الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 49، تابع الحديث المعلل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح مفهوم الإعلال بالاضطراب في سند الحديث ويضرب مثالًا بحديث "أرحم أمتي أبو بكر". يوضح أن الحديث رغم شهرته يعتبر مرسلًا والصواب فيه الوقف عند أنس بن مالك.
يتناول موضوع الإعلال بسبب اختلاف الصحابي في الرواية، ويضرب مثالًا بحديث "إني لا أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة". يوضح أن اختلاف الرواية بين الصحابة يمكن أن يكون سببًا للإعلال.
يُبرز أهمية معرفة علم علل الحديث في كشف الأخطاء الخفية وتوضيح صحة الأحاديث. يشدد على ضرورة جمع طرق الحديث لتحديد صحته وتوضيح الأخطاء المحتملة.
يؤكد على أهمية اطلاع الباحثين على آراء وأعمال السابقين من أهل العلم في مجال التحقيق والبحث، خاصة في مجال الأحاديث، حيث يمكن أن يكشف لهم عن علل خفية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: الثاني أن يكون الحديث مرسلًا من وجه، رواه الثقات الحفاظ، ويسند في وجه آخر ظاهره الصحة. مثاله حديث قبيص بن عبيد عن سفيان، عن خالد الحذاء وعاصم الأحول، عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعًا: «أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر». الذي يعرفه الحفاظ أن خالد الحذاء رواه عن أبي قلابة مرسلًا. وهذا موضع آخر من مواضع الإعلال، فمما يعرف به الإعلال، ومن أنواع الأحاديث المعلّة أن يكون الحديث مرسلًا، والصواب فيه الإرسال، ويروى من وجه آخر متصلًا مرفوعًا، فيعرف الحفاظ أن هذا الاتصال والرفع خطأ. ومثاله هذا الحديث، وهو حديث مشهور، كثيرًا ما يستدل به بعض الخطباء والوعاظ، حديث أنس: «أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أبي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ». ثم قال: «ألا وإن لكل نبي أمينًا، وإن أمين أمتي أبو عبيدة بن الجراح». وروي كذلك بلفظ آخر: «أن أكثرهم -أو ممن أوتي- عبادة عويمر أبو الدرداء». وهذا الحديث على شهرته، الصحيح أنه لم يصح مرفوعًا عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقد روي من حديث أنس، والصحيح فيه الوقوف، فقد نبّه الحفاظ أن الراجح فيه الإرسال، كما نبّه على ذلك الدارقطني -رحمه الله-، فبين الاختلاف فيه على أبي قلابة، وأن سماع أبي قلابة من أنس صحيح، إلا في هذا الحديث، فأبو قلابة سمع من أنس، لكن هذا الحديث لم يسمعه من أنس، بل الصحيح فيه أنه حديث مرسل، رواه أبو قلابة مرسلًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ليس فيه ذكر أنس. ومن رواه بذكر أنس، فهو خطأ خالف فيه رواية الثقات الأكثرين، الحفاظ الذين رووا هذا الحديث مرسلًا. وهكذا ذكره الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «التلخيص». وبعض أهل العلم حسّنه لما رأى من ظاهر هذه الرواية التي ظاهرها الصحة والاتصال، خصوصًا أن أبا قلابة قد سمع من أنس، فظنوا أنه لا مانع أن يكون الحديث روي مرسلًا وروي متصلًا، وزاد شبهة في ذلك ولبسًا كون الحديث روي من حديث جابر بن عبد الله -أيضًا- وهو كذلك فيه ضعف، فظنوا أن هذا يشد ذلك. وحديث جابر فيه «مندل بن علي» وهو ضعيف، ولا يصلح للشواهد والمتابعات. فالصحيح أن الحديث لا يصلح أن يحسن، والحديث المعل ليس من الأحاديث التي تصلح للشواهد والمتابعات، ننتبه لهذا، فليست الأحاديث المعلّة من مواضع الشواهد والمتابعات. قال -رحمه الله تعالى-: الثالث أن يكون الحديث محفوظًا عن صحابي، ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته. ومثاله حديث موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه مرفوعًا: «إني لا أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة». المحفوظ أنه من رواية أبي بردة، عن الأغر المزني. وهذا موضع آخر من مواضع الإعلال، وصورة الأحاديث المعلّة أن يكون الحديث ثابتًا صحيحًا عن صحابي معين، وهو المحفوظ الذي رواه الحفاظ والثقات، وينفرد بعض الرواة، ولو كان من الثقات، بروايته عن صحابي آخر، خصوصًا إذا كان على غير الجادة، فيكون هذا مما يؤكد أنه وهم. فمثلًا الجادة في رواية أبي بردة أن يروي عن أبيه أبي موسى، عن أبيه أبي موسى، هذا الجادة. فروي هذا الحديث عند ابن ماجة بهذا الإسناد، من رواية أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه -أي عن أبي موسى- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة». بينما الحديث في صحيح مسلم من رواية أبي بردة، عن الأغر المزني، وليس عن أبي بردة، عن أبي موسى. ولهذا نبّه الحفاظ أن الصواب رواية الإمام مسلم التي فيها رواية أبي بردة، عن الأغر المزني، وليس ما في خارج «الصحيح» مما جاء عند ابن ماجة وغيره، من رواية أبي بردة، عن أبيه أبي موسى. فإذن الحديث صحيح، لكن ليس صحيحًا من حديث أبي موسى، وإنما صح من حديث الأغر المزني. وبهذا نعرف أهمية معرفة هذا العلم، فإن الحفاظ الذين يعرفون هذا العلم ودقائق مسائله يكتشفون مثل هذه العلل الخفية التي قد لا تظهر لغيرهم، فينظر إلى ظاهر الإسناد فيصحح الحديث بظاهر إسناده، وليس الأمر كذلك، خصوصًا وأن الحديث أصله الصحيح، فيقول: قد جاء صحيحًا، ولا مانع أن يأتي كذلك من هذا الوجه، وهو خطأ. قال: الرابع أن يكون الحديث محفوظًا، ويروى عن تابعي أن يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبته. مثاله حديث زهير بن محمد، عن عثمان بن سليمان، عن أبيه، أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ولم يروه، وإنما روى هذا الحديث عثمان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وهو عثمان بن أبي سليمان. فحصل هنا الوهم بين التابعي عثمان بن سليمان، وبين ما روي في الطريق الآخر من طريق نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وهو جبير بن مطعم. وهنا قال: عثمان بن أبي سليمان. وبهذا يُعلم أنه حصل خطأ، كون الحديث يُروى بلفظ يقتضي أن التابعي صحابي، وإنما يروى من طريق آخر. ومثل هذا لا يُدركه إلا من يتتبع الأسانيد ويجمعها. ولهذا يقول العلماء: الذي ينبغي في تصحيح الحديث أن يجمع الباحث والمحقق للحديث طرق هذا الحديث، فإنه إذا جمع طرقه تبين له إذا كان هناك خطأ أو اختلاف، فعند ذلك يحتاج للوقوف إلى كلام أهل العلم. ولهذا من المهم أيضًا لمن يعمل في أمر التحقيق والبحث أن ينظر كلام أهل العلم ممن سبقه في الأحاديث، فإن الوقوف على كلام أهل العلم قد يوقفه على علة خفية قد نبّه عليها، وهو لم يدركها ولم يقف عليها. نقف عند هذا الحد، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.