الدرس في القواعد والأصول الجامعة 81، الدرس الحادي والثمانون : من : ( القاعدة الثالثة والأربعون ... لأنه يدعي خلاف الأصل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ قاعدة فقهية حول عدم قبول قول من قبض عينًا لحظ نفسه في الرد إلا ببينة، مستدلًا بعموم أدلة أداء الحقوق وبالدليل الخاص بقول النبي «البيّنة على المدّعي». هذه القاعدة تنطبق على حالات العارية.
إذا ادعى شخص الرد، فإن القول قوله إذا لم يكن هناك بينة، لأنه يعتبر محسنًا. بينما من يقبض الأمانة أو الوديعة لحظ نفسه، فيلزمه إثبات ردها بالبينة، لأن الأصل بقاء العين عنده.
المحسن الذي يقبل الوديعة أو الوكالة أو الوصاية بغير عوض لا يُسأل عنها إلا بالبينة، بينما من يقبضها بعوض أو لحض نفسه، يلزمه إثبات ردها. الأمانة تبقى على أصلها ما لم يثبت العكس بالبينة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، القاعدة الثالثة والأربعون، قال: من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة، فإن قبضها لحظ مالكها قبل. وهذه القاعدة قاعدة صغرى، وهكذا كذلك أشبه ما تكون بالتقاسيم الفروق، أو كذلك بالضابط، فهي كالضابط في مسألة القبض. فقال رحمه الله تعالى: من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد -يعني في ادعاء الرد- إلا ببينة، لعموم الأدلة أولًا بأداء الحقوق، ولأن أصل الحقوق بين الناس على المشاحة، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. وهكذا كذلك للدليل الخاص في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «البيّنة على المدّعي»، فهذا مدّعي أنه رد، والأصل كما مر معنا في القواعد الماضية بقاء ما كان على ما كان. فإذا كان هو مقرًا بأن هذه العين أو هذه العين كانت معه -سواء أمانة، وديعة، عارية، بأي صورة من الصور ثبتت عنده- وكانت هذه الصور عفوًا أمانة، لا إنما لحظ نفسه، هو الآن فرق بين لحظ نفسه ولحظ مالكها. فنخص الصور التي لحظ نفسه مثل العارية وما كان بمعناها، فهو أثبت الأخذ، فيبقى الآن الرد، لا بد له من بينه، والأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا ادعى أنه رد ولا بينة فلا يقبل قوله. من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة، البينة على المدعي كما مر معنا. قال: فإن قبضها لحظ مالكها قبل، هو ما يريد يقبضها، لكن المالك أعطاه إياها، قال له: أنا سأسافر، سأضع عندك هذا الشيء أمانة، أريدك أن تحفظ هذا الشيء عندك حتى أرجع، إذن هو قبضها لانتفاع مالكها بهذا القبض. فهنا إذا ادعى أنه ردها ولا بينة، فالقول قول هذا المدعي الذي ادعى أنه ردها؛ لأنه محسن، والمحسن لا يغرم، والله يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. فإذا كان كذلك، فهنا قد يقول: قال لماذا فرقتم بين هذا وذاك؟ يقول: فرقنا لأن هذا الرجل وضع هذا المال بطيب نفس منه، فما دام أنه وضعه بطيب نفس منه، وكذلك هذا الرجل محل أمانة وثقة، فالأصل بقاء الأمانة والثقة، هذا الفرق. الأصل بقاء الأمانة والثقة، وذلك يقتضي ماذا؟ قبول قوله، أن قوله يقبل، فلهذا قال العلماء بالتفريق، فإذا كان لحظ نفسه فلابد من البينة، وإذا كان لحظ مالكها فلا يلزم البينة، ويكفي ادعاءه. قال رحمه الله تعالى: وذلك لأنه إذا قبضها لحظ مالكها فهو محسن محض، وما على المحسنين من سبيل، ولكن يقيد ذلك إذا ادعى رده للذي ائتمنه إذا ادعى الرد، أما إذا قال: أنا نسيت، ما أدري هل رددتها أو لم أردها؟ فهنا ما تبرأ ذمته حتى يتذكر ويجزم أنه ردها. فإن نسي أو ما ادعى الرد، لكن ضاعت عليه، فهنا نرجع إلى مسألة سابقة ومرت معنا: أنه إن كان مفرطًا فيضمن، وإن كان غير مفرط فكذلك لا يضمن، ما على المحسنين من سبيل. قال رحمه الله تعالى: فالمودع والوكيل والوصي وناظر الوقف وولي اليتيم إذا كان ذلك منهم بغير عوض إذا ادعى الرد قبل قولهم. المودع التي تودع عنده الوديعة هذا محسن، هو ما يريد أحد يضع عنده شيء، لكن لإحسانه لهذا الإنسان قبل منه الوديعة، والوكيل الذي هو وكيل بغير مقابل، هو ما يريد أن يتوكل أعمال أحد، لكن من إحسانه رضي بقبول هذه الوكالة، والوصي كذلك، ما يريد أن يتحمل وصية أحد، لكن من إحسانه تحمل هذه الوصية، وهكذا ناظر الوقف والولي على اليتيم. إذا كان ذلك منهم بغير عوض -انظر هذا الشرط- فإذا كان بعوض فهو لحض نفسه، فلابد من البينة، وإذا كان بغير عوض فهو إحسان، والقاعدة ما على المحسنين من سبيل. قال رحمه الله: إذا الدعوى الرد قبل قولهم للأصل الذي سبق أن الأصل بقاء ثبوت الأمانة، وكذلك الصدق فيهم، فإذا قالوا أنهم ردوا فالأصل ذلك. وأما من قبض العين لحض نفسه كالمرتهن والأجير، المرتهن يقبض الشيء لأجل المنفعة، فيضع الرهن لأجل أن يثبت الدين، وهكذا الأجير إذا قبض شيء بإيجارة كرجل أخذ بيت أو سيارة أو نحو ذلك. قال: ومنهم المذكورون إذا كانوا بعوض -يعني صاحب الوديعة إنسان ما يقبل وديعة إلا بعوض- فجئت وقال: ضاع علي أو رددته لك، تقول: هات البينة أنك رددته لي، فإن لم يكن فلا يقبل. مثل مثلا بعض المحلات الجنابي الذي تقبض الجنابي عند المستشفيات أو كذلك تقبل وديعة السلاح في الحدود أو نحو ذلك، فهذا بينك وبينه توثقة، وهو سند القبض، فإذا لم يثبت أنك قد قبضت منه ذلك بما كان من مكتب هذا السند، فالأصل ثبوته عليه؛ لأنه ليس محسنًا وإنما هو يأخذ ذلك لمصلحة نفسه. بخلاف رجل في الطريق وضعت عنده هذا الشيء ثم جئت وقلت: أين حقي؟ قال: رددته لك، فلا تستطيع أن تطالبه بشيء إلا إذا أتيت أنت ببينة. قال رحمه الله تعالى: لأنهم يكونون أجراء، فإذا ادعى أحد من هؤلاء -يعني من صاحب الرهن أو كذلك الإجارة أو الوديعة أو الوكالة أو الوصية أو ناظر الوقف أو ولي اليتيم- وكلهم إذا كانوا بعوض، فإذا ادعى أحد من هؤلاء الرد لم يقبل قوله إلا ببينة. للحديث «البيّنة على المدّعي»، وهذا الأصل، واليمين على من أنكر، قال: لأنه يدعي خلاف الأصل، والأصل هو بقاء هذه العين عنده، وخرجنا عن هذا الأصل في حق المحسن لما سبق لبقاء أصل الصدق والأمانة.