الدرس الرابع والعشرون بعد المائة:من(المبحث الرابع:في تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه ...وحكم وجه الشبه:أن يكون في المشبه به أقوى منه في المشبه وإلا فلا فائدة في التشبيه ).
يناقش تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه وتعريفه، وينقسم التشبيه إلى تشبيه تمثيل وتشبيه غير تمثيل. يُعرَّف وجه الشبه بأنه الوصف الخاص الذي يقصد اشتراك الطرفين فيه.
يذكر خمسة أقسام للتشبيه باعتبار وجه الشبه، ويوضح كيفية تحويل التشبيه المبتذل إلى غريب بإضافة تفاصيل أو شروط. يشمل ذلك المفصل والمجمل وتشبيهات متعددة الأوجه.
يناقش أقسام التشبيه من حيث وضوح وجه الشبه أو خفائه، ويشترط في التشبيه أن يكون المشبه به أقوى من المشبه. يشرح تأثير إضافة عناصر على وضوح التشبيه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المبحث الرابع: بتقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه. قال: وجه الشبه هو الوصف الخاص الذي يقصد اشتراك الطرفين فيه، كالكرم في نحو: خليل كحاتم، ونحو: له سيرة كالمسك، وأخلاقه كالعنبر. قال: واشتراك الطرفين قد يكون ادعائيا بتنزيل التضاد منزلة التناسف، وإبراز الخسيس في صورة الشريف تهكما أو تلميحا، ويظهر ذلك من المقام. ينقسم التشبيه باعتبار وجه الشبه. قوله رحمه الله: المبحث الرابع: بتقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه. تقدم معنا أن للتشبيه أربعة أركان، وهو المشبه والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه. وتقدم معنا مباحث المشبه والمشبه به، والآن في الكلام على وجه الشبه، وعرفه، فقال: هو الوصف الخاص الذي يقصد اشتراك الطرفين فيه، يعني كالعلة التي اشترك فيها هذا التشبيه بين المشبه والمشبه به. قد تقدم معنا في أقسام الشبه والمشبه به الأنواع التي يأتي بها المشبه والمشبه به، وبناء على تلك الأنواع كذلك قد يكون جريان ذلك على وجه الشبه. ومر معنا كذلك في الأمثلة التي سبقت أن وجه الشبه أحيانا يذكر، وأحيانا لا يذكر. فإذا ذكر فلا إشكال، وإذا لم يذكر فيحتاج أن يتأمل الناظر في هذا التشبيه ما به يستطيع أن يعرف وجه الشبه في الجامع بين المشبه والمشبه به. ثم ذكر رحمه الله إشارة إلى أن هذا الاشتراك قد يكون حقيقيا، وقد يكون ادعائيا. وأشار في التعليق إلى بعض الأمثلة للحقيقي، وكذلك بعض الأمثلة للإدعاء. وإذا علمنا ذلك لنعلم كذلك أن وجه الشبه قد يكون ظاهرا، وقد يكون خفيا. فقولك مثلا: زيد كالأسد، يظهر لكل أحد وجه الشبه، وهو كونه في الشجاعة. وأحيانا يكون خفيا يحتاج إلى زيادة التأمل. فلذلك احتيج إلى التنبيه إلى بعض الأقسام ليتوصل به إلى معرفة وجه الشبه في وقت الخفاء، وما يلحق من فوائد كذلك ستمر بنا. ونبه في التعليق الطويل إلى بعض ذلك. قال رحمه الله: ينقسم التشبيه باعتبار وجه الشبه إلى تشبيه تمثيل، وهو ما كان وجه الشبه فيه وصفا منتزعا من متعدد، حسيا كان أو غير حسي، كقوله: ﴿وَمَا الْمَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وَضَوْءُهُ﴾، و: ﴿وَضَوْءُهُ يُوَافِي تَمَامَ الشَّهْرِ ثُمَّ يَغِيبُ﴾، أو: ﴿وَضَوْءُهُ﴾، ﴿وَضَوْءُهُ﴾ مفروض بالواو، صح: ﴿وَضَوْءُهُ﴾. نعم: ﴿كَالشِّهَابِ وَضَوْءُهُ﴾، ﴿وَمَا الْمَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وَضَوْءُهُ يُوَافِي تَمَامَ الشَّهْرِ ثُمَّ يَغِيبُ﴾. هناك بيت قريب من هذا البيت للبيد بن ربيعة: «وَمَا الْمَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وَضَوْءُهُ يَحُورُ يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعٌ»، يحور رمادا بعد إذ هو ساطع. وهذا المقتبس ومأخوذ معناه من بيت لبيد. قال: فوجه الشبه سرعة الفناء، انتزعه الشاعر من أحوال القمر المتعددة، إذ يبدو هلالا فيصير بدرا، ثم ينقص حتى يدركه المحاق. والمحاق وقت اختفاء ضوء القمر. ويسمى تشبيه التمثيل. فهنا التشبيه المقصود به سرعة الفناء، لكنه لم يكن في وصف واحد كالشجاعة في تشبيه الرجل بالأسد، وكالكرم في تشبيه زيد بحاتم، وإنما كان وصف منتزع من متعدد. قال ثانيا: وتشبيه غير تمثيل، وهو ما لم يكن وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد، نحو: «وَجْهُهُ كَالْبَدْرِ»، ومثل قول الشاعر: «لَا تَطْلُبَنَّ بِآلَةٍ لَكَ رُتْبَةً قَلَمُ الْبَلِيغِ بِغَيْرِ حَظٍّ مِغْزَلٌ». والبيت للمعرّى أبي العلاء، ويروى: «لَا تَطْلُبَنَّ بِآلَةٍ لَكَ حَاجَةً قَلَمُ الْبَلِيغِ بِغَيْرِ حَظٍّ مِغْزَلٌ»، بدر رتبة حاجة. قال: فوجه الشبه قلة الفائدة، وليس منتزعا من متعدد. وأكثر التشبيه يأتي بهذا المعنى. قال: الثالث: ومفصل، وهو ما ذكر فيه وجه الشبه أو ملزومه، نحو: «طَبْعٌ فَرِيدٌ كَالنَّسِيمِ رِقَّةً»، و: «يَدُهُ كَالْبَحْرِ جُودًا»، و: «كَلَامُهُ كَالدُّرِّ حُسْنًا»، و: «أَلْفَاظُهُ كَالْعَسَلِ حَلَاوَةً». ومثل قول بن الرومي: «شَبِيهُ الْبَدْرِ حُسْنًا وَضِيَاءً وَمَنَالًا وَشَبِيهُ الْغُصْنِ لِينًا وَقَوَامًا وَاعْتِدَالًا»، شبيه البدر حسنا وضياء ومنالا. فهنا ذكر وجه الشبه. ولا يضر كون وجه الشبه تعدد، لأن هذا التعدد هو يدور حول معنى واحد، وهو معنى الجمال. قال: الرابع: ومجمل، وهو ما يذكر فيه وجه الشبه - وهو ما يذكر فيه وجه الشبه - ولا ما يستلزمه، نحو: «النَّحْوَ فِي الْكَلَامِ كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ». الظاهر هنا سقطت «لا»، وهو ما لا يذكر... إلخ. عندك يا... الظاهر هنا ناقص «لا»، وهو ما لا يذكر فيه وجه الشبه ولا ما يستلزمه. فقولنا: «النحو في الكلام كالملح في الطعام»، قاله: وجه الشبه هو الإصلاح في كل، يعني في كل من النحو في الكلام، وكذلك الملح في الطعام. فهنا لم يذكر وجه الشبه، ولم يذكر كذلك ما يستلزمه وجه الشبه، ولكن علم من المعنى. قال: ومثل قوله: «إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ نَسَجَتْهُ عَنْ كَبْوٍ»، ويروى: «إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ نَسَجَهُ مِنْ عَنْ كَبْوٍ». وقبله: «إِنَّمَا الدُّنْيَا فَنَاءٌ لَيْسَ لِلدُّنْيَا ثُبُوتٌ»، «إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ نَسَجَتْهُ عَنْ كَبْوٍ»، «كُلُّ مَا فِيهَا لِعُمْرِي عَنْ قَلِيلٍ سَيَفُوتُ». والشاهد منه أنه لم يذكرها هنا وجه الشبه، ولا ما يستلزمه، ولكن علم ذلك من المعنى. فوجه الشبه هو الحقارة والزوال وعدم الديمومة. فالدنيا لا تبقى لأحد، فهي حقيرة زائلة كبيت العنكبوت، سرعان ما يزول وينتهي. قال: وعلم أن وجه الشبه المجمل إما أن يكون خفيا، وإما أن يكون ظاهرا. ومنه ما وصف في أحد الطرفين أو كلاهما بوصف يشعر بوجه الشبه، ومنه ما ليس كذلك. فمثلا: «النحو في الكلام كالملح بالطعام»، علمنا أن النحو في الكلام إصلاح له بالطرف الثاني، كالملح بالطعام، لأن الملح بالطعام يصلحه، فيا يحتاج إلى زيادة، ولا إلى نقص، النقص يفسده والزيادة تفسده، فكذلك النحو في الكلام. وقد يكون الوصف الوصف يشعر في كلا الطرفين، مثل المثال الثاني: «إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ نَسَجَتْهُ عَنْ كَبْوٍ»، أو: «نَسَجَهُ مِنْ عَنْ كَبْوٍ». فعلم أن المراد من الطرفين الحقارة. قال: الخامس: وقريب مبتذل، وهو ما كان ظاهر الوجه ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به من غير احتياج إلى شدة نظر وتأمل، لظهور وجهه بادئ الرأي. قال: وذلك لكون وجهه لا تفصيل فيه، كتشبيه الخد بالورد في الحمرة، أو لكون وجهه قليل التفصيل، كتشبيه الوجه بالبدر في الإشراق أو الاستدارة، أو العيون بالنرجس. قال: وقد يتصرف في القريب بما يخرج عن ابتداله إلى الغرابة، كقول الشاعر: «لَمْ تَلْقَ هَذَا الْوَجْهَ شَمْسَ نَهَارِنَا إِلَّا بِوَجْهِ لَيْسَ فِيهِ حَيَاءٌ». فإن تشبيه الوجه الحسن بالشمس مبتذل، ولكن حديث الحياء أخرجه إلى الغرابة، يعني كونه مبتذلا خرج بمعنى الحياء، جعله شيئا غريبا. قال: وقد يخرج وجه الشبه من الابتدال إلى الغرابة، وذلك بالجمع بين عدة تشبيهات، قول الشاعر: «كَأَنَّمَا يَبْسِمُ عَنْ لُؤْلُؤٍ مَنْضُودٍ أَوْ بَرَدٍ أَوْ أَقَاحٍ». وتقدم معنا البيت. قال: أو باستعمال شرط، كقوله: «عَزَمَاتُهُ مِثْلُ النُّجُومِ ثَوَاغِمًا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلثَّاقِبَاتِ أَفُولٌ». والبيت ينسب للبحتري. وهذا النوع الخامس كما أشار رحمه الله يأتي على أقسام أو أنواع، وهو أنه يكون في ظاهره شيء من الانتقال. فأنت حين تذكر الوجه تشبه بالبدر، الذهن ينتقل مباشرة لمعرفة وجه الشبه. فإن كان هذا في الجمال - يعني هذا إذا لم يذكر وجه الشبه - فإنك سترى ذلك. أو كان المقصود الاستدارة، فإنك سترى ذلك. فهو يحتاج إلى انتقال في الحس بين الحس والذهن، ينتقل به من المشبه إلى المشبه به، فيعرف وجه الشبه. وقوله: مبتذل، المراد بالابتدال ها هنا أي السهولة، السهولة، يعني أنه ما يحتاج إلى شدة تأمل وكثر التفكر. وهو قول من غير احتياج إلى شدة نظر وتأمل، لظهور وجهه بادئ الرأي، يعني حين يقول: «وَجْهُ هَوْلَانَ كَالْبَدْرِ»، على طول الذهن يصل إلى المقصود. ثم قال رحمه الله: وقد يتصرف في القريب بما يخرجه عن ابتداله إلى الغرابة. ومعنى أنه قد يكون أحيانا في بعض أنواع التشبيه القريب شيء من الخفاء. فإذا كان فيه شيء من الخفاء، إذن هو ليس سهل معرفة وجه الشبه، بل يحتاج إلى شيء من شدة النظر والتأمل. ثم مثل بهذا المثال، وقال: فإن تشبيه الوجه الحسن بالشمس مبتذل، يعني ممكن أن يعرف، لكن لما ذكر الحياء: «إِلَّا بِوَجْهِ لَيْسَ فِيهِ حَيَاءٌ»، صار ذكر الحياء مضيعا للمعنى، يعني صار المعنى القريب السهل بعيدا، فلذلك يحتاج إلى زيادة تأمل. ثم قال: وهذا نوع ثالث، وقد يخرج وجه الشبه من الابتدال إلى الغرابة، وذلك بالجمع بين عدة تشبيهات، يعني كذلك الأصل في هذا النوع من الشبه القريب أن يكون والوصول إلى وجه الشبه سهل، ولا يحتاج إلى شدة نظر وتأمل. لكن إذا ذكر فيه عدة تشبيهات، ربما كان ذلك سببا في حصول الغرابة، فلم يكن من السهل معرفة وجه الشبه، بل يحتاج إلى شيء من زيادة النظر والتأمل. فلذلك يحتاج الباحث عن وجه الشبه أن يزداد في التأمل إذا وجد عدة تشبيهات، كهذا المثال: «كَأَنَّمَا يَبْسِمُ عَنْ لُؤْلُؤٍ مَنْضُودٍ أَوْ بَرَدٍ أَوْ أَقَاحٍ». وكذلك من هذه الأنواع رابعا: أن يستعمل شيء من الشرط. فإذا استعمل شيء من الشرط، كذلك أبعد المعنى، فصار بدل من أن يكون مبتذلا صار فيه شيء من البعد والغرابة. قال: السادس: وبعيد غريب، وهو محتاج في الانتقال من المشبه إلى المشبه به إلى فكر وتدقيق نظر، لخفاء وجهه بادئ الرأي، كقوله: «وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ بِكَفِّ الْأَشَلِ». والبيت ينسب لابن المعتز. قال: فإن الوجه فيه هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق، والحركة السريعة المتصلة مع تموج الإشراق، حتى ترى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة. ثم يبدو له فيرجع إلى الإنقبار. فكما نرى في هذا النوع السادس شيء من الخفاء في معرفة وجه الشبه، ولهذا سمي بعيد غريب، بعيد غريب، لأنه على خلاف الظاهر. فقولك: «الشمس كالمرآة في كف الأشل»، يخفى عليك وجه الشبه. تشبيه الشمس بالمرآة. فبين رحمه الله أن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق، والحركة السريعة المتصلة مع تموج الإشراق، حتى ترى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة. فكذلك المرآة. فهو فيه معنى التشبيه المتعدد الذي مر معنا في تشبيه التمثيل، لكنه هناك واضح وظاهر، وهنا فيه شيء من الخفاء. فيه شيء من الخفاء. فإذا تستطيع تقول: هو بمعنى تشبيه التمثيل إذا خفي، إذا صار فيه شيء من الخفاء. قالوا: حكم وجه الشبه أن يكون في المشبه به أقوى منه في المشبه، وإلا فلا فائدة في التشبيه. وسيأتي معنى أنه قد ينعكس الأمر زيادة في المبالغة. يعني قوله: أن يكون في المشبه أقوى منه في المشبه، مثلا: «زَيْدٌ كَحَاتِمٍ»، فوجود الكرم في حاتم لابد أن يكون أقوى من زيد، حتى يصح هذا التشبيه. طيب، لهنا إن شاء الله.