الدرس في مفيد المستفيد 32، الدرس الثاني والثلاثون:من( ومن جواب له رحمه الله لما سئل عن الحشيشة ما يجب ... ويوقفوا هذه الردة عند حدها والله يتولى الصالحين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل دور الإمام محمد بن عبد الوهاب في نشر التوحيد ومحاربة الشرك، مع التركيز على توضيح حقيقة التوحيد وأهمية العمل به. كما يشير إلى محاولات المضللين إعاقة فهم التوحيد.
يناقش هذا الفصل حكم استحلال المخدرات وتكفير من يستحلها، مستنداً إلى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ويبين أن استحلال المخدرات يعتبر كفراً وتجب استتابة من يستحلها.
يتناول هذا الفصل خطورة الشرك في هذا العصر وانتشاره بأشكال متعددة مثل القومية والمذاهب المادية، ويحذر من التجاوزات في إطلاق الأحكام بدون ضوابط شرعية.
يناقش هذا الفصل خاتمة الكتاب التي كتبها الشيخ عبد الرحمن الدوسري، ويتناول سيرته واجتهاده في الدعوة، مع التحذير من تأثير رفقاء السوء على الدعاة وعلماء الدين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد»: قال: ومن جواب له رحمه الله -يعني شيخ الإسلام- لما سئل عن الحشيشة ما يجب على من يدعي أن أكلها جائز، فقال: «وأكل هذه الحشيشة حرام». والحشيشة معروفة، هي التي تسمى اليوم بالمخدرات من الأعشاب، وأعشاب متنوعة، سواء الخشخاش. وللأسف أن بعض بلاد المسلمين، وبلادنا خاصة، صار يتعامل بها، نسأل الله السلام والعافية. وهكذا كذلك الأفيون، أو غيره من الأشياء الأخرى. قال: «أكل هذه الحشيشة حرام، وهي أخبث الخبائث المحرمة، سواء أكل منها كثيرا أو قليلا؛ لأن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين». والمقصود من الإسكار هو ذهاب العقل، ليس بالمشروب فقط؛ لأن المخدرات تذهب العقل، وربما إذهابها للعقل أشد من إذهابها للعقل بواسطة النبيد أو الخمور بأنواعها. قال رحمه الله: «سواء أكل منها كثيرا أو قليلا؛ لأن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك فهو كافر». وهل القليل فيه خلاف؟ الجواب: أما في الخمر فلا، وأما في الحشيشة فنعم، ذكر بعض العلماء ذلك، ولكنه خلاف شاذ؛ لأن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر وغيره، وألفاظه كثيرة: «ما أسكر كثيره، فملء الكف منه حرام». وفي رواية: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام»؛ يعني القليل، ولو لم يسكر، ما دام أن هذا من المسكر، فلا يجوز، لا يجوز شربه، ولو للعلاج، مثل بعض الأدوية اليوم، ربما يوضع فيها الكحول، بعض أدوية الكحة أو غيرها، مما يسمى «الكسير» أو غيره، مما هو بمعناه، توضع فيه نسبة عالية من الكحول، ويريدون بذلك تهدئة هذا المريض، لكن بماذا؟ بالحرام، وهذا لا يجوز. وكذلك يقال في كل ما كان بمعناه، مشروبا أو مطعوما، ما دام كثيره يسكر، فقليله حرام. قال: «ومن استحل ذلك فهو كافر، يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كافرا مرتدا، لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن بين المسلمين؛ لأنه استحل شيئا حراما، اتفقت الأمة على تحريمه». قال: «وحكم المرتد أشر من حكم اليهود والنصارى؛ سواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة، أو للخاص الذين يزعمون أنها «لقمة الذكر والفكر»، وأنها تحرك العزم الساكن، وتنفع في الطريق». وهو يشير إلى بعض أهل الطرق الصوفية من الباطنية في زمانه رحمه الله تعالى، فإنهم كانوا يباشرون المحرمات، ثم ما استطاعوا أن يلبسوا على عامة الناس بالشبه فيها، جاهروا بتلك المعاصي والمحرمات، وأظهروا لها تفاسير على خلاف حقيقتها، فيسمون مثلاً المخدرات «بلقمة الذكر والفكر»، وأنها تحرك العزم الساكن، وتنفع في الطريق، ويريدون بالطريق يعني «طريق التصوف»، وهذا باطل. وهذا هو دأبهم، فهم يحلون فواحش كثيرة، فضلا عن مثل هذه المسكرات والمخدرات؛ لأجل أن نعلم حقيقة حال هؤلاء الباطنية، ومن على طريقتهم من الطرقية الصوفية. وقوله: «أنهم أشد من اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصراني جعل الله عز وجل له من الأحكام بقدر ما عنده من الدين، فتؤكل ذبيحته إذا سمى، وأنهر الدم، ويتزوج من نسائهم، وغير ذلك من عصمة الدماء والأموال، إنهم أدوا الجزية، وغير ذلك». أما المرتد فليس له إلا السيف، إن تاب، وإلا قتل كافرا مرتدا، كما ذكر رحمه الله تعالى، فلا تؤكل ذبيحته، ولا كذلك يتزوج من أنت أمثال هؤلاء إذا كانت على طريقتهم، وغير ذلك من الأحكام. قال: «وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر يباح للخاصة، متأولا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93]، فاتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة على أنهم إن أقروا بالتحريم، جلدوا؛ لأجل شربهم، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا». عندي ناقصة: «الاستحلال» بدون «تا» فتضاف. قال: «انتهى ما نقلته من كلام الشيخ رحمه الله تعالى». وقد مر معنا الكلام على هذه، أو على معنى هذه الفقرة، فالشاهد منها أراد أن يستدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على أن مثل ذلك قد وقع فيما هو أخف من هذا، ومع ذلك رأى الصحابة رضي الله عنهم أنهم إن استحلوا مثل ذلك فهو كفر؛ مع أنهم متأولين، مع ذلك لم يقبل تأويلهم بعد إقامة الحجة عليهم. وهكذا كذلك حال أصحاب الحشيشة. والشاهد من هذا أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى يريد أنه إذا كان العلماء كفروا مستحل محرم واحد من المحرمات التي هي معصية، فكيف بمن يستحل الشرك، والعياذ بالله، بأصناف صوره وكيفياته؟ فهذا بعد إقامة الحجة عليه يكفر بلا شك. قال رحمه الله: «فتأمل الكلام هذا الذي ينسب عنه عدم تكفير المعين إذا جاهر بسب دين الأنبياء -يعني دين الأنبياء بالتوحيد- وصار مع أهل الشرك، ويريد بأهل الشرك «عباد القبور»، فهو يتكلم على قضايا في زمانه رحمه الله، وكل ما كان بمعنى من شرك، قال: «ويزعم أنهم على الحق، ويأمر بالمصير معهم، وينكر على من لا يسب التوحيد، ويدخل مع المشركين؛ لأجل انتسابه إلى الإسلام». ومعنى أن انتسابه إلى الإسلام لا ينفعه بعد إقامة الحجة عليه؛ أن الإسلام يبقى لصاحبه ما لم يفعل صاحبه ناقضا من نواقض الإسلام، فإذا فعل صاحبه ناقضا من نواقض الإسلام، فإنه عند ذلك يقع في الكفر، وينتقض عليه ما عنده من إسلام. وقد مرت معنا أمثلة ونظائر كثيرة في أوائل الكتاب، بما يغني عن الإعادة. قال رحمه الله: «انظر كيف كفر المعين، ولو كان عابدا؛ باستحلال الحشيشة». ويريد بعابد: «أي الصوفية»، الصوفية فيهم عباد، فيهم عباد، ولو كانوا على بدع وضلال، لكن هم يعدون في الناس أنهم من العباد. وبعضهم كاذب، لكن يوجد فيهم من هو بالفعل عنده عبادة، وهو صاحب بدع، فلم تنفعه هذه العبادة، فضلا عن أصل الإسلام، إذا استحل مثل هذه الحشيشة، في هذه الفتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فكيف لا يكفر من يصر على الشرك، ويدافع عن أهله، ويحارب التوحيد أهله؟ وقد قامت عليه الحجج، وليس الحجة الواحدة. قال: «ولو زعم حلها للخاص الذين تعينهم على الفكرة». ويريد «تعينهم على الفكرة»: يعني فكرة صوفية، من الوصول إلى اليقين، والخلوة بالرب سبحانه، وغير ذلك من هوس الصوفية. قال: «واستدل بإجماع الصحابة على تكفير قدامة وأصحابه إن لم يتوبوا». وكلامه في المعين، ويشير بهذا إلى أن علماء الإسلام كفروا المعين إذا كان قد قامت عليه الحجة، من لدن الصحابة إلى من بعدهم. وليس معنى أن قدامة بن مبرقع رضي الله تعالى عنه، أو قدامة، وقع في الكفر؛ لأنه بعد أن قيمت عليه الحجة، تاب ورجع، فجلده عمر رضي الله عنه، قد مرت معنا القصة، وذكرنا شيئا مما ذكروه أهل التاريخ والسيَر. قال رحمه الله تعالى: «وكلامه في المعين، وكلام الصحابة في المعين». ومعنى إذا كفر أمثال هؤلاء من العلماء ممن يأتي بعدهم، فلم يأت بشيء جديد، سواء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، أو من يأتي بعده. ومر معنا أن هذا الباب ينبغي أن ينظر إليه بنظر متعدد الجهات: أولا من جهتي ثبوت الحجة وقيامها على المحكوم عليه، وثانيا من جهتي مصدر هذا الحكم، أن يكون من أهل العلم المؤهلين لمثل هذا. وثالثا: أنه كذلك يراعى ما يترتب على إظهار هذا الحكم من تبعات؛ فرب حق لا ينبغي القول به لما يترتب عليه من مفاسد أكبر منه، فينبغي أن يراعى مثل ذلك. فإن هذا الدين يدعو إلى تحصيل المصالح، والوصول إلى أعلاها، ودفع المفاسد، واجتناب شرها وأسوأها. قال رحمه الله: «وكلام الصحابة في المعين؛ يعني في قدامة ومن كان معه، هم معينون، ومع ذلك إن لم يتوبوا، كانوا سيكفرونهم، ويجبون عليهم ما يجب». قال: «فكيف بما نحن فيه مما لا يساوي استحلال الحشيشة جزءا منه؟» يريد «قضايا التوحيد»، وما يصر عليه بعض دعاة السوء في زمانه من الدفاع عن المشركين. قال: «والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا طيبا». وبهذا يكون قد انتهى الكتاب، وبقيت خاتمة للشيخ عبد الرحمن المحمد الدوسري. ولأنها تقرأ كثيرا؛ لأجل طباعتها مع الكتاب، وفيها عبارات تحتاج لتعليق ووقفات، فكان هناك حاجة للوقوف عليها. أولا: ينبغي أن نعلم أن الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله تعالى من مشايخ نجد المعروفين، ومن الدعاة الذين عرفوا بالاجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والغيرة لهذا الدين. وكانت له مؤلفات وكتابات ورحلات دعوية كثيرة. وهو وإن كان أصل دعوته على دعوة أهل التوحيد وعلماء أهل السنة، إلا أنه -كما قال بعض مشايخنا- حاله كبعض علماء السنة ودعاتهم الذين يبتلون بصحبة ليست نقية، ممن فيهم شائبة ولوثة من شوائب ولوثات أهل الأهواء؛ إما بأناس دخلوا في صفوف أهل السنة والتوحيد، وهم ليسوا منهم. كحال الكثيرين من المدرسين الذين استجلبوا في أوائل قيام المدارس السعودية والجامعات في أرض الحرمين، فاستجلب الكثير؛ لأن واقع الناس يحتاج إلى عدد من المدرسين يعينون في قيام هذه المدارس والجامعات، والهيئات والجهات التعليمية، فاستعانوا بعدد من المدرسين من مصر والشام. وكان الكثير منهم ممن فيه لوثات من لوثات أهل الأهواء؛ إما حزبية إخوانية، أو غير ذلك من دعوات التكفير ونحوها. ومنهم من أظهر الرجوع إلى الحق ودعوة التوحيد، ولكن بقيت عليه مخلفات تلك الأهواء. ويشبه هذا قول ابن العربي رحمه الله تعالى: «إن شيخنا -يريد الغزالي- ابتلع علم الكلام، فلم يستطع أن يتقيأه»؛ يعني ولو تاب في آخر حياته، لكن توبته تحتاج لعمر طويل حتى يرجع عن كل ما كان قد قاله واعتقده، مما هو من معتقدات وأقوال أو مقالات أهل الكلام. فكان الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله يخوض كثيرا في المسائل التي هي قريبة من هذا الفكر؛ يعني «فكر القطبيين» أو «قل فكر الثوريين التكفيريين»، على ما كان عليه من علم وفضل رحمه الله. وفي هذا درس لطالب العلم والدعاة أن يحذر من قرنائه؛ فرب قرناء وطلاب يحتفون بالشيخ، فيصرفونه من طريقه، ومن منهجه الذي يسير فيه، إلى أشياء أخرى، ربما بداعي الغيرة لدين الله، ومحاربة الباطل، وغير ذلك من البواعث الأخرى، فينبغي أن ينتبه لهذا. والسعيد من اعتبر بغيره. وكم من أناس كانت لهم دعوة راسخة وثابتة، وعلى بصيرة من الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك، والدعوة إلى السنة ومحاربة البدعة، وإعطاء هذا الباب أعظم الوقت والعمر، وهو الأولى، فإذا به ينصرف إلى القضاء السياسي، كما يسمونها «المصيرية»، وليست المصير بهذه السياسات. والخوض في تفاصيل مكائد الأعداء، التي في الحقيقة ليست هي إلا فقط نشر لها، وإذاعة للفاحشة في الذين آمنوا، وإشاعة مثل ذلك هي بين أمرين: بين أمر يكون فيه إدخال الإحباط على المسلمين والموحدين، وأمر آخر وهو إظهار القوة، وغير ذلك، وغير ذلك، مما يوجب الخوف والوهن، وزيادة الاغترار بهؤلاء الأعداء. بل الحكمة تقتضي أن ما يكون عندهم من شر يوجد له علاج، ولا يبث في المسلمين، يدخل فيهم الإحباط، ويدخل فيهم غير ذلك. وهذه طريقة العلماء. قال رحمه الله تعالى: «الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين، وآله المقتدين به، والحاملين رسالته إلى يوم الدين. أما بعد؛ فقد وقع ما حذر المصطفى صلى الله عليه وسلم من وقوعه، وما تفرسه عمر بن الخطاب حيث قال: «يوشك أن تنتقض عرى الإسلام عروة عروة». حقيل: «متى يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية». وقد نشأ ممن لا يعرف الجاهلية ضروب من أنواع الشرك المخالفة للتوحيد، تظهر بكل عصر بأشكال شتى. وقد برزت في العصور الوسطى في تقديس الأضرحة، حتى ولو كانت موهومة، تقديسا بعضه يخل بالتوحيد، وأكثره يهدم التوحيد. وفي هذا -كما ترون- شيء مما يجده القارئ، وكذلك يبصره العارف بكلام أهل العلم من تلك الكلمات التي تقال بشرك القبور، وشرك القصور، وما كان بمعنى ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وهذا من آثار العبيديين في مصر ونحوها، وآثار بني ثويه ومن على شاكلتهم في المشرق، وما جاوره». ويشير إلى تلك الدول التي قامت في زمن تقدم، وكانت أظهرت عددا من الشرك والشركيات والبدع والضلالات. وقد ذكر الحافظ ابن كثير وغيره من الحفاظ، ومن كتب في التاريخ، شيئا من أعمال هذه الدول، وما صنعته. ولا يخفى على الكثير من طلبة العلم آثار العبيديين؛ حتى أنهم جعلوا أعيادا تفوق أيام الناس، وكل ذلك لما كان في ذلك من العون لهم في إضاعة الإسلام؛ حتى قال بعضهم: «إن هؤلاء في الحقيقة إنما جاءوا ليهدموا الإسلام، لا لينصروه». قال: «وقد تصدى المصلحون قديما لكشف هذا الشرك، وتكفير فاعله». وممن تصدى لذلك الإمام ابن عقيل البغدادي رحمه الله، في عبارته أو عبارته التي مرت معنا كثيرا: «أن الكثير من العوام صار على طريقة، ويكون فيها مشركا أشد من شرك أولئك -أي الذين عبدوا الأصنام ونحو ذلك-». قال: «وخلق كثير في قرنه وبعده، إلى دور الشيخين ابن تيمية وابن القيم، وابن عبد الهادي، والمقريزي، وغيرهم». ومن تتبع مؤلفات هؤلاء وجد فيها الشيء الكثير من محاربة صنوف الشرك التي ظهرت في زمانهم، وطوائف الشرك. قال: «ثم إلى دور الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، الذي نشر الله السلفية بسببه بمشارق الأرض ومغاربها، على الرغم من محاربة حصلت عليه من جهلة بلداء، ومن مرتزقة بالشعوذة، وسدانة القبور -يعني الذين جعلوا سبب ارتزاقهم هو الشعوذة من السحر والكهانة، وتهيئة المزارات حول القبور، وغير ذلك- يأكلون أموال الجهال». قال: «ممن جندوا ألسنتهم لعبادة المادة والهوى، حتى سقطوا من أعين الحاكمين -يعني يشير بذلك إلى أنهم مع كونهم يتزلفون للحكام، لكن تبين لأولئك الحكام أنهم من السقطة «عباد المادة»- قال: «بل أخذ بعض الحاكمين بإقرارهم، وتجريحهم؛ ليشغلوا السواد الأعظم عن عبث السياسة به». ويشير إلى بعض ما كان قد وقع في زمانه، و«عبث السياسة» ينكره أهل السنة والجماعة، ودعاة التوحيد والتوحيد، لكن ينكرون معه المبالغة في الخوض في هذا الباب، وكذلك المجازفة في إطلاق الأحكام على المفرطين والمفرطين في هذا الباب. فأهل السنة والجماعة يسيرون بالضوابط الشرعية، لا بالعواطف والثورات والمواقف النفسية. قال: «وهذا النوع من العلماء لم ينالوا خيرا، بل شتمهم بعض زعماء الاشتراكية -وهو يعرض بجمال عبد الناصر، ومن كان على طريقته- بأبشع شتيمة، على رؤوس الأشهاد، قائلا: «أنهم يصدرون الفتوى من أجل الحصول على فراخ يأكلونها». فجرتهم دناءة أنفسهم، وسقوط ضمائرهم، إلى أن يصدروا الفتاوى بأن خطته من الإسلام. بل تطرف بعضهم، وبعضهم تكتب بالضاد التي هي بدون عصى». قال: «إلى فضاعة لا نذكرها». وذلك في الحقيقة تصديق منهم له على وصمته إياهم، من يهن يسهل الهوان عليه. وهكذا الماديون بكل عصر، هم ورثة لمن قبلهم، في عداوة المصلحين، وممالأة المغرضين. وهذه إشارة إلى قضية عين حصلت في زمانه رحمه الله تعالى، من خيانة وخذلان كان من قبل بعض من ينتسب إلى العلم، من أصحاب الأزهر وغيرهم، مع بعض حكام مصر في ذاك الزمان. وهذه كلها لا حاجة للتعرض عليها في مثل هذا المقام؛ فرسالة الشيخ ظاهرة وواضحة في ماذا تدور. وهذه الكلمات هي عبارة عن استطرادات لا حاجة إليها، ولو كان هناك داعي لذكرها، فلا تذكر بمثل هذا المقام؛ فليس من طريقة البلغاء والفصحاء، فضلا عن من ينتسب إلى العلم، ويسير بدقة التعليم، مثل هذه الاستطرادات والتوسع فيها. قال: «وقد أوضح الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الكتاب حكم تارك التوحيد، بنقول واضحة من وحي الله، وتفريع علماء السلف، مما يتبين للقارئ الكريم أن الإسلام ليس بمجرد الانتساب، أو بمجرد النطق بالشهادتين دون تصديقهما بالعمل بمدلولهما، ومنابذة ما يناقضهما، ومعادات أربابه. ومن التفت إلى وحي الله أدنى التفاتة قلبية، عرف أن الشرك بالله ليس مقصورا على عبادة أو على عبادة صنم، بل إنه يتمثل في انصراف القلب إلى غير الله، من أي معظم محبوب، صامت أو ناطق؛ لأن قلب الإنسان لنصرف إلى شيء من ذلك، أسلم وجهه له، وعمل من أجله، وبدل في سبيله، وانحصر ولاؤه وعداؤه فيه، وكانت خشيته وهيبته منه، وتعلقه به، ورغبته إليه. فما أبعده عن توحيد الله، واتباع رسوله». قال رحمه الله تعالى: «فالمقصود هو إفراد الله عز وجل بالتوحيد والعبادة». قال: «ولكن كل من دجل الدجالين، وشقشق المضللين -أو تشقشقت لعله «شقشقت» المضللين- وانطباع ما أدري من طباع الجاهلين، قال: «يحول ركاما دون معرفة التوحيد الذي جاءت به الرسل». ومعناه: هو حجر عثرة في ظهور التوحيد، ووضوحه؛ لأن هؤلاء أمثال هؤلاء من الدجالين والمضللين والجاهلين، يضللون الناس، ويبعدونهم عن الحق. قال: «وإلا فالله قال: ﴿وَعِبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]، ولم يقل: «لا تشرك به صنما». فمن الذي يقول ويفسر شيئا بصنما؟ هم «عباد القبور»، ومن كان على طريقتهم». قال: «وقال من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وقال فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ولم يقل فلا تجعلوا لله أصناما بل هذا يشمل الصنم وغير الصنم». قال: «وقد تشعب ضلال الناس باتخاذ الأنداد؛ فبعضهم يتخذها من الأصنام، وبعضهم يتخذها من الجن والشياطين، وبعضهم من الملائكة، وبعضهم يتأله الشمس والقمر والنجوم، حتى آل الأمر إلى تقديس الأضرحة التي عالج العلماء المصلحون قضية الشرك فيها؛ لاتحاد العلة بينها وبين الأنداد المألوهة من دون الله؛ إما بطلب النفع والضر، أو بدعوة الشفاعة والزلفة عند الله؛ كما هو واضح في الآية: كذا وكذا من سورة البقرة». أشار إلى آية 22 من سورة البقرة، والآية 18 من سورة يونس، والآية الثالثة والأربعين من سورة الزمر، والآية الثالثة والعشرين من سورة سبأ، وغيرها مما يطول ذكره. قال: «ومن العجب سوان اعتقادهم بعدم مخالفة هذا للتوحيد، متجاهلين حقيقة مدلولات «إياك نعبد وإياك نستعين». وهذا ظاهر، ومتأثرين من أهل الكلام الزاعمين أن الإيمان مجرد التصديق». وهذا قول فاسد بصحيح المنقول، وصريح المعقول؛ لأن المؤمن بشيء ما يقدر وجوده، ويحترمه، ويحسب له حسابه، ويقيم له ما يستحقه من الوزن، فكيف بمن يؤمن بالله؟! يعني: أن المرأة إذا كان له تقدير بحسب وجوده، وما يكون منه من عمل ونحوه، فكيف بمن يزعم أنه لا حاجة للعمل؟! هذا مردود بالمعقول. وهذا مثال المعقول: أن أحكام الناس إنما هي بأعمالهم، لا بما في قلوبهم، فكيف في الأدلة الشرعية الكثيرة التي تدل على ذلك؟ قال: «ويقيم له ما يستحقه من الوزن، فكيف بمن يؤمن بالله؟! طبعا لا يصح إيمانه إلا بالتصديق العملي الناشئ من الاعتقاد القلبي، بحصر جميع أنواع العبادة له سبحانه وتعالى، وأن يعامله معاملة المحب لحبيبه». وليس بهذا الكلام دليل على أنه يرى أن الأعمال شرط لصحة الإيمان مطلقا. وهذه المسألة يتكلم فيها علماء الإسلام. ولشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله فتوى في ذلك، وللشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله فتوى، ولشيخنا ربيع حفظه الله تعالى بحث نفيس في هذا الموضوع، فيرجع إليه. ولو قدر أنه قال به على إطلاقه، لقيل: «أن هذا خطأ». قال رحمه الله تعالى: «لا يصح إيمانه إلا بالتصديق العملي الناشئ من الاعتقاد القلبي، بحصر جميع أنواع العبادة له سبحانه وتعالى، وأن يعامله معاملة المحب لحبيبه؛ من حب أحبابه، وموالاته من أي جنس كانوا، وبغض جميع أعدائه، ومعاداتهم في ذاته، ولو كان أقرب قريب. وأن يقوم بطاعته، ويسعى في مرضاته، ويكون قويا بتنفيذ حكمه، رافضا حكم غيره، حاصرا لتلقي الهداية من وحيه كتابا وسنة». هذا كله من لوازم العمل. قالوا: «أن يحقق الكفر بالطاغوت، واجتنابه، وعدم مشابهة أحد من الكفرة والمشركين السالكين مسالك الطاغوت». فمن زعم الإيمان بقوله، وسار على خلاف مراد الله منه، في الحب والبغض؛ لشهوة النفس، أو على حسب ما تتطلبه مبادؤه القومية، أو مذاهبه المادية. ومن ارتكاب ما يغضب الله، واجتناب مرضاته. أو اتخاذ أنداد من دونه -كما قدمنا- فهذا بعيد عن الإيمان الصحيح المطلوب منا، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]. وهل كل تارك لعمل يعد كافرا كفرا أكبر؟ الجواب: «لا؛ فمنهم من يكون كفره كفرا أكبر، ومنهم من يكون كفره كفرا أصغر؛ بحسب الأعمال». قال: «وممن وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن إيمانهم لا يجاوز حناجرهم، مع أن بعض هؤلاء هم ممن ينتسبون إلى الإسلام؛ كالخوارج مثلا». ولما سئل علي رضي الله عنه عنهم: «هل كفروا؟ قال: «من الكفر فروا». فعلم بذلك أن ليس كل من وقع خلل في عمله، أو تارك لعمل، فهو كافر كفرا أكبر؛ بل هو بحسب العمل. قال: «ولقد تفاقم شر الشرك في هذا الزمان، ولبس أثوابا غير الأثواب التي عهدها وعالجها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وذريته غفر الله لهم». ففي عهدهم، وقبله بقرون، تمثلت «اللات والعزى ومنات وذات أنواط» وغيرها، بمقبورين، وأشجار، ومغالات، ونحوها. ولكن في هذا الزمان تمثلت «اللات والعزى» ونحوها، بمبادئ قومية، ومذاهب مادية، وطواغيت، وأصنام ناطقة، متزعمين لهذه المبادئ والمذاهب التي غدت تتمثل في شخصياتهم، وأصبحوا مألوهين بسببها من دون الله. وهذا الكلام فيه حق، ولكنه يخلط بباطل كثيرا. وإلا ففرعون مثل ظاهر من مدلول الأدلة من الكتاب والسنة، أنه يصور هذا المعنى بعمومه. ولكن ليس معنى ذلك أن كل ظالم من حاكم ممن حكم الناس، يصح أن يرمى بمثل هذه التهمة. ولا كل منتسب إلى مذهب مادي، وفكرة من أفكار الكافرين، يستلزم أن يلحق حكما بها؛ فينبغي أن ينظر إلى هذا بنظر العلماء الراسخين، الذين عرفوا بعلم الكتاب والسنة. وأما من كانت له خوضات في المسائل الفكرية والثورية، فإنه في الغالب لا يسلم من بعض المجازفات، وهكذا كذلك التوسعات. وإلا فأصل الأمر حق؛ فأهل السنة لا ينفون الكفر عن من وقع منه الكفر، كما أنهم لا يرضون بوصف من لا يستحق الكفر بالكفر؛ فالكفر له شروط وضوابط، فدين الله بين الغالي والجافي. قال رحمه الله: «أسلم كثير من الناس وجوههم لهم، بكامل الحب والتعظيم الذي لا يحظى به الله منهم». وأصبحوا يتقبلون ما يصدر منهم بكل تسليم، وانشراح صدر، زاعمين أنه لا يخالف الدين. وأصبحوا أمنا أقوياء على تنفيذ ما يشرعونه -أو يشرعونه- من الأنظمة، والقرارات. بل يجعلهم البعض في مصاف الرسل، مناديا للرعاع بقوله: «يا بني الشرقي»، أو «يا رسول القرن العشرين»، و«يا رسول الحرية»، وغيرها مما لا نحب ذكره. وهذه الألقاب هي مجازفات، وظاهرها -والعياذ بالله- في بعض هذه الألفاظ «الكفر»، لكن ليس كل من صدر كذلك، فقائله كافر؛ فرب قائل جاهل، ورب قائل مكره، وغير ذلك مما قد يكون موجبا للعذر في مثل هذا المقام. قال: «بل يغالي البعض في إطراء بعض الزعماء، قائلا عنه: «إنه حقق ما لم يحققه محمد صلى الله عليه وسلم». وهذا كذلك يفصل فيه كما سبق». وبعضهم يقول عن الوحدة -حتى بعد انفكاكها، وانقلابها إلى فرقة وريقة- «إنها خير من الوحدة المحمدية، والوحدة النبوية». وهذا من غلو القوميين «دعاة القومية». وللعلماء مؤلفات في محاربة الفكر القومي، وبيان عواره، والكفر الذي فيه؛ فلشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مؤلف «في نقد القومية»، ولغيره كذلك، نحوه. قالوا: «يسمون الكافر الملحد «عابدا للطين»، والمسلم على الكفر، والمرحب بجهنم، يسمونه «قديس القومية» أو «المرحب بجهنم». يعني: «قلب للأحكام، وتلاعب بالألفاظ؛ مما يستدل به على عدم مبالاة هؤلاء بالدين وأحكامه». وهذا كذلك يقال: «أنه فيه حق، لكن يحذر من التجاوزات، والتوسعات، والمبالغة في إطلاق الأحكام بدون ضوابط شرعية». قال: «لإعلان كفره بقوله: «بلادك قدمها على كل ملة» -يعني: «الوطنية فوق كل شيء». وهذا باطل؛ بل الدين فوق كل مبادئ الناس؛ لأن الدين هو الذي يميز بين الحق والباطل، وغير ذلك». قال: «ومن أجلها أفطر، ومن أجلها صم -يعني: «كأنه يقول: صيامك، وفطرك يكون لوطنك، ليس لأي معنى آخر». وهذه من مقالات بعض أولئك المخذولين». قال: «ولا شك أن المؤمن بمبادئ القومية كافرا بالله؛ لكفرانه بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من ملة إبراهيم التي تنقضها مبادئ القومية من أساسها». ذلك: «أنه من ضرورات المبادئ القومية تفضيل الكافر الذي من جنسهم على المسلم -يعني: إذا كان عربيا مثلا، كالقومية العربية- فعندهم أن العربي يفوق غيره، ما دام عربي. وهذا باطل؛ فالعبرة بهذا الدين، فمن تمسك به عزه الله، ومن تركه أذله الله، وهو عند أهله ذليل». قال رحمه الله: «تفضيل الكافر الذي من جنسيتهم على المسلم الذي من غير جنسيتهم؛ فيقولون: «العربي المسيحي خير وأفضل من المسلم غير العربي». وهذا باطل، ويغرسون هذه العقيدة الوطنية في قلوب الناشئين، بما يدرسونهم من الأناشيد التي منها: «أنا عربي عربي، أحب كل العربي». ومنها: «بلاد العرب أوطاني، وكل العرب إخواني». وهذه كلها «دعوات جاهلية». قال: «ويلبسون على الجهلة والسذج بقولهم: «الدين لله، والوطن للجميع». وهذا إذا أريد به ما يسعون إليه، فهو باطل، باطل؛ أي: «تهميش الدين». قال: «ويقصدون بقولهم: «الوطن للجميع»: أن يحكم الوطن بحكم علماني، معاكس لحكم الدين الذي يوجب الله القيام به على المسلمين؛ حيث قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49]». ولكن الخطط الماسونية، واليهودية التي ينفذها أفراق الإفرنج من أب