الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح أسباب رفع الملام عن الأئمة كما ذكرها ابن تيمية، مع التركيز على عدم بلوغ العلم وثبوت الحديث. يقدم أمثلة من الصحابة والأئمة لتأكيد الفكرة.
يشرح أسباب الخلاف بين العلماء في فهم الحديث النبوي، مثل عدم ثبوت لفظ الحديث ووجود ألفاظ محل شك. يشير إلى أهمية اتباع السنة الصحيحة وتجاهل أقوال العلماء المخالفة لها.
يؤكد على أهمية الجمع بين حضور الدروس والقراءة والبحث، مع ضرورة مراجعة الدروس ومذاكرتها لتثبيت الفائدة، مستشهدًا بتجارب العلماء السابقين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المُحقق شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» من الأمثلة حول السبب الأول من أسباب ما يكون به رفع الملام عن الأئمة، مما كان من العلم لم يبلغهم، وضرب أمثلة بما جاء عن الخلفاء الراشدين. ومرت معنا عددًا من الأمثلة فيما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم وأرضاهم. وهكذا كذلك في ثنايا ذلك ما مر معنا عن عدد من الصحابة لم يبلغهم بعض العلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ غيرهم، فلما بلغهم رجعوا عما كانوا عليه من الفتوى. وهذا هو الواجب مع جميع الأمة، فإذا كان هذا قد وقع للصحابة رضي الله عنهم، وهم من هم بالإمامة والفضل والجلالة والرتبة، فمن دونهم من باب أولى. ولذلك ختم هذا السبب بما أشار إليه رحمه الله، أنه إذا كان هذا ما أعلم الأمة وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم ممن هم أنقص من باب أولى أن يخفى عليهم بعض سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ويشير بهذا رحمه الله إلى ما ينبغي من الموقف الصحيح مما يغدو ينقل عن بعض الأمة من الأقوال، فيكون سببها عدم بلوغ الحجة والدليل. فإذا ثبتت الأدلة والحجج، فالواجب الرجوع إلى ما ثبتت به تلك الأدلة والحجج، على ما تقدم تفصيله والإشارة إليه في أمثلة كثيرة مرت معنا في الدروس السابقة. وكيف إذا انضاف إلى ذلك أنه قد تجتمع أسباب كثيرة بسبب عدم تدوين السنة، أو أنها دوّنت ولكن لم يطلع بعض أولئك الأمة على هذا الذي دوّن، أو طلع على الدواوين ولكنه لم يقف على بعض تلك الأدلة؟ وهذا كله أشار إليه رحمه الله في خاتمة لطيفة ختم بها السبب الأول بما يغني عن الإعادة. ثم قال رحمه الله تعالى: «السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه، لكنه لم يثبت عنده، إما لأن مُحدِثه أو مُحدِث مُحدِثه أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده، أو متهم، أو سيء الحفظ. وإما لأنه لم يبلغه مسندًا بل منقطعًا، أو لم ينضبط له لفظ الحديث، مع أن ذلك الحديث قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل». وهذا سبب ثاني من الأسباب التي يكون بها إعذار لأئمة فيما يقع من خلاف بين أئمة الأعلام من مسائل، وهو ما يتعلق بثبوت الحديث. الأول في بلوغ العلم أصلًا، والثاني أن يكون العلم بلغ، ولكنه حصل خلاف بصحة هذا العلم. فمثل رحمه الله بهذه الأمثلة أن يكون الحديث عنده لم يثبت، إما بسبب جهالة في الإسناد من أحد مُحدِثيه، أو لوجود من هو متهم ومجروح، أو لوجود الانقطاع، أو لعدم ضبط الألفاظ. وهذه أربعة أسباب يكون بها ضعف الحديث. وأسباب ضعف الحديث كثيرة كما هو معروف في علم الحديث، منها ما يرجع إلى الإسناد، وما يرجع إلى المتن. وأما الإسناد فمباحثه كثيرة وتجمل في ثلاثة أمور: أحدها ما يتعلق بأحوال الرجال، وأسباب الطعن كثيرة. وقد ذكر العلماء أكثر من ستة أسباب من أسباب الطعن التي يرد بها رواية الراوي. فقد تكون الجهالة سببًا، وقد يكون كذلك الجرح في روايته لعدم ضبطها. فأعلى ذلك أن يكون وضاعًا أو كذابًا، ودونها طبقات ومراتب، منها ما هو شديد ومنها ما هو خفيف. فمن كان في مرتبة الرد، فإن ذلك يوجب رد الحديث. وهكذا كذلك قد يكون الأمر الثاني بسبب عدم اتصال الإسناد، إما بسبب الانقطاع كما ذكر، أو بسبب العنعنة والتدليس، أو بغيرها من الأسباب التي يكون بها انقطاع الإسناد. والثالث أن يكون هناك إعلال في السند، وهذا الإعلال قد يكون بخطأ حصل من بعض الرواة. وهناك أسباب كذلك تكون بها ضعف الأحاديث من جهة المتن، تارة يكون بسبب عدم رفع هذا المتن، يعني أنه صح موقوفًا أو مقطوعًا أو منقطعًا أو مرسلًا، ولم يصح معروفًا مرفوعًا متصلًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون المتن ليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا سبب في رد الاستدلال بمثل هذا الحديث. وقد يكون الثاني وهو من أسباب الضعف أن يكون في المتن شيء من الاضطراب الموجب للرد. قد يكون الاضطراب في السند، وهذا من العلل، وقد يكون الاضطراب في المتن. فبعض الاضطراب يوجب الرد إذا تساوت الطرق ولم يمكن الترجيح. ولهذا يعل العلماء بعض الأحاديث لورود بعض الاضطراب فيها. وهكذا كذلك الثالث أن يكون هناك شيء من الإعلال في بعض ألفاظ تلك الأحاديث التي يراد الاستدلال بها، فيكون مثلًا أصل الحديث صحيح، لكن الزيادة المراد إثبات الحكم فيها معلة ولا تصح. فمن هذه الأمثلة ما وقع من خلاف بين الأئمة في أخذ الجزية من المجوس. وقد تقدم معنا أن عمر رضي الله عنه وارضاه على جلالته وإمامته خفيت عليه هذه السنة، وهك الله تعالى. فلما علم أخذ بها من بعده كذلك. وبعض أهل العلم بلغته هذه السنة، لكن من أوجه ضعيفة من أوجه فيها ضعف. فلما ثبتت هذه الأسانيد، فإنه تغيرت الفتوى لبعض أولئك الأئمة، مثل إمام الشافعي رحمه الله، فله فتوى في مذهبه القديم بعدم القول بهذه المسألة، وله فتوى في مذهبه الجديد بالقول في هذه المسألة. والسبب هو ثبوت هذا الحديث بعد أن لم يكن ثابتًا عنده. وهكذا كذلك غيرها من المسائل مما فيه هذا المعنى. وكذلك من هذه الأمثلة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما صح عنه في إثبات حكم تحريم الحرير والخمر والمعازف والزنا. فإن الحديث اختلف فيه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الصحيح هذا الحديث. وقد اختلف بعض أهل العلم بموجب اختلافهم في ثبوت هذا الحديث بألفاظه كما أشار في التعليق إلى معنى ذلك. فأعل الحديث بالانقطاع، ولكن الصحيح أنه جاء متصلًا وثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكان من بعض الأئمة ممن لم يثبت عنده الحديث أنه خالف ظاهر هذا الحديث لظنه أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. مثل ما روي عن الإمام ابن حزم في طعنه في هذا الحديث لعدم بلوغه صحة هذا الحديث. وهكذا كذلك قوله رحمه الله تعالى: «أو لم ينضبط له لفظ الحديث»، فإن هذا كذلك مما وقع فيه الخلاف بسبب وجود بعض الألفاظ التي اختلف في ثبوت لفظها. ومثل العلماء بحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تذكية الجنين الذي يكون في بطن أمه، فذكات أمه ذكات له، يعني تكفي في تذكيته إذا خرج ميتًا، لا يضر ما دام أن الأم قد ذكيت. وقد صح معناه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه. ولكن بعض أهل العلم طعن في هذا الحديث لظنهم أنه لم يثبت هذا اللفظ، والصحيح ثبوته، وقد جاء من غير وجه. وكذلك ما ذكره رحمه الله تعالى من قوله: «مع أن ذلك الحديث قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل، بأن يكون غيره يعلم من المجهول عنده الثقة». يعني أنه يوجد في بعض الأحاديث ما يظن أنه روي من وجه في إسناده مجهول، ولكنه علم بالأسانيد الأخرى أن الأمر ليس كذلك. فقد صح من أوجه أخرى صحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يثبت أن الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك قوله: «وقد يكون رواه غير أولئك المجروحين عنده، وقد اتصل من غير الجهة المنقطعة»، يعني عند ذلك الإنسان الحديث ظاهره الانقطاع، فلا يقبل الاستدلال به لظنه أن الحديث لم يثبت، ولكن الصواب أن الحديث ثبت لوجود أسانيد أخرى فيها معنى الاتصال. وهذا وقع في أمثلة ونظائر كثيرة، ومن ذلك قصة بروع بنت واشق التي مرت معنا، فإنها عند بعض الأئمة كالإمام الشافعي رحمه الله كان يظن أن الحديث ضعيف، ولكن الصحيح أن الحديث ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا قوله رحمه الله تعالى: «وقد ضبط ألفاظ الحديث بعض المحدثين الحفاظ، أو لتلك الرواية من الشواهد والمتابعات ما يبين صحتها»، يعني أنه وردت من أوجه أخرى يثبت بها معنى هذا الحديث وصحته. ومثل له بما تقدم من قصة بروع بنت واشق، وتقدم الكلام عليه. قال رحمه الله تعالى: «وهذا أيضًا كثير جدًا، وهو في التابعين وتابعيهم إلى الأئمة المشهورين، ومن بعدهم أكثر منه بالعصر الأول، وأكثر من القسم الأول. فإن الأحاديث كانت قد انتشرت واشتهرت، لكن كانت تبلغ كثيرًا من العلماء من طرق ضعيفة، وقد بلغت غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق. فتكون حجة من هذا الوجه مع أنها لم تبلغ من خالفها من هذا الوجه. ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته، فيقول: قولي في هذه المسألة كذا، وقد روي فيها حديث بكذا، فإن كان صحيحًا فهو قولي». وهذا روي عن إمام الشافعي رحمه الله، وعن الإمام أحمد، وجماعة من الأئمة، أنهم علقوا الفتوى بصحة الحديث. فقال الإمام الشافعي رحمه الله: «إذا صح الحديث فهو مذهبي». وقال الإمام أحمد رحمه الله في عدد من المسائل: «أقول بهذا إذا صح الحديث». وبعضها سكت على حديث بأسانيدها لعلمه أنه ربما تثبت هذه الأحاديث، ولعلمه أنه ليس ضعفها بالضعف الشديد الذي يرد مثلها. ولهذا تراجع الكثير من هؤلاء الأئمة عن أقوالهم بسبب ثبوت ما كانوا يظنون أنه ضعيفًا. وكذلك العكس، قد يرى الإنسان القول في المسألة، ثم يثبت عنده ضعف الحديث، فيتراجع عن قوله بسبب ضعف ذلك الحديث. ولهذا كان بعض الأئمة يقولون: «ندور مع الدليل حيث دار». معناه: إن صح أثبتنا الحكم، وإن لم يصح نفينا الحكم. وروي عن إمام الشافعي أنه كان يقول كذلك: «كل حديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني». ومعناه: لا تنتظر أن أقول في كل مسألة بقول يوافق السنة، لأن السنة قد تخفى علي. فالعبرة بثبوتها، فإذا ثبتت فيجب الأخذ بها. وقال في عبارة أخرى: «إذا وجدتم سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي، فخذوا بالسنة ودعوا قولي، فإني أقول بها». فكان معظمًا للسنة رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك غيره من الأئمة، فإنه قد روي معنى ذلك عن عدد من الأئمة. فالواجب هو اتباع ما صحت به الأدلة، وما ثبتت به السنة. وهكذا كذلك في الأزمنة المتأخرة، تجد أن بعض العلماء مثلًا يقولون أقوالًا لو علموا أن القول الذي قالوه انبنى على حديث ضعيف، لما قالوا بذلك القول. فما هو الواجب؟ هل اتباع قول ذلك العالم مع علمنا أن قوله خالف الحديث الصحيح، وأن قوله انبنى على حديث ضعيف؟ أم الواجب اتباع ما صحت به السنة؟ لا شك أن الواجب اتباع ما صحت به السنة. فإن كان مثل هذا القول يقال في حق أئمة أتباع كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم من العلماء الأئمة، فمن دونهم من باب أولى. فمن دونهم من باب أولى. مثل مسألة زكاة الذهب واشتراط أن يكون ملبوسًا، فإذا كان ملبوسًا فإنه ليس فيه زكاة، أي الحلي. استدلوا بأحاديث، لكن عند التحقيق هذه الأحاديث ماذا؟ ضعيفة، لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ. وقد عارضت أحاديث أصح منها في وجوب الزكاة في كل ذهب ولو كان ملبوسًا إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول. فما هو الواجب؟ الواجب اتباع ما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يقال في مسائل كثيرة حصل فيها الخلاف، وعند التحقيق يعلم أن سبب الخلاف هو الخلاف في صحة الحديث. فإذا ماذا ننظر؟ ننظر في تحقيق صحة هذه الأحاديث والأدلة، فما صحت به الأدلة أثبتنا به الحكم، وما لم تصح به الأدلة لا نثبت ذلك الحكم. هذه هي القاعدة على وجه الإجمال. ولكن كما قيل: لكل قاعدة استثناء. مثال هذا الاستثناء أن الحديث قد لا يصح مرفوعًا، ولكن معناه قد يثبت من أدلة أخرى. مثال: الماء الذي يتنجس بتغير بعض أوصافه، جاء في رواية فيها زيادة لكنها ضعيفة من رواية رجُلٍ بن سعد، وهو ضعيف. لكن ضعف هذه الرواية لا يعني إسقاط هذا الحكم، لأن الحكم ثبت بالإجماع. فالحكم ثبت بدليل آخر، فالأدلة عند أهل الإسلام ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع. فهذه الأدلة يثبت بها الأحكام. فإذا لم يثبت في الكتاب أو السنة، وثبت بالإجماع، فكونه لم يثبت بالحديث لضعفه لا يعني ذلك إسقاط الحكم، لأن الحكم قد يثبت بدليل آخر. وهكذا كذلك قل في نظائر كثيرة قد لا يثبت الحديث مرفوعًا، ولكنه يثبت موقوفًا، والموقوف في بعض المسائل له حكم المرفوع إذا لم يعارضه قول أحد من الصحابة الآخرين، وخصوصًا في باب الاعتقاد. فليس كل شيء لابد أن نثبته بدليل الكتاب والسنة فقط، بل كذلك بفهم سلف الأمة. فما ثبت من فهم سلف الأمة ولم يعلم لهم مخالف، فإننا نثبت حكمه. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». بل بعض المسائل الفقهية كذلك قد نأخذ بقول بعض الصحابة إذا لم يخالفهم أحد، مع أنها من المسائل التي وقع فيها الخلاف. وهذا من باب الترجيح. فإن الترجيحات قد تكون تارة بدليل الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو القياس الصحيح، أو قول الصحابي الذي لم يخالفه غيره. ولذلك لما اختلف العلماء في قول الصحابي، ذكروا أن قول الصحابي الأصل فيه أنه ليس بحجة، وأنه يكون حجة بثلاثة شروط مرت معنا في دروس ماضية. قول الصحابي حجة بثلاثة شروط: ألا يخالف الدليل من الكتاب والسنة، الثاني ألا يخالف صحابي آخر، الثالث ألا يكون من مسائل الاجتهاد. بذه الشروط الثلاثة يكون قول الصحابي حجة. فإذا ثبت اثنان ولم يثبت الثالث، فهذا محل اجتهاد. مثاله ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحسنه بعض أهل العلم حديث «بُغَيْرَةَ» في أذان المؤذن إذا أذن وفي يدي أحدنا إناء، فإنه يأخذ منه نهمة. صححه بعض أهل العلم مرفوعًا وأثبت به الحكم، وبعضهم ضعفه مرفوعًا وصححه موقوفًا. كمروى عن ابن حاتم وغيره، أعل هذا الحديث فلم يصححه مرفوعًا وصححه موقوفًا. وبموجب ذلك لم يقل بهذا الحديث بعض أهل العلم لضعف الحديث مرفوعًا عندهم، وقال به البعض الآخر لصحة الحديث مرفوعًا عندهم. وبعض من يرى ضعف الحديث مرفوعًا ويصححه موقوفًا، كذلك يثبت هذا الحكم لثبوت معناه بالقياس، وبفتوى الصحابي الذي لا يعلم له مخالف فيها. بل علم له موافق، علم له موافق. يعني جاءت فتاوى صحابة توافق فعله توافق فعله. فاستأنسوا بذلك. ومثله العمل بالحديث الضعيف، الإمام أحمد رحمه الله، صح عنه أنه يقدم العمل بالحديث الضعيف على الاجتهاد، لكن ليس كل حديث ضعيف، إنما مراده بالضعيف أي الذي لم يشتد ضعفه، الذي يصلح للشواهد والمتابعات وتؤيده فتاوى أو آثار أو نحو ذلك. وهذا من مواضع الاجتهاد، فقد يحصل خلاف بين العلماء والأئمة، فتكون هناك مرجحات. وباب الترجيح باب واسع عظيم ذكره العلماء في كتب الأصول. وفي هذه المباحث إشارات يسيرة إلى ما أشار إليه العلماء في هذا الباب. يقول: من شك في عدد السجدات في الصلاة، هل يبني على الأقل مثل عدد الركعات؟ نعم، الحديث بأبي سعيد وغيره كما تقدم معنا، أنه يبني على الأقل إذا شك يبني على الأقل، إلا إذا كان في حال تدل على أنه على الصواب. فالأصل بقاء ما كان على ما كان. مثلا شك هل سجد سجدة أو سجدتين من الركعة الثانية، ولكنه وجد نفسه يتشهد التشهد الأول، فهنا لا يقول أنها سجدة فيبني على الأقل، لماذا؟ لأنه عارض قاعدة أخرى. ما هي القاعدة الأخرى؟ بقاء ما كان على ما كان، هو الآن في التشهد، فالأصل أنه بالتشهد لا يخرج من هذا التشهد إلا بحجة. كما في حديث أبي زيد لا ينصرف حتى يسمع صوتًا ويجد ريحًا. الأصل هو الطهارة، طهارته ودخل بالصلاة، والعارض ما هو الحدث؟ هل في دليل على هذا الحدث؟ ما في دليل، إذا لا يخرج من الصلاة حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. كذلك الأصل أنه في التشهد لا يخرج عن كونه في التشهد إلا بحجة، ما عنده حجة لا يلتفت إلى الشك، لا يلتفت إلى الشك. بخلاف إذا كان في جلسة الاستراحة ولا يدري هي جلسة استراحة أو هي جلسة بين السجدتين، هنا ليس عنده مرجح فيبني على أنها السجدة الأولى لعدم المرجح. وهذا إذا كان منفردًا، وهذا إذا كان منفردًا. أما إذا كان مأمومًا، فالمأموم لا إشكال يتابع إمامه. والإمام ينظر، إن خالفه أحد فإنه على أسوأ خطأ، وإن لم يخالفه أحد فالأصل أنه على ماذا؟ على الصواب. نعم. مثل هل بنى على الأقل إذا بنى على ما قاله لا يسجد للسه، لأن السهو عارض وليس له دليل ظاهر. وإنما إذا بنى على الأقل يسجد للسه. أنا أتكلم عن غير الإمام، أيها غير الإمام. أما الإمام إذا أخذ بغلبة الظن أنه لم ينكر عليه أحد فلا بأس إن شاء الله، ولا يسجد للسه. يقول: هل يوجد من العلماء من قام بتلخيص هذه الرسالة؟ لا أعلم، لا أعلم، لكن قد يوجد الله أعلم. يقول: ما هي النصيحة لطالب العلم الذي عنده حب للقراءة والاطلاع في كتب أهل العلم؟ وكلمة... (غير واضحة) يقتدر في طلبه للعلم على أو يقتصر لعله يقتصر في طلبه للعلم على حضور الدروس دروس المشايخ فقط دون الاطلاع والقراءة والبحث. الكمال أن يجمع طالب العلم بين جميع الوسائل التي يحصل بها تحصيل العلم. فكما يقولون: حضور الدروس تكمل فائدتها بتقليب نسبتها المألوفة. أنت لما تحضر الدرس تستفيد من الدرس أربعين بالمئة، وقبل الدرس لتحضيرك واعتنائك بهذا الدرس تستفيد تقريبًا بين عشرة وعشرين بالمئة. ومراجعتك للدرس بعد انتهاء الدرس تستفيد ما يتم مئة بالمئة. ولذلك نجد الفرق في ثمرة هذه الدروس على الطلاب بحسب كيفية استفادتهم من هذا الدرس. هذا الذي يحضر الدرس فقط، إن كان حضر بحضور قلب وحضور ذهن، فلن يستفيد أكثر من أربعين بالمئة فقط. والذي يحضر وقد حضر للدرس قبل أن يحضر تزيد النسبة من أربعين إلى ستين، ولكنه لا يراجع بعد الدرس، صار كأنه قرأ كتابًا وأغلقه ومشى، ما يثبت عنده فائدة هذا الدرس. لكنه إذا راجع الدرس بعد الدرس، وهذه المراجعة تختلف من شخص إلى شخص. في إنسان يحتاج أن يراجع مرة واحدة، وفي إنسان يحتاج أن يراجع عدة مرات. مثل حفظ القرآن، الذي يحفظ القرآن ويأتي ويسمع من المدرس، هذا التسميع الذي سمع به أربعين في المئة فقط. أين الباقي؟ ستين في المئة قبل التسميع وبعد التسميع. الذي يتعاهد هذا التسميع يبقى معه القرآن محفوظًا. ولذلك هل تجدون أحدًا يخطئ في الفاتحة؟ ما فيه في الغالب نقول: ما أحد يخطئ في الفاتحة. لماذا؟ ما هو السبب؟ كثرة التكرار والتعاهد. أنظر إلى الأمي: سورة السجدة، سورة الدهر، يقال الإنسان، يقال الدهر. سورة سبح اسم ربك الأعلى والغاشية، الخطأ فيها قليل، بينما غيرها الخطأ يكثر بسبب التعاهد. إذن التعاهد له شأن في حفظ العلم. وهكذا كذلك بالنسبة للدروس. هذا الذي يحضر الدرس ولا يقرأ ولا يراجع بعد الدرس، فإن الدرس يفوته وتذهب فائدة. والعلم الحقيقي هو الذي يبقى في الصدر، ليس الذي تقرأ به الكتب. كم من الكتب تقرأها ولا تراجعها ولا تذاكرها ولا تتعاهدها؟ إذا لم تتعاهدها فإن العلم يفوت ويذهب. ولهذا كان شيخنا مقبل رحمه الله يحث على مراجعة العلم ومذاكرته. وكان يقول: لأن أدرس الكتاب مرة خير لي من أن أراجعه اثنتي عشرة مرة. سأل بعض الطلاب: لماذا؟ قال: اثنتي عشرة مرة. فقالوا: لعله جرب ذلك رحمه الله تعالى. والناس يتفاوتون في هذا التعاهد، فكذلك الدروس والقراءة مهمة لطالب العلم، لأن القراءة توسع مدارك طالب العلم وتعطيه ملكة في الإحاطة بمباحث العلم. طيب نكتب بهذا القدر إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.