الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 40، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح حديث الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أهميته في توضيح عقيدة أهل السنة والجماعة.
يشترط لصحة الشفاعة ثلاثة شروط: الإذن من الله للشافع، رضا الله عن المشفوع له، ورضا الله عن قول الشافع، وتُبين أن الشفاعة لا تنفع مع الشرك.
تتمثل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قسمين: شفاعة لمن لم يدخلوا النار بعد، وشفاعة لمن دخلوها ثم خرجوا بفضلها، وتُبرز أهمية التوحيد في قبول الشفاعة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. قال شيخنا -غفر الله لنا وله وللمؤمنين- الحديث الأربعون. قال الإمام بن ماجه: حدثنا إسماعيل بن أسد، قال: حدثنا أبو بدر، قال: حدثنا زياد بن خيثمة، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين». قال شيخنا -غفر الله له-. وصححه الشيخان الوادعي في «الصحيح المسند»، مجلد الأول، من ص 636/7 إلى ص 637/7، والألباني في أوله دون قوله: «لأنها...» كما في «صحيح ابن ماجه» رقم 3404، ويراجع «الضعيفة» رقم 3585، و«ضعيف الجامع» رقم 2932. زاد أحمد في حديث معاذ وأبي موسى: «فقال: يا رسول الله، ادع الله عز وجل أن يجعلنا في شفاعتك»، فقال: «أنتم ومن مات لا يشرك بالله شيئا في شفاعته». صحح الشيخان الوادعي في «الصحيح المسند»، والألباني في «تحقيق السنة» برقم 821، وعنده مختصرا، ونحوه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقد مر معنا شرح هذا الحديث، وله مناسبة ظاهرة واضحة في هذا الموضع؛ فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة في الفاسق الملي أنه أولا ليس بكافر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، وأنه كذلك في الآخرة ليس خالدا مخلدا في النار، وليس كذلك يلزم أن يدخل النار دخولا أوليا، بل هو تحت المشيئة؛ لما سبق من قول الله جل وعلا: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة. ولأجل هذا كان الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الوعيدية في مسألة الشفاعة. والناس في الشفاعة قسمان ووسط. قوم نفوا الشفاعة، وهم الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، نفوها مطلقا. وهؤلاء خالفوا أدلة الكتاب والسنة، ولهذا كان هذا من ضلالهم وبدعتهم. وآخرون أثبتوا الشفاعة مطلقا، وهذا خطأ؛ فإن أدلة الكتاب والسنة أثبتت أن الشفاعة شفاعتان: شفاعة هي من الشفاعات المنفية، وهي التي تأخرت عنها أحد شروط الشفاعة، وشفاعة مثبتة، وهي الشفاعة التي توفرت فيها شروط الشفاعة. وشروط الشفاعة ثلاثة. من يذكرها؟ نعم، يا عبد الله، تذكر شروط الشفاعة. عندك بالله. الأمريكي. مرت معنا قريبا ما تيسر. هيا، عبد الرحمن، ما تيسر من شروط الشفاعة. نعم، لا تكون إلا للموحدين. نريد شروط الشفاعة. هي. صحيح، لا تكون موحدة. لكن جئنا من هذا حتى تستوفي الشروط التي جاء ذكرها في الكتاب وفي السنة. نعم، شروط الشفاعة. ها، هات واحد. تحفظ آية الكرسي؟ ها، هل تجد فيها دليلا أولا تجد؟ ها، بإذن الله. نعم، من شروط الشفاعة هل إذن أن تكون بإذن الله جل وعلا؟ ها، يا عبد الله، هل تطلب من الله أن الشافع مكرم من الشفاعة، والمشفوع له أن رضي الله قوله ما عمله بعد الدين؟ طيب، هذا تطلب من الله. يعني كون الشفاعة شفاعة لا تطلب إلا من الله، هذا من واجباتها. لكن شروطها: من شروطها ذكرت كذلك من رضي الله قوله وعمله. تمام. فمن شروط الشفاعة أولا الإذن، وثانيا رضي الله عن المشفوع له. تمام. الرضي عن الشافع والرضى عن المشفوع. هذه ثلاثة شروط: الرضي عن الشافع، والرضى عن المشفوع، والإذن بالشفاعة. وهل يوجد دليل يدل على هذه الشروط الثلاثة؟ نعم. هل أحد يحفظ دليلا يدل على هذه الشروط الثلاثة؟ «كم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى». وفي هذا شروط الشفاعة ثلاثة. طيب، هات أين هذه الشروط في هذه الآية؟ «هذا إلا من بعد أن يأذن الله»، الإذن. «لمن يشاء»، من رضي الله عنه من المشفوعين. الرضا عن الشافع عن المشفوع. الثالث: «ويرضى»، يعني عن قول الشافع، وهم الملائكة الذين رضي الله عز وجل عنهم. طيب، فهذه ثلاثة شروط لا بد منها في هذه الشفاعة. وهؤلاء الصنف الثاني الذين ضلوا في باب الشفاعة، فأثبتوا الشفاعة المثبتة والمنفية. هم صنفان: صنف من المشركين الأولين الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصنف ينتسبون إلى المسلمين، نفوا شفاعة المشركين الأولين، وأثبتوا شفاعة من جنسها فيما هو فيه الشرك من فعل المشركين المتأخرين. وفي الحقيقة لا فرق بين هؤلاء وهؤلاء، وإن أنكروا شفاعة الأصنام، فإنهم في الحقيقة وافقوا تلك الشفاعة المنفية بإثباتهم لهذه الشفاعة للمقبورين، للمقبورين؛ فإنهم يظنون أنها تقع بغير رضى الله جل وعلا عن الشافع والمشفوع، أو الإذن بالشفاعة، أو على أقل تقدير أنها تقع بدون رضى الله جل وعلا عن المشفوع، وبدون الإذن بالشفاعة، بعد علمهم أنه قد رضي عن الشافع. فظنهم أنه إذا وقع الرضى عن الشافع فإنه لا بد أن تقع الشفاعة، وليس الأمر كذلك؛ بل الرضا عن الشافع لا يلزم منه وقوع الشفاعة؛ لأنه بقي شرطان: الشرط الثاني هو الرضا عن المشفوع، فلا بد أن يكون عند المشفوع عمل صالح، أو كذلك توحيد خالص يجعل الشفاعة مؤثرة ونافعة فيه. والشرط الثالث هو الإذن بالشفاعة؛ فإنه لا يكون إلا بإذن الله عز وجل. فإذا كان بإذن الله، فإذا لا تطلب إلا من الله، لا تطلب من الميتين، ولو كان هذا الميت نبيا من الأنبياء، ولو كان هذا الميت وليا من الأولياء. والله أعلم بمن هو وليه. فننتبه لهذا. ولهذا صار هذا الحديث فيه التنبيه أولا على ثبوت الشفاعة التي خالف الوعيدية فيها، وهي الشفاعة للعصاة، للفاسق الملي. وثانيا: فيها كذلك إثبات أن الشفاعة هذه المثبتة مثبتة بشروط. ومن أعظم هذه الشروط أن لا يكون هذا المشفوع وقع منه شرك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هي لكما ولمن لقي الله لا يشرك به شيئا». وفي هذا لفتتان: اللفتة الأولى أنها لهذين الصحابيين إذا بقي على هذا التوحيد، فهي إذن لكل من كان كذلك. فإذا صارت قد تنتفي عن غير هذين الصحابيين إذا وقع الشرك، فهي لغيرهما من باب أولى. قرة هذا. قال: «لمن لقي الله لا يشرك به شيئا»، أو «بالله شيئا». فإذا وقع الشرك فإن الشفاعة عند ذلك تبطل ولا تقع. ولا تقع هذه الشفاعة كيف إذا علمنا أن الله جل وعلا قال في حق نبيه عليه الصلاة والسلام ومن قبله من الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فلا يفرح إنسان بتوحيد معه شرك؛ لأن الشرك يبطل التوحيد، ولا يفرح الإنسان بطاعة معها شرك؛ لأن الشرك يبطل الطاعة؛ بنص هذه الأدلة، وتضمن هذا الحديث كذلك ما سبق من ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة في الفاسق الملي. وأن الفاسق الملي ليس خالدا مخلدا في النار، بل إنه لو دخل النار يخرج منها كما في هذا الحديث. بل وأعظم من ذلك أن الفاسق الملي قد لا يدخل النار، ولو زنى ولو سرق ولو فعل ما فعل من المعاصي، إذا شاء الله فإنه سبحانه قد لا يدخله النار أبدا. وليس في هذا إرجاء، وكذلك فتح باب المعاصي، ولكن في هذا بيان الحق، وهو أن العاصي هو تحت المشيئة. فنحن نخاف عليه ونرجو له، نخاف عليه بمعصيته، ونرجو له بسعة رحمة الله جل وعلا وفضله. فينبغي أن ينصف كما أنصفت الأدلة الشرعية، وندور حيث دار الدليل الشرعي. وهذا مستنبط من قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين». فإنها إذا كانت لهؤلاء فهي على القسمين: قسم منهم لا يدخلون النار ابتداء، يشفع لهم قبل الدخول، وقسم منهم يدخلون النار ثم يشفع لهم فيخرجون، كما دلت على ذلك الأحاديث. وبهذا نكتفي، والحمد لله رب العالمين.