كتاب الرهن 1

كتاب الرهن 1

الدرس في كتاب الرهن 1، كتاب الرهن . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الرهن وأركانه

يتناول تعريف الرهن لغة واصطلاحا، ويشرح أركانه الخمسة. يبين شروط صحة الرهن مثل جائز التصرف ومالك للرهن.

شروط صحة الرهن والانتفاع به

يشرح شروط صحة الرهن مثل أن يكون الرهن في عين يصح بيعها. يبين جواز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه والانتفاع بالرهن.

أحكام الرهن وبيعه

يتناول أحكام التعامل مع الرهن وبيعه، ويجب أن يباع بقيمته في وقت السداد. يحرم التحايل في سداد الديون بتقليل قيمتها.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: كتاب الرهن، يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه، والظهر يركب واللبن يشرب بنفقة المرهون. قال: ولا يغلق الرهن بما فيه. قول: كتاب الرهن، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الرهن. والرهن لغة: فيه معنى الثبوت والدوام، وكما سبق اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، لكن هذا تقريب للمعنى، وسيأتي إن شاء الله معنى وعلاقته بهذا المعنى المذكور في اللغة. وأما معناه في اصطلاح أهل العلم، وبما جاء معناه في الشرع، فهو ما ذكره بعض أهل العلم: توثقة دين بعين يمكن الاستيفاء منها أو من ثمنها. توثقة دين بعين، معناه أن يوثق الدين بشيء معين، ليس هو مال، يعني ليس هو فيه معنى الثمنية من ذهب أو فضة أو عملة ورقية. توثقة دين بعين يمكن الاستيفاء منها، يعني كما سيأتي بالشروط أن يكون مما أحله الله ومما له قيمة، وبهذا يمكن الاستيفاء منها أو من ثمنها، يعني إذا بيعت، إذا رضي من وضع عنده الرهن استوفى بنفس هذه البضاعة، وإن كان عليه شيء دفع أو بقي له شيء انتظر، أو من ثمنها، كان يقول مثلا: أنا ما أريد هذا الشيء، أنا أريد ما لي من مال، فله أن يطالب بالبيع إذا انتهت مدة الدين وحل الوفاء، فإن كان له باقي انتظر، وإن كان هناك زائد رد إلى صاحب الدين، أي الذي كان عليه الدين. وبهذا نعرف أن الرهن فيه خمسة أركان: الركن الأول: الرهن، وهو العين المرهونة، مثل إنسان رهن ساعة. والركن الثاني: الراهن، أي الذي رهن هذا الشيء. والركن الثالث: المرتهن، أي عنده. والركن الرابع: المرهون به، وهو السبب الذي لأجله رهن هذا الرهن. والركن الخامس: الصيغة، صيغة هذا الرهن. وينبه العلماء إلى هذه الأركان في الرهن حتى لا يحصل اللبس، ويعرف ما يحتاجه كل ركن من هذه الأركان من شروط. فالرجل الذي عليه الدين وهو الذي يرهن ما عنده من عين، ينبغي أن يكون مالكًا لهذا الرهن، أو يكون وكيلًا له الإذن في التصرف، وأن يكون كذلك جائز التصرف، فلا يصح من صغير، ولا كذلك مجنون ومعتوه. فمعرفة مثل هذه الأركان ينبه إلى مثل هذه الشروط التي تعلن بالعمومات، وذكر خاصة في باب الرهن. وهكذا يقال نحو ذلك بالنسبة للرجل الذي ترهن عنده هذه العين، فإنه ينبغي أن يكون صاحب أهلية حتى يكون إذنه وموافقته ورضاه بهذا الرهن معتبر. وهكذا كذلك معرفة العين التي ترهن، لأنه ربما تكون العين مما لا يجوز بيعها ولا شراؤها، فهي إذن لا يجوز الرهن بها. ولهذا يقول العلماء: إنما يجوز الرهن فيما يجوز بيعه. وهكذا كذلك المرهون به أن يكون دين صحيح، ليس دين فيه ما يخالف الشرع. وهذا على وجه الاختصار، وإلا يذكر أشياء أكثر من ذلك. وهكذا أخيرًا صيغة هذا الرهن، حتى لا تقع الخصومات، لابد أن تكتب صيغة يكون فيها ضبط هذا النوع من عقود بين الناس، وهو عقد الرهن. ولهذا ذكر العلماء شروطًا للرهن، منهم من أطال، ومنهم من اختصر. وخلاصة هذه الشروط تجمل في خمسة أمور. الأمر الأول من شروط الرهن: أن تكون من جائز التصرف. الشرط الثاني: ومعنى جائز التصرف، يعني ممن يأذن الشرع لمثله بالتصرف، هذا في إعطاء الرهن، وهذا في قبول الرهن. والشرط الثاني: أن يكون من مالك مأذون له، فهو إما أن يكون مالكًا يأذن له الشرع، أو يقوم مقام المالك وأذن له في ذلك كالوكيل الذي يعطي التصرف التام الكامل فيما تحت يده. والشرط الثالث: أن يكون الرهن منجزًا لا معلقًا، لأن المعلق لا يحصل به المقصود. ومن هذا المعنى ما ذكره العلماء: أن يكون مع الحق لا بعده، يعني لو كان الرهن يأتي بعد ما حصل المقصود من الانتفاع بالرهن عند عدم السداد، فهذا ما يسمى رهنًا، إنما الرهن الذي يكون قبل حلول وقت السداد لأجل أن يستفيد من له الدين من هذا الرهن في حالة تأخر السداد. والشرط الرابع: أن يكون في عين يصح بيعها، كما تقدم، لأنه لو كان الرهن بشيء محرم ما جاز بيعه، وإذن لم ينتفع بهذا الرهن. والشرط الخامس من هذه الشروط: معرفة الجنس والقدر والصفة، وما كان بمعناه مما يضبط به عقد الرهن هذا. ثم قال المؤلف رحمه الله: يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه. ودليل هذا الجواز كما أشار في الشرح الإجماع، وقبل ذلك الكتاب والسنة، فإن الإجماع قام على دليل الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. وأما من أدلة السنة فكثيرة، منها ما أشار إليه المؤلف رحمه الله في الشرح، كقصة رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي لطعام أخذه لأهله، جاء معناه من حديث أنس كما أشار، ومن حديث عائشة، وأصله في الصحيحين. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه فعله، وأنه أقره، فقد وقع الرهن في زمانه وأقر الرهن. وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أهل العلم. وأما قوله: والظهر يركب واللبن يشرب بنفقة المرهون، معناه أنه يجوز الانتفاع بالرهن بشرط الإنفاق عليه، فهذا الذي دل عليه دليل الشرع، وأشار إلى حديث أبي هريرة في البخاري وغيره، في قوله عليه الصلاة والسلام: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا». ومعنى لبن الدر: أي لبن من تدر اللبن، يشرب بما ينفق عليها من إطعام. مثلًا إنسان رهن عندك شاه، وهذه الشاه حلوب، أنت تطعم هذه الشاه كل يوم، هل يجوز لك أن تشرب هذا اللبن؟ الجواب: نعم، ما دمت تطعمها، فيجوز أن تشرب من لبنها. فإذا كان الرجل هو الذي يطعمها، أي المالك، فلا يجوز لك أن تشرب من لبنها، بل لبنها له، إلا أن تصطلح أنت وهو بتراضي مقابل حفظك ونظافة هذه الدابة وغير ذلك، تأخذ شيء من اللبن، فلك ذلك، ولا يجوز لك أن تأخذ شيء بغير مقابل، لأنه من الظلم، بل ربما صار معنا من معاني الربا، لأن كل قرض جر نفعًا فهو ربا. وهكذا «الظهر يركب» يعني الظهر ما يستعمل ظهره كالحمار والخيل والإبل ونحو ذلك، فهو يركب بنفقته، أي بما ينفق عليه. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «على الذي يركب ويشرب النفقة» يعني ما دام يريد أن يركب أو يشرب، فلابد أن ينفق. وأما يجعل النفقة على المالك ثم يريد أن يركب ويشرب فلا. وفي هذا دليل على أنه لا يجوز الانتفاع بالرهن إلا بشرط أن يكون قد بذل المال على هذا المرهون. فما يفعله بعض الناس اليوم في رهن الأراضي، فيرهن الرجل الأرض السنة والسنتين وأكثر، وينتفع من له الدين، ليس من عليه الدين، من عليه الدين يضع الأرض رهن، ومن له الدين ينتفع بهذه الأرض فيزرعها ويحرثها وينتفع بها، وتخرج ثمرة ويستفيد من الثمرة وهكذا، لا يزال ينتفع السنين الطوال ما دام الرجل لم يسدد دينه، بحجة أنه حصل التراضي على ذلك، وهذا خطأ ليس بصحيح. لأن هذا أولًا منافٍ لحديث «على الذي يركب ويشرب النفقة»، فكذلك على الذي يأخذ الأرض النفقة. قد يقول: نعم، أنا أنفق، أنا أزرع، وأنا أحرث، يقال: لا، ليس هذا المقصود، المقصود النفقة في إبقاء هذه الأرض حية، كما أنه في إبقاء هذه الدواب حية ينتفع بها. أما أنك تأخذ الربح من الدين، فهذا ينافي حديث الوارد بين أيدينا، وهو كذلك ينافي عمومات الأدلة التي تدل على عدم جواز الانتفاع من القرض، وأن كل إنسان أقرض قرضًا أراد بهذا القرض أن ينتفع ويربح، فهو باب من أبواب الربا. وقد قسم العلماء الربا إلى ثلاثة أقسام كما مر معنا: ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا القرض. وأدخل عدد من العلماء في ربا القرض الانتفاع بالمرتهن، فإن الانتفاع بالمرتهن فيه هذا المعنى، لأن الإنسان ربما ما يعطي الدين إذا علم أنه لن يرجع له شيء، لكن إذا علم أنه سيرجع له شيء، وهذا الذي يغري الكثير من الناس في استعمال هذه الطريقة التي سمعتم بها في الرهن، أنهم يأخذون الأرض وينتفعون بها السنين الطوال في مقابل أن يأخذ منه الرجل الدين ويسدد له بعد سنوات المال كاملًا، وهو قد انتفع بالأرض سنين طويلة، فهذا خطأ. لكن الحل في هذا أن يقال: انتفع بالأرض في مقابل أن تخصم من الدين أجرة المثل، يعني إذا كانت هذه الأرض تؤجر مثلًا بعشرة آلاف، والدين مئة ألف، وأنت انتفعت من هذه الأرض سنة أو سنتين، ففي كل سنة تخصم عشرة آلاف، بما جرى به عرف الناس في هذا الباب، فينتبه لهذا، فإن الكثير من الناس يلتبس عليه أمر مثل هذه المسألة. وقوله رحمه الله: ولا يغلق الرهن بما فيه، معناه ما أشار إليه في حديث أبي هريرة مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهن له غنمه وعليه غرمه». ومعنى أن الرهن لصاحبه: لا يجوز أن ينزع منه، ما دام في المدة التي هي له. وهو كذلك إذا حصل له أي لمن وضع عنده الرهن أنه تعب عليه بشيء، فله أن يغنم منه. وإذا لحقه شيء فكذلك يغرم إذا فرط. وممكن يقال بعبارة أخرى: أن الرهن هو نوع من الأمانات، فهو في ذمة هذا المرتهن الذي قبل هذا الرهن وأخذه، فإن تلف عنده من غير تعد ولا تفريط، فلا شيء عليه، كما أنه لا يسقط شيء من الدين الذي على صاحب هذا الرهن، لأن الرهن تلف بغير تفريط ولا تعدي. وأما إن تلف بتعدي وتفريط، فيلزم من عنده الرهن ومن له الدين أن يضمن ويخصم من الدين بقيمة هذا الرهن، أو يأتي بالبدل. كما أنه لو تلف بيد إنسان ثالث، فإنه يضمن، فكذلك في يد هذا الذي وضع عنده هذا الرهن. وهكذا كذلك يقال في حق ما يدفع من المال في النفقة على هذا الرهن، كما أنه لا يجوز الإضرار بصاحب الرهن بأن مثلًا يباع الشيء قبل وقته، أو كذلك يباع بغير ثمنه، أو غير ذلك من معاني الإضرار، بل الواجب العدل في هذا الباب، لابد أن يعدل تمام العدل في هذا الباب. فالقيمة قيمة المثل، القيمة قيمة المثل، لا يجوز له أن يأخذ أكثر من ذلك. فمثلًا لو قال الرجل الذي له الدين: خلاص أنت ما سددت، أنا سأشتري منك هذا بمئة ألف، من أين أتيت بمئة ألف؟ هل هو قيمته مئة ألف؟ إذا كان هو كذلك فنعم، وأما إذا كان تبخيسًا لهذا الرجل فلا يجوز لك أن تبخس، بل يباع بقيمته ويسدد من الدين بقدر ما هو لك، فإن كان الزائد عليك رددت له الباقي، وإن كان الزائد لك بقي في ذمته الباقي، فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة. وهنا مسألة أخرى يكثر السؤال عنها، وهي: هل قيمة بيع الرهن بوقت الدين أو بوقت سداد الدين؟ الجواب: ينبغي أن لا يكون إشكال في هذا إذا علمنا وتيقننا أن الرهن هذه العين المرهونة هي ملك لمن عليه الدين، فهي له. فإذا بيعت في آخر وقت السداد، فهي تباع بقيمتها في وقت السداد، لا يقول صاحب الرهن: يا أخي أنا قبلت منك هذه الساعة، وكان قيمتها في ذاك الزمان ألف ريال، والدين الذي عليك الآن ألف ريال، وهذه ألف ريال بألف ريال انتهينا، بينما وقت السداد بعد سنة مثلًا صار قيمة الساعة ألفين ريال، لا يقول هذا. بل عليه، ما دام قيمة الساعة الآن ألفين ريال، يبيع الساعة بقيمتها كثيرًا وقليلًا، فيأخذ الألف ويرد الألف الزائد لمن لصاحب الساعة، وإن كان يريد هو الساعة إذن يأخذها وهو يرد الباقي. أما أن يتحايل عليه ويقول: كان قيمتها ألف، فإذن أنا سأخذها في مقابلة الدين ألف، فهذا ليس بصحيح. طيب نكتبه بهذا القدر وندرك الباقي إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.