله الذين نصرهم على من عاداهم، بل أهلك أعداءهم الذين هم جند الشيطان. فكيف لا يمنع الشيطان بعد موتهم أن يظلمهم ويجعل أرواحهم في جهنم؟ هذا إن قدر أن الشيطان كان قادرا على ذلك. وكيف يجوز أن يجعل الشيطان بعد موت أنبيائه وأوليائه، وسقوط التكليف عنهم، واستحقاقهم كرامته وإحسانه وجنته بحكم وعده ومقتضى حكمته، فجعله مسلطا على أحفادهم في جهنم؟ وإن قالوا: الرب عز وجل ما كان يقدر على تخليصهم من الشيطان، ما علمه بأنه ظالم معتد عليهم بعد الموت، إلا بأن يحتال عليه بإخفاء نفسه ليتمكن الشيطان منه، كما يزعمون. فهذا مع ما فيه من الكفر العظيم، وجعل الرب سبحانه عاجزا كما جعلوه أولا ظالما، فيه من التناقض ما يوجب عظيم جهلهم الذي جعلوا به الرب جاهلا. فإنهم يقولون: إنه احتال على الشيطان ليأخذه بعدل، كما احتال الشيطان على آدم بالحية. فاختفى منه لأن لا يعلم أنه ناسوت الإله. وناسوت الإله لم يعمل خطيئة قط، بخلاف غيره. فلما أراد الشيطان أخذ روحه ليحبسه في جهنم، كسائر من مضى، وهو لم يعمل خطيئة، استحق الشيطان أن يأخذه الرب ويخلص الذرية من حبسه. وهذا تجهيل منهم للرب سبحانه وتعالى عما يقولون، مع تعجيزه وتظليمه. فإنه إن كان هو سلط الشيطان على بني آدم كما يقولون، فلا فرق بين ناسوت المسيح وغيره، إذ الجميع بني آدم. وأيضا، فإذا قدر أن الناسوت يدفع الشيطان عن نفسه بحق، فإنهم يقولون: إنه دخل الجحيم وأخرج منه ذرية آدم. فيقال: إن كان تسلط الشيطان على حبسهم في الجحيم بحق، لأجل ذنوبهم مع ذنب أبيهم، لم يجز إخراجهم لأجل سلامة ناسوت المسيح من الذنب. وإن كانوا مظلومين مع الشيطان، وجب تخليصهم قبل صلب الناسوت، ولم يجز تأخير ذلك. فليس في مجرد سلامة المسيح من الذنوب ما يوجب سلامة غيره. وإن قالوا: إنه كان بدون تسلطه على صلبه عاجزا عن دفعه، فهو مع تسلطه على صلبه أعجز وأعجز. حسب الأصل الثاني. زاك الله خير هذا الأصل، كما سمعنا الأول الذي أجاب به رحمه الله على هذه الدعوة الباطلة. وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر بسلامة الإنجيل، وأن المسلمين ادعوا تحريف الإنجيل بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الدعوة باطلة كما بيّن رحمه الله، إذ لا دليل على ذلك لا من الكتاب الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، ولا من كلامه الصحيح الثابت عنه عليه الصلاة والسلام. فيعلم بهذا أنه كلام باطل. كيف يضاف إلى ذلك ما ذكر أن النقول المتواترة من الكتاب والسنة تدل أن الإنجيل محرف من قبل أن يبعث محمد عليه الصلاة والسلام؟ قد مرت معنا بعض تلك الأدلة التي تدل على وجود التغيير والتبديل قبل ذلك، أدلة شرعية من كتاب الله وسنة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، وأدلة محسوسة من الدين المغير المبدل الذي عليه النصارى. وأشار إلى معنى هذه الأدلة المحسوسة بذكره لمجامع النصارى المشهورة. ومراده بالمجامع أي المذاهب التي عند النصارى، فإن مذاهب النصارى كالأديان، ليس كالخلاف الفقهي الذي بين المسلمين بحسب فهم الأدلة أو ثبوت بعضها وعدمه، بل هو كالأديان. ولهذا يحصل بينهم من النزاع ما تستحل به الدماء والأعراض، وما يمتنع معه التنافح والمخالطة. وكم قد وقع في تاريخ النصارى من خصومات وخلافات وحروب وغير ذلك؟ وأساس ذلك هو اختلافهم في الدين الذي هو بسبب التغيير والتبديل. ومر معنا قريبا أن النصارى أحدثوا في فترات مختلفة أنواعا من التغييرات والتبديلات والإحداثات في الدين، والذي يسمونه تجديدا. وهم يشهدون ويقرون بتواريخ هذه التحديثات والتغيير والتبديل الذي وقع في دينهم. وقريبا مر معنا أشهر تلك التغييرات والتبديلات التي وقعت في زمن من أزمنة دين النصارى، وهو ما وقع لبعض ملوكهم الذين غيروا كثيرا من دين النصارى، فأطاعه عدد من علماء النصارى في ذلك التغيير والتبديل، حتى صار هذا الدين الذي اشتهر بين الناس من دين النصارى، وهو في الحقيقة إنما مذهب ملك من ملوكهم، ورأي من وافقه من علماء عصره على ذلك. حتى قيل: إنه لم يكن في زمانه من خالفه إلا رجل واحد. فالشاهد من هذا كله أن الشيخ رحمه الله أراد أن يبين أن هذه الدعوة باطلة، وهي متضمنة لأباطيل كثيرة. وما أشار إليه ظاهر من قضية الشيطان، وزعمهم أن الصلب هو التخلص من آثار النفس الخبيثة التي بقيت في أصل الإنسان من ذنب الأب. مع أن أدلة الشرع المتواترة عن الأنبياء أن آدم عليه الصلاة والسلام تاب، فتاب الله عليه. وأدلة الشرع المتواترة عن الأنبياء أنه لا تزر وازرة وزر أخرى. وهذا معناه موجود ليس فقط في القرآن، بل حتى في التوراة والإنجيل. بل حتى الفطر السليمة والعقول الصحيحة تستلزم اقتضاء ذلك. ومع هذا خرجوا عن المعقول وعن المنقول إلى مثل هذه الخرافات التي صارت دينا عندهم، وتفسيرا للأباطيل التي يدينون بها من قضية الصلب ونحوها، وما يتبع ذلك من أمور فاسدة شرعا وعقلا. طيب لهنا والله أعلم.