الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 176، الدرس السادس والسبعون بعد المائة:(قال البخاري رحمه الله:حدثنا موسى بن إسماعيل ... قال:ارفع يدك ياعثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي تفاصيل استشهاد عمر بن الخطاب أثناء إمامته للناس في الصلاة، ويصف صفات إمامته واهتمامه بتسوية الصفوف وإطالة القراءة في صلاة الفجر. يبرز المقطع تفاصيل محاولة الاغتيال وملاحقة القاتل.
يروي عبد الله بن عمر تفاصيل مقتل أبيه عمر بن الخطاب وطلباته قبل وفاته، ويبرز تواضع عمر وحرصه على اتباع الحقوق والآداب الشرعية. يشمل ذلك سداد دينه والاستئذان لدفنه بجوار النبي محمد.
يتناول التحذير من المظاهرات والاعتصامات ويبين أنها تزيد الشر والمجتمع ضررا، ويحذر من اتباع العواطف ومخالفة أمر الله ورسوله. يشير إلى أن الاعتراف بالخطأ خير من الجدال فيه.
يناقش أن سلامة بعض المظاهرات من سفك الدماء لا يعني بالضرورة حصول الخير، حيث أن العبرة بالمفسدة العامة. يستدل بأن سلامة مظاهرة واحدة لا تضمن سلامة المظاهرات الأخرى.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن حسين، عن عمر بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، قال: «كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟» قال: «حملناها أمرا هي له مطيقة» -يعني أرض الخراج- فقد وكلهما بضرب الخراج على أهل السواد، كما جاء في أخبار أخرى، قال: «حملناها أمرا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل». قال: «انظر أن تكونا حملتم الأرض ما لا تطيق» -يعني فرضتم على الناس من الخراج ما لا يطيقونه- خشية أن يكون قد حصل شيء من التجاوز في حقهم، قال: «قالا: لا». قال: «لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا» -يعني سيغنيهم إما بوقف أو بنفقة-، قال: «فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب». قال: «إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس، غدا تأصيب». وكان إذا مر بين الصفين قال: «استووا»، حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى. وفيه استحباب تسوية الإمام للصفوف إذا احتيجت الصفوف إلى ذلك، ويجوز أن يستعين الإمام بأحد يعينه على تسوية الصفوف، كما كان يفعل عمر رضي الله عنه وأرضاه. وإذا رآهم استووا فيكتفي باستوائهم، كما صح معنا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان يسوي الصفوف كأنه يسوي القداح، ويمسح على صدورهم، حتى إذا ظن أنهم عقلوا منه» -يعني فهموا ما يريد وتعلموا هذه السنة-، فرأى رجلا باديا صدره -يعني متقدما-، فيكون هذا تجاوزا بعد ذاك الحرص وذاك التعليم، فقال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث النعمان: «عباد الله، لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم» أو قال: «وجوهكم». وعمر رضي الله عنه كذلك كان يتخذ حين كثر الناس من يعينه على تسوية الصفوف. وهل يجوز الاستعانة بالخطوط في تسوية الصفوف؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح جوازه إذا لم تكن فيه مفسدة، فهو يعين على تسوية الصفوف، خصوصا مع كثرة الناس وقلة العاملين بالسنة، فصار مما يعين الناس على تسوية الصفوف جعل هذه الخطوط. فإن قال قائل: «لما لم يفعله السلف؟» أجاب من أجاز بأن سببه لم يكن موجودا، إذ كانت أكثر مساجدهم من الحصى ونحوها مما لا يمكن أن يسوى فيه خط. قال رحمه الله تعالى: قال: «وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى». وفيه: هذه السنة من سنة الخلفاء التي هي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التطويل بالقراءة في صلاة الفجر، ما لم يكن فيه مفسدة، فإذا استطاع الإنسان أن يحيي هذه السنة فحسن، بشرط أن لا يشق على الناس ويضرهم، فإن كان فيفعل أخف السنة مع القرب منها -يعني إذا كان الناس اليوم لا يطيقون سورة يوسف كاملة في ركعة واحدة، ممكن أن يقسمها في ركعتين-، فإذا كان هذا كذلك يشق ينتقل إلى غيره مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله في صلاة الفجر، وعن الخلفاء الراشدين. قال: «حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب»، حين طعنه فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه -يعني السكين له مقبض في الوسط، وله حد من أعلى وحد من أسفل، وهذا معناه أنه صنعه خصيصا لأجل أن يكثر القتل به-، قال: «حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، وكانت السكين مسمومة» كما جاءت بذلك الأخبار الأخرى الصحيحة. قال: «فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا» -يعني رماه فوقه لأجل أن لا يرى أحدا فيطعنه فيتعثر-، قال: «فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه» -يعني كان يريد الهرب، فلما رأى أنه بهذا قد قبض عليه قتل نفسه-، ويسمى الكافر الرجل القوي الكافر علجا. قال: «وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه»، قال: «فمن ير عمر فقد رأى الذي أرى». وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون -يعني كان القريب من عمر رضي الله عنه رأى الذي رأى راوي هذا الحديث، وأما من هو بعيد لا يدري ماذا جرى للإمام وماذا حصل للناس، إنما يسمع صوتا ولا يدري ما حدث-، قال: «غير أنهم فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله» -يعني يظنون أن عمر أطال في سكتة الاستفتاح-، قال: «فصل بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة». فلما انصرفوا، قال: «يا ابن عباس، انظر من قتلني؟» فجال ساعة ثم جاء، فقال: «غلام المغيرة». قال: «الصنع» -يعني كان من الصناع-، قال: «نعم». قال: «قاتله الله، لقد أمرت به معروفا» -يعني أمر بالإحسان إليه قريبا-، وذلك أنه كان يشكو مما كلف من العمل وقلة الأجرة، فأمر بالإحسان إليه، ومع ذلك فعل فعلته، وكان كافرا. قال: «الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام». قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة -يريد ابن عباس وأبوه العباس-، قال: «وكان العباس أكثرهم رقيقا» -يعني يأتون بالرقيق من خارج المدينة فيعملون داخل المدينة من الكفار-، فقال: «إن شئت فعلت» -أي إن شئت قتلنا-، قال: «كذبت، بعدما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم» -يعني أظهروا الإسلام، أو إذا لم يسلم أظهروا ماذا؟ الطاعة للمسلمين والقيام بحقوق أهل الذمة والعهد-. وفي هذا دليل على بقاء الكافر والمشرك في المدينة مع الحاجة إليه، وإلا فالأصل إجلاؤهم من جزيرة العرب، وقد فعل عمر رضي الله عنه بإجلاء اليهود من حول المدينة. قال رحمه الله: «فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ» -يعني كانت مصيبة عظيمة أنستهم المصائب قبلها، وهذا من الضاق ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وأن الفتن تتوالى على الناس حتى يرقق بعضها بعضا». قال: «فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقوم أخاف عليه». فأتي بنبيذ فشربه -والمراد به عصير منتبذ-، قال: «فخرج من جوفه» -ومعنى أن الجرح كان كبيرا حتى وصل إلى معدته، فما يشربه يخرج مباشرة-، قال: «ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه»، فعلموا أنه ميت، خصوصا وأنه طعن بسكين مسمومة. قال: «فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يثنون عليه». وجاء رجل شاب، فقال: «أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة». قال: «والذي نفسي بيده، لقد زدت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي». وهذا يدلك على فضله رضي الله عنه أرضاه من المحسنين، ومع ذلك يرجو أن يخرج كفافا. قال: «فلما أدبر، إذا إزاره يمس الأرض» -يعني ذلك الشاب الذي قال تلك الكلمة الطيبة-، قال: «رد علي الغلام». قال: «يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك». في رواية الحديث في مسلم: «أنقى لثوبك» -أبقى يعني أحفظ له من أن يتمزق، وأنقى يعني لا يصيبه بسبب إزداله شيء مما يكون في الأرض، وكل الروايتين صحيحة-، قال: «وأتقى لربك» -يعني بكونك تطيعه ولا تعصيه بالإسبال-. وفي هذا دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو في مثل هذا المقام، وفيه فضل عمر وصدعه بالحق رضي الله عنه. وفيه كذلك أن هذا ليس كما يقول بعض الناس -أي إسبال الإزار العبرة بما في القلب-، فإذا كان خيلاء فحرام، وإذا كان غير خيلاء فلا بأس، أو جرت به العادة فلا بأس، وهذا غير صحيح. فالواجب على المسلم أن ينهى عن هذا الذي نهى عنه الرب سبحانه وتعالى، بما علم رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلم المسلمين. بل صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الإسبال في الإزار، فمن أسبل فقد وقع في المخيلة»، ولو لم يكن قلبه فيه خيلاء، إذ الفعل هو بحد ذاته مخيلة. قال: «يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين؟» فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه. أمير المؤمنين ومع ذلك عليه دين، فرضي الله عنه أرضاه. قال: «إن وفى لي مال آل عمر فأديه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تفي أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم» -يعني ولا تتعداهم-، يعني أنه يطلب المعونة أن يعان على سداد هذا الدين، رضي الله عنه أرضاه. قال: «فأدي عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم، للمؤمنين أميرا». وفيه كذلك أن الإمارة تكون بالقيام بها، ومن لم يقم بها فإنها تنتقل إلى غيره. قال: «وإلا فقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه». فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: «يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه». فقالت: «كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي». فلما أقبل، قيل: «هذا عبد الله بن عمر قد جاء». قال: «ارفعوني، فأسنده رجل إليه»، فقال: «ما لديك؟» قال: «الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت». قال: «الحمد لله، ما كان من شيء أهم إلي من ذلك». فإذا أنا قضيت فحملوني، ثم سلم، فقل: «يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني لمقابر المسلمين». وهذا من تواضعه رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك زيادة حرصه أن لا يكون أخذ حقا بغير رضاء، فأراد أن يكرر الاستئذان حتى بعد الوفاة. وهكذا ينبغي للمسلم إذا علم أن شيئا وصل إليه وخشي أن يكون بغير رضاء أن يعيد الاستئذان والاسترضاء، ولو بغير حضرته، لأنه قد يكون الرضاء عن غير طيب نفس، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». فالإذن قد يخرج كلمة الرضاء باللسان، ولا يكون طيب النفس في القلب، فلا يدل ذلك على الحلية. وهكذا مثله سائر الحقوق الأخرى، وهذا باب عظيم من الأدب والورع الذي نتعلمه من سلفنا رضي الله عنهم. قال: «وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء يسيرن معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلا لهم، فزمعنا بكاءها من الداخل». فقالوا: «أوصي يا أمير المؤمنين، استخلف». قال: «ما أجد أحدا حق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهق الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض». فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن، وقال: «يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء» -كهيئة التعزية له-، فإن أصابت الإمارة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. وقال: «أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم وأن يعفى عن مسيئهم». وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجبات المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواش أموالهم، ويرد على فقرائهم. وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوف لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم. وهذه الوصية قد تناولت معاني عظيمة وأمور جليلة، كلها تدلك على فضل عمر رضي الله تعالى عنه أرضاه. قال: «فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر». قال: «يستأذن عمر بن الخطاب». قالت: «أدخلوه». فأدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه. فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهق، فقال عبد الرحمن: «اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم». فقال الزبير: «قد جعلت أمري إلى علي». فقال طلحة: «قد جعلت أمري إلى عثمان». وقال سعد: «قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف». فقال عبد الرحمن: «أيكم تبرأ من هذا الأمر؟ فنجعله إليه، والله عليه والإسلام» -يعني أمانة تحملها، والله حسيب وشاهد-، قال: «لينظرن أفضلهم في نفسه». فأسكت الشيخان -يعني عثمان وعليا-، فقال عبد الرحمن: «أفتجعلونه إلي؟ والله علي ألا آل عن أفضلكم». قال: «نعم». فأخذ بيد أحدهما، فقال: «لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدل ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن». ثم أخذ بالآخر، فقال له مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق -يعني من الإثنين-، وفيه حكمة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أرضاه وحسن تصرفه، قال: «فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان». فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه -يعني جعل الإمارة لعثمان رضي الله تعالى عنه-، فاجتمع المسلمون جميعا على مبايعته، ومن أولهم عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أرضاه. وبهذا يعلم أن من طعن في خلافة عثمان فقد طعن في الصحابة أجمعين، فهو كما قال الإمام أحمد: «أضل من حمار أهله». لأنه بهذا يكون قد طعن في جميع الصحابة الذين رضوا بهذه الإمارة وهذه الخلافة لهذا الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه. وهذا الحديث فيه ما أراد أن يشير إليه شيخنا رحمه الله من كرامات عمر رضي الله عنه التي هي من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وكلها في فضائل عمر. وفي الحديث مسائل وكذلك فوائد كثيرة، نكتفي بما أشير إليه في ثنايا القراءة. سبق وتكرر كثيرا التنبيه على هذه الطرق التي يظن أنها تجلب الحقوق المفقودة وترد المظالم المضروبة، وهي في الحقيقة لا تزيد الشر إلا شرا، ولا تزيد المجتمع إلا ما فيه الضر في عاجل أمره وآجله. وكلام العلماء في التحذير من المظاهرات والاعتصامات مبسوط ومعروف، وكرر كثيرا ونشر كثيرا. ولكن للأسف بعض الناس تغلب عليهم العواطف، ويتأثر بغلبة الكثرة، فعند ذلك يفتح أذنه وقلبه، ويتابع بجوارحه أهل العواطف. وكذلك الكثرة الكافرة التي في الحقيقة ليست هي معيار الحق. ثم مما يؤسف أن بعضهم ربما عرف الحق ويجادل ويكون عنده شيء من الإعراض، وهذا خطر. كونك تعترف بالخطأ خير من أن تجادل فيه وتصر. وقد قال الله عز وجل محذرا هذا المعنى بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والآية عامة في كل من علم الحق وأعرض عنه. فإنه يخشى عليه من الفتنة، والواقع يثبت أن أكثر المتهافتين في هذه الأفعال التي حذر منها العلماء، فهي فيها تشبه بالكفار، وفيها فتح الذرائع لأعداء هذا الدين لإثارة الفتن والفوضى في بلاد المسلمين، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة. الواقع يثبت أن المتهافتين فيها عربوا أنفسهم وغيرهم، ومجتمعاتهم للفتن. فنحن نرى كيف أن الكثير من هؤلاء وقع في الفتن وأوقع الفتن بتتابع هذه التجمعات -سواء مظاهرات أو اعتصامات أو غيرها-، وكيف يستغل أعداء هذا الدين في الداخل والخارج هذه التجمعات، فيكون بها الوصول إلى ما يريدون من الشر الحسي والشر المعنوي. وهذا هو الواقع، خصوصا في مثل هذه الأيام التي تثور الفتن ثورانا عظيما. كيف يجترئ مسلم أن يعين على إشعال نار الفتنة بعود آخر فيزيد الفتن؟ ومن يقول: «نحن نريد اعتصامات سلمية»، هذا غير صحيح. الواقع أثبت أنها تبتدئ سلمية، ثم تنتهي ماذا؟ بالفوضى والفتن، وانتهاك الحقوق والشر، وحصول ربما حتى القتل. وكم من المظاهرات التي ابتدأت سلمية وانتهت بسفك الدماء، وانتهاك الأعراض والأموال، وغير ذلك من الشر. فالنصيحة لكل مسلم أن يجتنب هذه الفتن وأبوابها وذرائعها وسائلها، وأن يعتزلها تمام الاعتزال. فإذا قيل له: «حقك سيضيع»، قل له: «سأطلبه من الله سبحانه وتعالى». فالله لن يضيعك، ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. لو ضاعت الحقوق كلها في حفظ دم مسلم واحد لكان هذا خير. وكيف ونحن نرى في كل مسيرة ومظاهرة من الفتن ما فيه عبرة وعظة؟ كم من الأنفس إلى الآن أزهقت في مثل هذه المظاهرات والاعتصامات؟ وكونها سلمت بعض المظاهرات من سفك الدماء لا يعني أنه حصل بها خير، أو كذلك تحققت بعض المطالب لا يعني ذلك أنه كذلك حصل خير. فالعبرة بالمفسدة التي تدرع على وجه العموم، لا بالمصلحة العارضة، أو كذلك الخير المظنون الذي قد يكون مرة. كما يقولون: «ليس كل مرة تسلم الجرة». فإذا سلمت مظاهرة واعتصام لا يعني أن تسلم مظاهرات واعتصامات أخرى. مع أنه في الحقيقة يستفيد من هذا أناس كثر فيدخلون الشر على المسلمين حسا ومعنى. فنسأل الله عز وجل العصمة لجميع المسلمين، والهداية والتوفيق للصواب. وإلى هنا والله تعالى أعلم.