الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 5

الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 5، الدرس الخامس: فيه (وكذلك للماشي والفرض لا يصح إلا عند الضرورة ... وما أشبه ذلك مما يعود إلى وجوب تقديم الفرض على النفل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الفروق بين صلاة الفرض والنفل وأحكامها

يتناول هذا الفصل الفروق بين صلاة الفرض والنفل، حيث يشرح بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة على الراحلة والشرب أثناء الصلاة وستر العاتقين. كما يشير إلى أهمية الدليل في التفريق بينهما.

فروق بين صلاة النفل والفريضة وأحكام الصلاة خلف الإمام

يتناول هذا الفصل بعض الفروق بين صلاة النفل والفريضة، ويشير إلى جواز صلاة المتنفل خلف المفترض والعكس، معتمدًا على أحاديث نبوية. كما يوضح أحكام الصلاة خلف إمام يصلي بصلاة باطلة.

أحكام قطع النفل وتقديم الفرائض على النوافل

يتناول هذا الفصل أحكام قطع النفل عند إقامة صلاة الفرض وتقديم الفرائض على النوافل، مستندًا إلى حديث أبي هريرة. يُفصّل شروط قطع النفل وإتمام الفرض، ويُبيّن أن النوافل لا تقضى إذا كثرت الفوائض.

تكبير الإحرام في الصلاة

يشير هذا الفصل إلى أهمية ذكر الله تعالى وتكبير الإحرام في الصلاة، حيث يتضمن التكبير ثلاث مرات بقول "الله أكبر".

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في ذكر أحد الفروق التي أشار إليها المؤلف، رحمه الله، بين فرض الصلاة وبين نفلها. فكان مما وقفنا عليه الصلاة على الراحلة، وأنها تجوز في السفر الطويل والقصير، ولا تصح في الفرض إلا عند الضرورة. وكذلك للماشي؛ نعم. وأما قوله رحمه الله تعالى: «وكذلك للماشي»، فكأنه يشير رحمه الله إلى أن الصلاة على الراحلة إذا كانت رخصة لمن عنده راحلة وهو مسافر، فهي رخصة كذلك لمن ليس عنده راحلة وهو ماش، أن يصلي وهو ماش كأنه يومئ إيماء، وهذا قياس على الصلاة على الراحلة. والله أعلم بصحة هذا الحكم. فالأصل أن الرخصة جاءت في الصلاة على الراحلة، والصلاة النافلة ماشيًا لم يرد فيها دليل، ولكن صح الدليل عند الضرورة، كصلاة المقاتل ونحوه. وقوله: «والفرض لا يصح إلا عند الضرورة»، مر معنا معنى التمثيل على ذلك، أنه يصح عند الضرورة، كالمسافر على الطائرة لا يستطيع أن يصلي قائمًا، أو في القطار، أو كذلك على الراحلة في السيارة ونحوه، إذا كان خشي فوات الوقت، ولم يستطع أن يصلي قائمًا، ولم يستطع كذلك أن ينزل من الراحلة ويصلي، فللضرورة يصلي وهو قاعد. قال رحمه الله: «ويجوز في النفل الشرب اليسير بخلاف الفرض». وهذا يحتاج إلى دليل، وقد روي في ذلك عن ابن الزبير، رحمه الله تعالى، أنه فعل ذلك في صلاة النفل في قيام الليل، أنه كان يصلي صلاة طويلة -أي في نفله- ثم يحتاج إلى الشرب فيشرب ويواصل في صلاته. وهذا كما قلنا يحتاج إلى دليل، أنه يجوز الشرب اليسير في النفل، ولا يجوز في الفرض. وأشار شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، إلى مسألة أخرى، وهي الريق المتجمع، هل يجوز له أن يبلعه؟ وهل يبطل الصلاة أو لا يبطل؟ ثلاثة أقوال: قيل: يبطل الصلاة إن جمعه في فمه. وقيل: لا يبطل. وقيل: يفصل في ذلك، إن كان يشق عليه أي أمر دفع ذلك فلا بأس، إلا إن كان مما ينقض الوضوء، كريق مجتمع من لحوم الإبل وتوابعها؛ لأن الريق المجتمع من لحوم الإبل حكمه حكم لحوم الإبل، فينقض الوضوء. وهذا الأخير هو ترجيح شيخنا، رحمه الله تعالى. فعلم بذلك أن النفل والفرض في الحقيقة سواء في عدم جواز الشرب، لكن إذا اضطر إلى الشرب فليخفف في صلاته، فليخفف في صلاته، وليسلم وليذهب ليشرب، ثم يواصل صلاته. ليس شيء يلزمه أن يستمر بتطويل الصلاة حتى لا يجد إلا أن يقطع الصلاة بشرب وهو في الصلاة، ليس شيء يلزمه بذلك. وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتخفيف الصلاة لما هو أيسر من ذلك، إذا نعس الإنسان في صلاته، يستحب له أن يخفف في صلاته ويرجع فينام. وهكذا كذلك إذا سمع بكاء صبي، كان النبي عليه الصلاة والسلام يخفف الفريضة، فكيف بالنافلة؟ وكيف بما يشق عليه الصلاة كالعطش؟ فالحمد لله ما جعل الله عز وجل في الدين من حرج. إذا أراد أن يطيل ووجد نفسه عطشانًا، يخفف في تلك الركعتين ويسلم، ثم يشرب ويستمر في مواصلة الصلاة. فإذا قوله: «ويجوز في النفل الشرب اليسير بخلاف الفرض»، هذا على قول بعض أهل العلم، فيما روي عن ابن الزبير. والصواب أنه لا فرق بين النفل والفرض في عدم جواز الشرب قليلًا أو كثيرًا. وأما مسألة الريق المجتمع، فالصحيح التفصيل كما سمعتم. قال: «ويجب ستر أحد المنكبين للرجل في فرض الصلاة دون نفلها». كذلك يقول: يجب ستر أحد المنكبين للرجل في فرض الصلاة دون نفلها، يعني النفل كأنه لا يجب. قال: «والصحيح في هذا أن ستر المنكب يستوي فيه الفرض والنفل، وأنه سنة من كمال السترة». بل الصحيح أنه واجب يجب، وكذلك يجب أن يكون على كلا المنكبين؛ لأنه جاء في حديث أبي هريرة: «لا يصلي أحد في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء». وقوله: «ليس على عاتقيه» يدل على الاثنين، ليس واحد. والنهي الأصل فيه للتحريم. وهكذا كذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من صلى في ثوب واحد أن يخالف بين طرفيه. ومخالفة بين طرفيه معناه ستر العاتقين، يعني مثلًا أنت عندك إزار طويل، ليس عندك رداء تستر به الكتف، فالإزار هكذا تجعله مثلًا على الأسفل من الخصر، ثم تأخذ طرفه الأيمن فترده إلى الكتف الأيسر من الأسفل، وتأخذ طرفه الأيسر وترده إلى الأيمن وتربطه ما خلف العنق، هكذا تربطه ما خلف العنق. هذا هو مخالفة طرفي الإزار. أن يخالف الرجل بين طرفي الإزار إذا لم يكن له إلا إزار واحد. فإن كان عنده إزار ورداء، فيجب عليه أن يستر الأسفل بالإزار والأعلى بالرداء. فإن لم يكن إلا ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه إن كان الثوب طويلًا. فإن كان الثوب قصيرًا، فيأخذ أحد الطرفين ويلفه حول عنقه كما فعل جابر بن عبد الله، يأخذ أحد الطرفين يلفه حول العنق. فإذا لفه على العنق، مر الثوب على العاتق الأيمن ومر على العاتق الأيسر، الأيسر والأيمن أو الأيمن والأيسر سواء، أخذ الطرف الأيمن أو الطرف الأيسر، فإنه يكون كذلك. فبهذا نعلم أن الصحيح يجب على المصلي أن يستر عاتقيه إذا صلى، سواء كان نافلة أو كان فرضًا. قال رحمه الله: «نعم، ومنها جواز النفل داخل الكعبة». طيب. قوله: «وأنه سنة من كمال السترة»، علمنا أن الصحيح أنه واجب، ليس سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى وأمر، والأصل في النهي للتحريم، والأمر للوجوب إلا لصارف، ولا يعلم صارف لذلك، إلا إن كان ضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات. قال: «ومنها جواز النفل داخل الكعبة دون الفرض». والصحيح جواز الصلاة في جوفها، الفرض والنفل. وهذا هو الأصل كما تقدم، أن الأصل استواء الفرض والنفل في ذلك. والدليل على ذلك ما مر معنا قريبًا في حديث ابن عمر، حين سأل بلالًا: أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأشار بلال إلى الموضع الذي صلى فيه النبي عليه الصلاة والسلام داخل الكعبة، فصلاته النافلة داخل الكعبة دليل على جواز الفريضة كذلك داخل الكعبة. لو قدر أن أحدًا صلى الفريضة داخل الكعبة، جازت صلاته وصحت؛ لأنه لم يرد حديث صحيح صريح يدل على المنع من الصلاة داخل الكعبة أو في جوف الكعبة. وما ورد من حديث بذلك من النهي عن الصلاة في سبعة مواضع، فهو حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث، لا يصح الاستدلال به. ذكر الآن على هذا خمسة فروق، وهناك فروق أخرى ومسائل أخرى كثيرة، لكنه أراد رحمه الله أن يشير إلى بعض الفروق بين نافلة الصلاة وبين فريضتها. وأراد بذلك أن يشير إلى أن بعض هذه الفروق فروق صحيحة، وبعضها فروق ضعيفة غير صحيحة. فما كان من الفروق الصحيحة عمل به، وما كان من الفروق الضعيفة فإنه لا يعمل به. قال رحمه الله تعالى: «ومن الفروق الضعيفة المنع من ائتمام المفترض بالمتنفل». المنع من ائتمام المفترض بالمتنفل، أي أن المفترض يصلي بالمتنفل أو العكس. قال: «والصحيح جوازه في الأمرين»، يعني المتنفل بالمفترض والعكس، المفترض بالمتنفل. قال: «لثبوته ثبوتًا لا شك فيه في قصة صلاة معاذ بأصحابه بعدما يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة، وغيره من الأحاديث». وقد صح ذلك من غير وجه. ففي قصة معاذ رضي الله تعالى عنه، كان يصلي بهم نافلة، وصلاته مع النبي عليه الصلاة والسلام فريضة، فهو متنفل يحصلون على صلاة نافلة، وصلاته مع النبي عليه الصلاة والسلام فريضة، فهو متنفل يصلي بمفترضين، فصحت، فدل ذلك على صحته. وهكذا العكس كذلك، فإنه ثبت أن يصلي المفترض بالمتنفل. وربما يستدل له بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من يطوع لهذا». فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يميز، ولم يأمر بأن يصلي المفترض أو يصلي المتنفل، فدل على استواء الأمرين وجواز الأمرين. وهذه الأحاديث الصحيحة. وهكذا كذلك من هذه الأحاديث قصة عمر بن سلمة، فإنه كان يصلي بقومه، وكان صغيرًا، وصلاته بالنسبة له -له وبالنسبة لهم- كانت له كالنفل؛ لأنه كان دون سن البلوغ، وصلاتهم فريضة، فهو يصلي بهم. فالمهم: أوجه ذلك كثيرة، وكلها يدل على جواز ذلك. فإذا جاز ذلك، فمن باب أولى اختلاف نية مفترض. فبعض الناس يخطئ ويظن أنه لا يجوز صلاة مفترض خلف مفترض مع اختلاف النية، مثل ما يفعل بعض العوام في بعض البلدان القريبة، يدخلون هنا يصلون عصرًا، وهنا يصلون ظهرًا في طريق السفر. وأعظم من ذلك وأقبح إذا كان من جمع التقديم في بعض البلاد، يصلون الظهر والعصر جمع تقديم، يعني إلى أنهم سيقدمون فيدخل الجماعة ظهرًا، ولا عصرًا، هذا ينادي: «ظهر ظهر»، تجتمع الجماعة إلى اليسار، وهنا: «عصر عصر»، جماعة إلى اليمين، وهكذا فيقعون في مخالفة أخرى، وهو وقوع جماعتين في وقت واحد، وهذا خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن الصحيح: تصح صلاة المفترض خلف المفترض، ولو اختلفت النية، هذا ظهر، وهذا عصر، لا بأس. لكن في الجمع الصحيح، كالمريض والمسافر، وما كان بمعناه من أوجه الجمع الصحيح. أما جمع غير صحيح، فلا تصلي خلفه؛ انتبه؛ لأن صلاته باطلة غير صحيحة. تأتي تصلي خلف من يصلي العصر في وقت الظهر، ويريد أن يجمع جمع تقديم، صلاته باطلة غير صحيحة. إن صليت خلفه فصلاتك باطلة، لا تصح؛ لأن الإمام صلاته باطلة غير صحيحة، فلا تصلي خلف صاحب جمع تقديم، ويصلي العصر بنية جمع التقديم، فصلاته باطلة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وأنت تصلي صلاة صحيحة؛ لأنك تجمع جمع سفر، فلا تصلي خلف هذا. طيب. قال رحمه الله تعالى: «والاختلاف المنهي عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه»، هو الاختلاف في الأفعال لا في النية». بدليل جواز أن يأتم المتنفل بالمفترض، قولًا واحدًا. يعني أن العلماء لم يختلفوا في إمامة المتنفل بالمفترض، فإذا كان كذلك، إمامة المتنفل أن يأتم المتنفل بالمفترض، يعني المتنفل خلف المفترض، الإمام هو المفترض، والمأموم هو المتنفل، يجوز، ويدل عليه ما جاء في الصحيحين في قصة الرجلين الذين اعتزلا الصلاة، فسألهما النبي عليه الصلاة والسلام. أجابا بأنهما صلى كل منهما في رحله -يعني في أهله- فأمرهما أن إذا حضرا الصلاة فليصلوا معهم، فإنها لهم نافلة. فدل ذلك على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض، والمفترض هو الإمام، وهذا لم يختلف فيه. فإذا صحت على هذا الوجه، صحت على الوجه الآخر الذي خالف فيه بعضهم للعلم الصحيح، جوازه للأدلة التي سمعت. فمعاذ صلى بقومه وهو متنفل، وقومه مفترضون. قال رحمه الله تعالى: «طيب، إن قال قائل: في صلاة معاذ التي صلاها الاستدلال به فيه نظر؛ لماذا؟ قالوا: لأن هذا لم يعلم به النبي عليه الصلاة والسلام، فيجاب بأن هذا ليس بصحيح، بل علم النبي عليه الصلاة والسلام». والدليل قصة الرجل الذي شكا معاذًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام معاذًا إذا صلى بقومه أن يرفق بهم. فإنه كان قد صلى بهم بسورة البقرة أو نحوها من السور الطوال، فأمره أن يصلي بالسور القصار: «سبح اسم ربك الأعلى، والضحى»، ونحوها من السور. والحديث له روايات وطرق. وقد أجاب شيخنا رحمه الله تعالى عن معنى هذه الشبهة التي قد يستدل بها مستدل. فأجاب بأنه ثبت أنه -أي النبي عليه الصلاة والسلام- علم بصلاة معاذ. ودل ذلك على إقراره على صلاته متنفلًا بقوم مفترضين. وثانيًا: بأن الله عز وجل علم ذلك، ولو كان ذلك مما لا يجوز لمنع. وكم من الأدلة التي استدل بها على جواز الأمر بفعلهم، مع نزول الوحي، كما قال جابر بن عبد الله في ذلك في مسألة العزل. قال رحمه الله تعالى: «قال: ومن الفروق الصحيحة تجويز قطع النفل لحضور الفرض». يقول: تجويز قطع النفل لحضور الفرض، وأنه لا يصح ابتداء نافلة بعد إقامة الفريضة، وأنه لا يجوز أن يشتغل بالنافلة إذا ضاق وقت الفريضة، ولا تقضى النوافل إذا كثرت الفوائض الفرائض، وما أشبه ذلك مما يعود إلى وجوب تقديم الفرض على النفل. طيب. وهذا كذلك فرق آخر من الفروق الصحيحة. يقول: تجويز قطع النفل لحضور الفرض، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». حديث أبي هريرة في صحيح مسلم وغيره. فدل ذلك على أن النفل تقطع لأجل الفرض، وأن الفرض أولى من النفل. ولهذا المعنى أدلة كثيرة من الكتاب والسنة على تقديم الفرض على النفل. فالفرض هو الأصل، والنفل ليس يعارض الفرض أبدًا. ثم قال: «وأنه لا يصح ابتداء نافلة بعد إقامة الفريضة». وهذا من باب أولى، إذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستمرار في الصلاة، فالابتداء من باب أولى. إذا نهى عن الاستمرار، فالابتداء من باب أولى. وهذا مأخوذ بالقياس الأولوي والاستدلال بعموم النص. ثم قال: «وأنه لا يجوز أن يشتغل بالنافلة إذا ضاق وقت الفريضة». يعني إذا علم أن وقت الفريضة يضيق، فلا يجوز له أن يشتغل بالنافلة، مثل أن ينشغل مثلًا بنافلة، ويعلم أن استمراره بالنافلة يفوت عليه بعض الفرض من صلاة الجماعة مثلًا، أو حتى أصل الصلاة، أصل وقت الصلاة. كرجل يريد أن يستمر في نافلته، ويعلم أن وقت صلاة العشاء ضيق مثلًا، رجل تنفل بين المغرب والعشاء، فأطال في تنفله بين المغرب والعشاء، حتى كاد يخرج وقت العشاء، هذا لا يجوز، بل يجب عليه والحال هذه أن يقطع النافلة ويؤدي الفريضة. كرجل وحده يصلي في بادية أو نحو ذلك، ليس عنده جماعة مثلًا. ثم قال رحمه الله: «ولا تقضى النوافل إذا كثرت الفوائض الفرائض». وهذا كله مبني على هذه القاعدة، فهي فروع مستنبطة من الدليل الوارد في هذا الباب الذي سمعناه، وحديث أبي هريرة. قال: «ولا تقضى النوافل إذا كثرت الفوائض الفرائض». يعني مثلًا رجل شق عليه أن يصلي الفرائض، إذ كثرت عليه، كرجل نام عن خمس صلوات مثلًا، فعليه مثلًا صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء. فصلاته لهذه الصلوات إذا مثلًا صلاها في آخر الليل، وهو يعلم أنه إما لا يستطيع أو الوقت يضيق عليه إذا صلى كل فريضة مع نافلتها، إما لا يستطيع، وإما أن يضيق عليه الوقت، فهنا نقول له: صل الفرائض أولًا، واترك النافلة، صل الفرائض أولًا، ثم إن شئت على صلاة النافلة فصلها، أو بقي لك سعة فصل النافلة، يعني لا تترك وقت الفرض الأخرى يأتي وأنت لم تصلي الفرائض، فصل الفرائض أولًا. قال: «ولا تقضى النوافل إذا كثرت الفوائض الفرائض». وليس معناه: لا تقضى أن يمنع، ولكن معناه أنه لا يكون سببًا في التضييق، وكذلك عدم الإحسان، وأداء الفرائض على الوجه الذي يجب. قال: «وما أشبه ذلك مما يعود إلى وجوب تقديم الفرض على النفل». يعني وما أشبه ذلك من المسائل الكثيرة التي فيها وجوب تقديم الفرض على النفل، على هذه القاعدة. والشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، والمتماثلات حكمها واحد. إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في النافلة: أنها لا تواصل لأجل الفريضة، فكل المسائل التي أشار إليها هي من باب أولى، كذلك هي من باب أولى. طيب. هنا تأتي مسألة يكثر السؤال عنها، وهو أن بعض الناس يكون في النافلة، ويجد الإمام أو المؤذن يقيم الصلاة، فبعضهم يقول: هل أستمر أو أقطع الصلاة أو ماذا أصنع؟ وما هو الضابط الذي يلزمني بقطع الصلاة؟ سمعنا ربما قال: يقول بعض الناس: سمعنا أنه إذا كان في الركعة الأولى لا يقطع أو يقطع، وإذا كان في الثانية لا يقطع. والجواب الصحيح: أنه ينبغي عليه أن يعرف أنه يدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام. فإن كان يعلم أنه سيدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، فإنه يستمر فيما بقي عليه من صلاته. وإن كان يعلم أنه لا يدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، فيجب عليه أن يقطع الصلاة إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة؛ لماذا؟ تكبيرة الإحرام. الجواب: لأن تكبيرة الإحرام هو أول الواجب بدخول الإمام في الصلاة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها الحجة التي بها يستحق المتخلفون عن صلاة الجماعة العقاب. فقال: «هممت أن آمر رجالًا أن يأتون بحزم من حطب، وآمر بالصلاة أن تقام، ورجل يصلي بالناس، ثم أتخلف إلى أقوام تخلفوا عن هذه الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم». فاستدل بهذا العلماء أن حكم التخلف يقع من تكبيرة الإحرام، من تكبيرة الإحرام إلى آخر الصلاة. فإذا لابد على الإنسان أن يحرص على إدراك تكبيرة الإحرام، فهو أول الواجب في الصلاة. فإذا كان يريد أن يدركها، فخفف من صلاته. هل هذا يجوز؟ بعض الناس يسأل: يقول: أنا صلاتي ليست بداخل خفة، لكن لأجل أن أدرك الصلاة مع الإمام، ربما إذا اختصرت الصلاة خففت، استطعت أن أدرك تكبيرة الإحرام، هل يجوز لي أن أخفف؟ الجواب: يجوز أن تخفف بما لا يخرجك عن أداء الواجب في الصلاة، مثلًا أنت تسبح تسع تسبيحات، لا بأس أن تسبح ثلاث تسبيحات. أنت تقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ربما طويلة، اقرأ ولو آية واحدة، وهكذا كذلك تختصر، تختصر في الصلاة. ويدل عليه أمر النبي عليه الصلاة والسلام للمصلي الذي يصلي والإمام يخطب، أن يتجوز في صلاته، أن يختصر فيها. فدل ذلك على صحة هذا الأصل، واستخدامه في الحاجة إليه، كالخطبة، وهكذا كذلك كصلاة الفريضة، أو كذلك مجلس العلم. طيب. نكتب بهذا القدر، ونكمل في درس لاحق. والله تعالى أعلم. هذا سؤال يسأل: يقول: ما الدليل على أن الأكل والشرب يبطل الصلاة؟ الدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام في صهيب مسلم، حديث معاوية بن الحكم السلمي: «أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من أمر الناس، إنما هي التسبيح، والذكر، والقراءة». فدل على أن ما هو من حاجات الناس فلا يصلح. إذا الكلام لا يصلح، من باب أولى الأكل والشرب. والله تعالى أعلم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.