الدرس في كتاب الصيام 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع أحكام صيام التطوع في العشر من ذي الحجة والمحرم، وأوضح استحباب صيام المحرم ويوم عاشوراء. كما تطرق إلى أحكام صيام التطوع في شهر شعبان والأيام البيض والاثنين والخميس.
يتناول المقطع أفضل صيغ صيام التطوع وهو صوم يوم وإفطار يوم، ويشير إلى النهي عن صيام الدهر لما فيه من المشقة على النفس وأهلها.
يُحرم صيام الدهر ويكره صيام يوم الجمعة منفردا، بينما لا شيء في صيام يوم السبت منفردا. كما ينصح بعدم الاستماع للشيطان الذي يثبط العزيمة عن الطاعات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من أحكام صيام التطوع، وأخذنا مجموعة من الأحكام في صيام الست من شوال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وتسع ذي الحجة. كذلك من صيام التطوع الذي ذكره رحمه الله صيام تسع من ذي الحجة، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. وقد استدل رحمه الله على ذلك بما جاء عند النسائي وغيره من حديث حفصة: «أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صيام عشراء والعشر -يعني عشر ذي الحجة- وثلاثة أيام من كل شهر». وهذا الحديث الصحيح فيه ضعف، ففي إسناده أبو إسحاق الأشجعي وهو مجهول، وفي إسناده اختلاف، فاختلف فيه عن هنيدة؛ فإنه رواه عن امرأة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه عن حفصة، ورواه عن أبيه عن أم سلمة، وفي رواية عن أمه عن أم سلمة. ولهذا أعله غير واحد من أهل العلم، وضعفه بذلك؛ وذلك لأن الحديث إذا اتحد مخرجه وكثر الاضطراب فيه دل على ضعف فيه. ثم عورض بما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يصوم العشر، قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط -يعني لم يكن يصومها-. قال بعض أهل العلم: عدم العلم ليس نفيا لثبوته من وجه آخر، أو بعبارة: عدم النقل ليس نقلا للعدم. والجواب على هذا أن هذا صحيح لو ثبت بحديث صحيح صريح أنه عليه الصلاة والسلام صامه، أو حتى على صيامه -يعني على وجه الخصوص-. وما دام أنه لم يثبت، وثبت خلافه مما سمعنا، فإذن لا نقول: إنه يستحب صيام العشر أو صيام التسع؛ لأنه اليوم العاشر، ويوم العيد لا يقال: إنه يستحب صيام التسع. فإن قيل: ماذا نصنع بحديث ابن عباس في أن الاستكثار من الأعمال الصالحة في هذه الأيام مطلوبة؟ فليس شيء أفضل من العمل الصالح في هذه الأيام، ولا الجهاد في سبيل الله. فالجواب: أن هذا على وجه العموم. نعم، أحيانا لو صام الإنسان بعض الأيام لا بأس. أما أن يخصها باستمرار وصيام دائم، فهذا لم يثبت. والمداومة على الشيء تحتاج إلى دليل، ولم يثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام لا من قوله ولا من فعله. فلو أن إنسانا صام أحيانا، قال: أصوم الاثنين والخميس في التسع، أو أصوم ما تيسر من التسع في هذه السنة، نقول: إن شاء الله لا بأس. لكن المداومة على ذلك في كل سنة يصوم التسع، هذا هو الذي يخشى أن يكون خرج به عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، وخالف السنة. خير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام في الفعل وفي الترك. ولهذا كان الصواب أنه ليس صيام التسع من المستحبات المنصوص عليها، لكن يدخل في العموم أحيانا. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: ومحرم وشعبان كذلك. من أنواع التطوع الذي ذكره صيام شهر الله المحرم، ودليله ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ قال: «شهر الله المحرم». وآكد ما في شهر الله المحرم هو يوم عاشوراء، كما أشار إليه رحمه الله بالشرح. أما صيام شهر الله المحرم فيقال فيه كذلك، ليس معناه صيام الشهر كاملا، لكن يصوم ما تيسر منه، فيستحب الصيام فيه؛ لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، وليس على وجه الاستمرار، وهكذا كذلك أو إكمال الشهر كاملا؛ لأنه لم يثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام حتى على صيام شهر كامل، ولا أمر بصيام شهر كامل كما سيأتي معنا إن شاء الله في حديث عائشة، وهكذا معناه في حديث أم سلمة. وأما صيام يوم عاشوراء فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام الحث على صيامه بأحاديث كثيرة. وقد أشار رحمه الله في الشرح إلى هذه الأحاديث على وجه الإجمال، وأنه جاء عن عدد من الصحابة. ومن هؤلاء الصحابة ما جاء عن ابن عمر في الصحيح، وجاء عن عائشة في الصحيحين، وابن عباس، وأبي موسى، والربيع بنت معوذ، وسلم بن الأكوع، وجماعة من الصحابة في الصحيحين في فضل صيام يوم عاشوراء، وهكذا في أنه يكفر السنة الماضية. وقد اختلف بعض أهل العلم فيه؛ لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بصيامه، ثم لما فرض رمضان لم يأمر بصيامه. ولهذا روي عن عبد الله بن عمر أنه كان لا يصومه إلا أن يوافق صومه -لا يصوم يوم عاشوراء إلا أن يوافق صومه- كما جاء في البخاري، ومعناه في صحيح مسلم. وهكذا ما روي عن عبيد الله أنه دخل على الأشعث يوم عاشوراء وهو يأكل، فسأله فأخبره: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمر بصيامه، ثم لما فرض رمضان لم يأمر بصيامه. وهل يفيد أو تفيد هذه الآثار عدم استحباب صيام عاشوراء؟ الجواب: هكذا فهم بعض أهل العلم. والصحيح أنهم أرادوا -رحمهم الله ورضي الله عنهم- بيان أنه لا يجب صيام يوم عاشوراء، وأن الاستحباب وإن كان باقيا، لكنه ليس على وجه الوجوب؛ لأنه في أول الأمر أمروا -أمر إيجاب- بصيام يوم عاشوراء قبل فرض صيام رمضان، وبعد أن فرض صيام رمضان لم يؤمروا -لم يؤمروا بالصيام- يعني بصيام عاشوراء. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام -كما أشار رحمه الله في الشرح-: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء فليفطر». فقوله: «وأنا صائم» -وهذا بعض ألفاظ صحيح مسلم- «وأنا صائم» دليل على استحباب صيامه. وقوله: «فمن شاء صام ومن شاء فليفطر» إشارة إلى نسخ الأمر بصيامه -إشارة إلى نسخ الأمر بصيامه- وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. والله تعالى أعلم. ثم قال رحمه الله: وشعبان -يعني وصيام شهر شعبان- وذلك لما جاء بالصحيحين -كما أشار بالشرح- من حديث عائشة: «ما كان يصوم أي النبي عليه الصلاة والسلام في شهر -ما كان يصوم في شعبان- كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله -يعني كاد-». وليس معناه تحقق الصيام الشهر كاملا، ولكن معناه كاد أن يصومه كله. وهل معناه المداومة على ذلك؟ الظاهر -والله تعالى أعلم- أنه كان كثيرا يفعل ذلك، ولكن لا يداوم، وإنما كان كثيرا؛ بقولها: «كان يصوم» -«كان يصوم» تفيد الكثرة- من معانيها الكثرة، كثرة وقوع ذلك. والحديث في الصحيحين، فدل على أن من الأشهر التي يستحب إكثار الصيام فيها شهر شعبان؛ لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وسيأتي معنا أن هذا إذا كان على هذا الوجه. وأما أن يختار من شعبان ما قبل رمضان فلا. قال رحمه الله تعالى: والاثنين والخميس كذلك. من الأيام التي يستحب صيامها صيام الاثنين والخميس، وقد ثبتت في ذلك أحاديث كثيرة. ومنها ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة: سئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه». وهكذا جاء كذلك في حديث عائشة: أنه كان يصوم الاثنين والخميس عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أبي هريرة كذلك: «أن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس، وأنه كان يحب أن يعرض عمله عليه الصلاة والسلام وهو صائم». وهذه الأحاديث من الأحاديث الصحيحة، وغيرها كثير في فضل صيام الاثنين والخميس، فيستحب صيام الاثنين والخميس بهذه الأحاديث. وهكذا كذلك صيام الأيام البيض، قال رحمه الله: وأيام البيض. والمراد الأيام البيض: ثلاث عشر، وأربع عشر، وخمسة عشر، سميت بذلك لشدة بياض ليلها باكتمال البدر فيها -أي اكتمال القمر- وسميت بيض لذلك. الأيام البيض أمر النبي عليه الصلاة والسلام -أمر حث واستحباب- على صيامه؛ ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين، قال له عليه الصلاة والسلام: «صم ثلاثا من كل شهر، هن صيام الدهر». ويفسره ما جاء في حديث أبي ذر كذلك: «ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله». وهكذا جاء في حديث أبي قتادة: أنه قال: «إذا صمت من الشهر فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر». وهذه الأحاديث تدل على معنيين: المعنى الأول: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر مطلقا. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصوم من كل عشر يوم، وصح عنه الحث على صيام الثلاثة البيض. وحديث الثلاثة البيض -وإن كان بعضها للعلماء ضعف بعض ألفاظه- إلا أن أصله -إن شاء الله- بالأحاديث الأخرى ثابت. فيكون كما قلنا: صيام ثلاثة أيام من كل شهر على أحد معنيين: من تيسر له أن يصوم الثلاثة البيض فذاك أفضل، ومن لم يتيسر له صيام الثلاثة البيض فلا يمنع نفسه من أجر صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فيصوم من العشر الأولى يوم، ومن العشر الثانية يوم، ومن العشر الثالثة يوم. وهذه كيفية أخرى صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصوم بها، فهما كيفيتان. وإن لم يتيسر أبدا يصوم ثلاثة أيام من الشهر في أي موضع كانت، حتى لو صام الاثنين والخميس أغناه ذلك عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر. فإن نوى هذه النية دخل صيام هذين الأمرين في فعل واحد: يصوم الاثنين والخميس، وبنية كذلك صيام ثلاثة من كل شهر، فيجزيه ذلك إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم -يعني أفضل الصيام أن يصوم يوم ويفطر يوم- كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: تدرج معه النبي عليه الصلاة والسلام. وكان عبد الله بن عمرو يصوم الدهر -يصوم كل الأيام- فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يرفق بنفسه، وأن لنفسه عليه حقا، ولأهله عليه حقا، فأمره أن يصاء أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر -هن صيام الدهر- قال: «يا رسول الله، إني أطيق أفضل من ذلك». قال: «صوم الاثنين والخميس». قال: «إني أطيق أفضل من ذلك». قال: «صوم يوما وافطر يومين». قال: «إني أطيق أفضل من ذلك». قال: «صوم يوما وافطر يوما، فإنه صيام نبي الله داود، وكان أعبد الناس». قال: «يا رسول الله، إني أطيق أفضل من ذلك». قال: «لا أفضل من ذلك». فعلم أن هذا تدريج الصيام: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأفضل منه صيام الاثنين والخميس، وأفضل منه أن يصوم يوم ويفطر يومين، وأفضل منه أن يصوم يوم ويفطر يوم. ولا شيء أفضل من ذلك. من زاد على هذا فقد خرج عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة، ومن حديث أنس كذلك: «أن ثلاثة نفر جاءوا، فسألوا عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، فكأنهم تقالوها -يعني وجدوها قليلة- فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر -يعني أستمر في الصيام- فقام النبي عليه الصلاة والسلام، وأبان أن هذا الفعل خطأ، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني أتقاكم لله، وأخشاكم له» الحديث، ثم ذكر فيه، قال: «وأصوم وأفطر، وأصوم وأفطر، وذكر فيه: وأتزوج النساء، وأقوم وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فعلم أن الزيادة عن ذلك خروج عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا صح عنه عليه الصلاة والسلام النهي عن صيام الدهر، وهو الوارد في الحديث الذي أو في الأمر الذي بعده، قال: «ويكره صوم الدهر». يكره صوم الدهر، والمراد بصيام الدهر: أي الاستمرار بالصيام كما فعل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وكما فعل أحد أولئك الثلاثة. ولهذا صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا صام من صام الأبد» -كررها مرتين عليه الصلاة والسلام- «لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد». رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام من صيام الدهر، وحذر من ذلك. وهكذا كذلك بيّن أنه خروج عن سنته عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة المتقدم، وحديث أنس في النفر الثلاثة: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». إذن لا يجوز -ليس فقط مكروه- بل يحرم على القول الصحيح صيام الدهر، يحرم صيام الدهر ولا يجوز؛ لأن في ذلك إضرارا بالنفس، تضر بحق نفسك، وبحق أهلك، وأولادك. وهكذا كذلك حتى في حق الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله جل وعلا جعل عليك حقوقا، وهذه الحقوق تؤدى بأن تعتدل في صيامك، وفي إفطارك. وأقصى الاعتدال: صيام يوم وإفطار يوم. فإذا زدت على ذلك انتقلت إلى رهبانية ما شرعها ولا أذن الله بها لك. وهذا مما نهينا عنه، وهذا مما نهينا عنه. قال رحمه الله تعالى: وإفراد يوم الجمعة. ويوم السبت. وإفراد يوم الجمعة ويوم السبت -يعني لا يجوز أن يفرد يوم الجمعة، ويوم السبت- أما يوم الجمعة فلما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «لا تصوم يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده». وفي رواية مسلم: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام، ولا صيام، وجاء في لفظ: بقيام بين الليالي، ولا تخصوه بصيام من بين الأيام إلا أن يكون صوما يصومه أحدكم». وهكذا صح: أنه رأى بعض أزواجه صائمة، فسألها: هل صامت قبله؟ قالت: لا، هل تصومين بعده؟ قالت: لا، فأمرها بالإفطار. فإذا يكره صيام يوم الجمعة منفردا، يكره صيام يوم الجمعة منفردا إلا أن يوافق صوم أحدكم -كما جاء في رواية صحيح مسلم- «إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» مثاله: إنسان تعود يصوم يوم ويفطر يوم، سيأتي عليه أسبوع يصوم يوم الجمعة، وأسبوع يصوم يوم الخميس، فإذا جاء الأسبوع الذي يصوم يوم الجمعة سيكون قبله مفطرا، وبعده مفطرا، فلا بأس في ذلك؛ لأنه لم يخصه بصيام، وإنما صامه في صوم كان يصومه. وهكذا من صام يوما وأفطر يومين سيأتي عليه يوم يصوم يوم الجمعة، وقبله بيومين مفطرا، وبعده بيومين مفطرا، فهذا لا بأس عليه. طيب إن وافق ذلك صيام النذر، فهل يصوم؟ الجواب: إن خص النذر يوم الجمعة فلا يصوم؛ لأنه خص الجمعة في الصيام. وإن كان صيام النذر وافق عملا معينا، ووافق ذاك العمل يوم الجمعة فلا شيء في ذلك؛ لأنه لم يتعمد صيام يوم الجمعة -لم يتعمد صيام يوم الجمعة-. على هذا المعنى: «إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» -يعني ليس لتخصيص يوم الجمعة- وفي هذا إشارة إلى أن العبادات توقيفية، ولا يجوز للإنسان أن يخص يوما بعبادة من دون دليل شرعي. وفيه دليل كذلك إلى عدم الغلو في الأيام، وهكذا كذلك الأماكن وغيرها؛ لأن يوم الجمعة يوم عيد، حتى لا يغلى فيه، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخص بصيام أو بقيام؛ لأن هذا من طريقة أهل البدع: تخصيص الأيام بعض الزمان أو بعض المكان بشيء من العبادات. وليس هذا في طريقة أهل الإسلام، بل جاء الإسلام للنهي عن ذلك. وأما كراهية إفراد السبت بصوم، أشار رحمه الله إلى حديث صماء بنت بشر وفيه: «لا تصوم يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه». والصحيح أن هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد علله الحفاظ بعلل قد ذكرها الدارقطني رحمه الله: أنه عُرِض بأحاديث -يعني صح فيها صيام يوم السبت- وهكذا كذلك أعل بالإضطراب -كما أشار إلى ذلك الزيلعي في نصب الراية، ونقل تضعيف الحفاظ لهذا الحديث- فإنه روي من طرق فيها اضطراب، ومخرجه واحد. وكما قلنا قبل قليل: إذا كان الحديث مخرجه واحد، وحصل فيه اضطراب دل ذلك على ضعف فيه. فإذا كان كذلك، فإذن لا شيء في صيام يوم السبت، خصوصا إذا وافق صياما يصومه أحدنا. ولذلك يلزم من يقول بهذا الحديث: أنه لا يصام يوم السبت ولو وافق صيام الإنسان. فمن صام يوما وأفطر يوما -معناه- إذا جاء يوم السبت سيخلف العدة -لا يصوم يوم السبت- لأنه قال: «لا يصام يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» -معناه- لا يجوز أن يصام يوم السبت إذا وافق الثلاث البيض، ولا يجوز أن يصام يوم السبت إذا وافق كذلك يوم عاشوراء، ولا يجوز صيام يوم السبت إذا وافق كذلك تاسع، ولا يجوز صيام يوم السبت إذا كان كذلك في صيام الرجل يوم وإفطار يوم، وغير ذلك. وهذا ليس بصحيح؛ فالأدلة الكثيرة تعارضه. فإن النهي عن صيام يوم الجمعة أصح من النهي عن صيام يوم السبت، ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». فكيف يقال في السبت: «أنه لا يصام إلا فيما افترض»؟ فهذا يدل على ضعفه. طيب نكتفي بهذا. وقبل الانتهاء ننبه إلى أن صيام التطوع الذي ورد وأشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى: هذا فيما لا يعارض ما هو أولى وأصلح منه. فإن عارض ما هو أولى وأصلح منه، فإن المفضول قد يحتف به ما يجعله أفضل. وذلك كأن يكون الإنسان مثلا: طالب علم، وصيامه يضعف عن العلم، فإذا كان كذلك أيهما أفضل: الاجتهاد في طلب العلم، والصيام؟ الجواب: الاجتهاد في طلب العلم. وليس معنى هذا أن الإنسان يكون جافا زاهدا في أبواب الطاعة، لا يجتهد إذا ما استطاع يصوم يوم يفطر يوم، يصوم يوم يفطر يومين، ما استطاع يصوم الاثنين والخميس، ما استطاع يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، يجتهد على أن يجعل لنفسه عبادة وطاعة وقربة بينه وبين الله سبحانه وتعالى. لكن ليس على حساب فتوره في طلب العلم؛ فإن كان هو فاتر فإذا صيامه أفضل له. أو كان الصيام لا يضره ولا يفتره فلا ينبغي للشيطان أن يزهده في الطاعة بحجة أنه يفتره ويشغله عن طلب العلم؛ فالأمر وسط لا إفراط ولا تفريط. نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.