كتاب الجنائز 16

كتاب الجنائز 16

الدرس في كتاب الجنائز 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

كيفية زيارة القبور وضوابطها

يشرح الشيخ كيفية زيارة القبور الشرعية ويبين ضوابطها، ويحذر من التعظيم المفرط للقبور. الزيارة تكون مشروعة إذا كانت بالكيفية المأذون فيها وبين الأقارب.

حكم استقبال القبلة عند الدعاء

يجب استقبال القبلة عند الدعاء عند القبور ولا يجوز استقبال القبر، لما في ذلك من مشابهة الصلاة إلى القبور ولأن الدعاء عبادة لا تصرف إلا لله وحده.

أهمية الاعتناء بمقصد الدعاء عند قبر النبي

نهى الحسن والحسين رجلاً عن الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أهمية الاعتناء بمقصد الدعاء بشكل صحيح وفقاً للسنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، كان آخر ما أخذناه فيما ذكره الشوكاني رحمه الله تعالى مشروعية زيارة القبور، وقلنا أن فيه مباحث؛ أخذنا المبحث الأول: التفصيل في زيارتها، والمبحث الثاني: في زيارة النساء، والمبحث الثالث: وهو في كيفية زيارة هذه القبور. فإن زيارة القبور مشروعة، لكن بالكيفية الشرعية المأذون فيها، فما لم يكن على الكيفية الشرعية المأذون فيها فإنها ممنوعة، حتى لا يقول قائل: قد قال العلماء زيارة القبور مشروعة، فلماذا تمنعون من زيارة القبور؟ يقال: قال العلماء زيارة القبور مشروعة ما لم تكن على الكيفية الغير مأذون فيها. مثاله: أن يشد الرحل بالسفر، فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يشد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد، كما في حديث أبي سعيد، كما مر معنا وغيره. ومثاله كذلك: أن تتخذ هذه القبور عيدا، يعني يتكرر في زيارتها إما يوم في الأسبوع أو يوم في السنة أو يوم في الشهر، فإن هذا من اتخاذها عيدا، كما بين ذلك العلماء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه دعا أن لا يتخذ قبره عيدا: «اللهم لا تجعل قبري عيدا»، والعيد هو هذا المعنى، كما بسطه شيخ الإسلام وغيره. وهكذا كذلك من ذلك تعظيمها بأي وسيلة من وسائل التعظيم، فإن الأدلة الشرعية دلت على أن القبور قد قطعت الوسائل والذرائع المفضية للإفتتان بها، فإذا علم ذلك علم أن روح الشريعة تقتضي إغلاق كل الوسائل والذرائع المفضية للإفتتان بالقبور، فإذا حصل أمر زيارة القبور على كيفية ومعنى فيه الإفتتان بها، فإن ذلك مما لا يجوز شرعا. فمن ذلك مثلا أن تعظم باجتماع، أن يزورها الناس على صفة وكيفية جماعية، هذا مما يحصل الإفتتان بها، ولو لم يكن سفر؛ لأن هذا مما يقع فيه الإفتتان بها. ومن ذلك أن يعلم أن هذا القبر يزوره بعض الناس يزوره بعض الناس لا للزيارة الشرعية، ولكن للزيارة الشركية، عند ذلك يمنع من زيارة هذا القبر، كما سبق في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما حذرهم وقال: «لعنة الله على يهود النصارى اتخذوا قبور أنبياء مساجد»، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره -يعني لأخرج قبره إلى الناس وصار مع الناس- لكن استجابة، وكذلك سدا لهذه الفتنة قبروه عليه الصلاة والسلام في حجرته، وهو أحد السببين الذي لأجله قبر في حجرته عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك كذلك أن يكون في زيارتها كذلك شيء من معاني التعظيم، كأن يزار ويوضع له الزيت أو يؤتى له بالسرج أو يبخر، أو كذلك يظن أن قراءة القرآن أو فعل الطاعة أو الدعاء عنده فيه فضيلة، كل هذا من البدع ووسائل الشرك إن لم تكن من الشرك، وهذا بحسب حال هذا الزائر، فلهذا وجب الاحتياط الشديد في أمر زيارة القبور، والتفريق بين الزيارة المشروعة والزيارة الممنوعة. والغالب أن الزيارة المشروعة تكون بين الأقرباء بعضهم لبعض، وأما زيارة الصالحين والعلماء والأنبياء وغير ذلك، فالغالب أنها من جنس الزيارة الممنوعة؛ لما في ذلك من تعلق هذا الزائر بهذا المزور تعلقا فيه معنى من معاني التعظيم التي ينبغي أن تسد. ولهذا ذكر غير واحد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام -وهو إمام من أئمة المحققين- أنه لم يثبت عن الصحابة على كثرتهم وشدة حبهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم كانوا يدخلون لزيارة حجرته عليه الصلاة والسلام، مع أن أدلة مشروعية الزيارة كثيرة، ولم يثبت في حديث واحد قط أن الصحابة كانوا يأتون فيزورون قبر النبي عليه الصلاة والسلام ويدخلون حجرته. فإن دل ذلك على شيء، دل على استجابتهم وعملهم بذلكم المعنى المقصود المطلوب شرعا، وهو سد الذرائع المفضية والموصلة إلى الافتتان بالقبر. قال رحمه الله تعالى: كذلك ويقف الزائر مستقبلا للقبلة. وهذه هي المسألة الثامنة والتاسعة من مسائل هذا الفصل: أن الزائر إذا زار القبر فلا يستقبل القبر، ولكن يستقبل القبلة. وهذه مسألة لا ينتبه لها الكثير من الناس، إذا زرت القبر وأردت أن تدعو للميت أو تدعو لنفسك فلا تستقبل القبر، ولكن استقبل القبلة، استقبل القبلة. ولهذا أدلة عامة وخاصة، من الأدلة العامة ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من النهي أن يصلى إلى القبور، وأن يجلس عليها، كحديث أبي مرثد الغنوي وغيرها من الأحاديث الأخرى. فإن هذه الأحاديث تدل على عدم جواز الصلاة إلى جهة القبور، والدعاء نوع من الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام حين دعا لأبي أوفى، فإنه سمى الدعاء صلاة. وهكذا كذلك أن الدعاء عبادة، فإذا كانت عبادة فلا يجوز أن تصرف إلا لله جل وعلا وحده، باللفظ وبالفعل. ولأنه ثالثا: يفضي إلى الافتتان بهذا القبر، خصوصا إذا كان هذا القبر قبر صالح من الصالحين، فإن التوجه إليه بالدعاء سبب للافتتان به. وكذلك رابعا من هذه الأمور المؤيدة: ما ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما أشار إليه المؤلف في الشرح، في حديث البراء الذي رواه أبو داود وغيره، وهو حديث البراء الطويل المشهور، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما وضعوا الجنازة جلس واستقبل القبلة، استقبل القبلة ولم يستقبل القبر؛ عليه الصلاة والسلام، فأفاد ذلك هذا المعنى. وهكذا كذلك خامسا: أن فهم السلف وتطبيق الأئمة لهذه المسألة يدل على هذا المعنى، وهذا المقصد الذي ينبغي أن ينتبه له المسلم، وذلك أنه نقل غير واحد من أهل العلم، ومنهم الإمام المحقق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن قول الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم: أن الرجل إذا زار قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -أي الحجرة- لا يستقبل القبر بالدعاء، بل إذا دعا فإنه يستقبل القبلة ولا يستقبل القبر. هذا في قول من روي عنه أنه يجوز له الوقوف والدعاء، وعلى أن بعض أهل العلم -وهذا هو الصواب- وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه: أن قبور الصالحين ومن يظن الافتتان بهم، الصحيح أنه لا يجوز الوقوف للدعاء عندها ولو دعي له؛ لأن هذا من أسباب اتخاذها عيدا. وقد صح عن الحسن حفيد علي رضي الله عنه، والحسين أنهما نهيا رجلا وقف يدعو عند قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فدل ذلك على وجوب الاعتناء والاهتمام بهذا المقصد. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونكمل في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.