الدرس في كتاب الصلح 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الصلح جائز بين المسلمين وهو عقد يتوصل به للصلح بالموافقة بعد المنازعة، وقد دل على جوازه دليل الكتاب والسنة والإجماع. يُشرع الصلح في أبواب متعددة.
يتناول أحكام الصلح في الشريعة الإسلامية، ويشير إلى أن الحديث عن الصلح يرتقي إلى الحسن بمجموع طرقه، مع ذكر أمثلة من الأحاديث الصحيحة على الصلح في القصاص والديون.
يذكر أمثلة على الصلح في الشيء المجهول من الأحاديث النبوية، مثل قصة الرجلين اللذين اختصما في شيء مجهول وقصة جابر بن عبد الله.
يتطرق إلى أهمية التسامح والتجاوز في الإصلاح، ويشير إلى جواز ذلك في بعض الحالات، مع الإشارة إلى انتهاء الوقت المحدد للدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: كتاب الصلح، قال: هو جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حلّ حرامًا أو حرّم حلالًا. ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول، ولو عن إنكار، وعن الدم كالمال بأقل من الدية وأكثر. وهذا الكتاب كذلك يقال فيه كما قيل فيما قبله في البابين السابقين: الأصل أن يجعل في كتاب البيوع، لكن المؤلف -رحمه الله- رأى مناسبة ذلك لما سيأتي من أبواب في القضاء وما يلحق به من كتب بعده. فقوله: كتاب الصلح، أي: هذا مكتوب يتعلق بأحكام الصلح. ومعنى الصلح ظاهر من لفظه. وأما في اصطلاح أهل العلم وبما دلت عليه نصوص الشرع، فمعناه يدور حول عقد بين مختلفين يتوصل به للصلح بالموافقة بعد المنازعة. وهو جائز، ودل على جوازه ومشروعيته دليل الكتاب والسنة والإجماع. أما دليل الكتاب، فكثير، منه قول الله عز وجل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال بعض المفسرين وأهل العلم: إن هذه الآية فيها فضيلة الإصلاح بين الناس، وأنه أفضل هذه الأعمال الثلاثة المذكورة؛ لأنه رتب أمر هذه الخصال الثلاث ترتيبًا تصاعديًا، فبدأ بالأدنى وانتهى بالأعلى. وهكذا جاء الأمر بالصلح فيما يقع بين الزوجين، وفيما يقع من خصومات بين المؤمنين، فهو يقع في النكاح، وهو يقع في الدماء، وهو يقع في المال، ويقع في أبواب كثيرة. ومن أدلة السنة أدلة كثيرة، أشار إلى بعضها -رحمه الله تعالى-، وسيأتي في ثنايا هذه المسائل. من أشهرها ما أشار إليه في حديث عمر بن عوف الذي جاء عند بعض أهل السنن: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا أو حلّ حرامًا». وأشار إلى أن في إسناده كثير بن عبد الله، وهو ضعيف. والترمذي -رحمه الله- حسن هذا الحديث. وكما قال -رحمه الله-: فلم يصب؛ وذلك لأن الذهب -رحمه الله- علق على هذا الحديث بعد ذكر تحسين الترمذي، فقال: فلهذا لا يعتمد -أو لا يعتمد العلماء- على تحسين الترمذي؛ يعني: أنه يتساهل في التحسين، ولكن لا يعني ذلك أن الحديث لا يصح؛ لأن الحديث روي من طرق كثيرة، فله شواهد ومتابعات يرتقي بها إلى الصحيح إلى درجة الحسن. وهذا الذي صنعه عدد من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني -رحمه الله-؛ فقد حسنه في مواضع من كتبه: في الإرواء، وفي الصحيح الترمذي وغيره، فهو حسن بمجموع طرقه. وقد روي بإسناد موقوف صحيح في كتاب عمر إلى أبي موسى في القضاء. وقد نص غير واحد من أهل العلم: أن هذا من الموقوف الذي له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. ورويت في الباب آثار كثيرة، فالمعنى صحيح. والحديث -كما سمعنا- يرتقي إلى الحسن. وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصلح، منها ما هو في القصاص، مثل قصة الربيع حين حلف أنس بن النضر، فعفا أولياء المعتدى عليه، والحديث في الصحيحين من حديث أنس، وفيها كرامة لأنس بن النضر. وهكذا أيضًا الصلح في الديون، ومنه حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين، وسيأتي الإشارة إليه -إن شاء الله- في دين أبي حين مات -رضي الله عنه وأرضاه-. وهكذا أيضًا في قصة كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد في دين له، والحديث كذلك في الصحيحين. وقد بوّب البخاري -رحمه الله- أبوابًا كثيرة في صحيحه في الصلح، وأورد فيها أحاديث. ثم قال -رحمه الله-: «إلا صلحًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا»؛ يعني: لا يجوز، للحديث الذي تقدم، وسيأتي معانٍ أخرى -إن شاء الله- التنبيه عليها. وقوله: «ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول»؛ يعني: يجوز أن يكون الصلح عن أمر معلوم بأمر مجهول، أو عن أمر مجهول بأمر معلوم. وأورد لكل واحد دليلًا، وهو مثال تدخل تحته نظائر كثيرة؛ فالشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق، ويلحق كل شيء بمثله. فمثال الأول معلوم شيء معلوم صلح بشيء معلوم عن شيء مجهول، ما أشار إليه في قصة الرجلين الذين اختصما في حديث أم سلمة في مواريث بينهما قديمة، ليس بينهما بينة. فمثاله هذا الذي حدث: اختلف مواريثه، قد درست -يعني: قديمة- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم تختصمون إلي، وإني لست إلا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها قطعة في عنقه يوم القيامة». فبادر رجلان -يعني: حين وعظهم النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا- وكل منهما يعلم أنه ليس له بينة وحجة واضحة- فبادر رجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، خلاص ما أريد شيئًا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أما إذا قلتما -يعني: هذا الذي سمعته- فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق -يعني: ليكن كل منكما محتاطًا ألا يأخذ الشيء الزائد- ثم استهما -يعني: بعد توخي الحق اجعلوا ذلك استهاما- يعني: بقرعة أو غيره؛ حتى لا يقع في ذلك شيء في النفوس». قال: «ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه». وهذا الحديث حديث حسن. والشاهد منه: أنهم اختصموا في شيء مجهول، وأصلح بينهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بشيء معلوم، ويحلل كل منهما الآخر. فهذا هو حكم الصلح في مثل هذا. نوع ثاني من الصلح: أن يكون في شيء معلوم وبشيء مجهول. ومثاله ودليله حديث جابر بن عبد الله الذي رواه الإمام البخاري وغيره؛ فكان على أبيه -رضي الله عنه وأرضاه- دين، فاجتمع غرماء كثير يريدون الدين، فألحوا واشتد الأمر على جابر -رضي الله عنه-، فطلب منهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقبلوا ثمر الحائط -يعني: الحديقة- مقابل ديونهم. الآن الدين معلوم، والثمر الذي في الحديقة مجهول، هذا صلح؛ لأن الرجل قد مات، وجابر الرجل فقير، ما عنده شيء. فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يصلح بين جابر بن عبد الله وأصحاب الديون، فقال لهم: ليس مع من تطلبون منه إلا هذه الحديقة وما فيها من ثمار، فسامحوا وخذوا ما هو موجود واقتسموه؛ كثيرًا كان أو قليلًا هو لكم. هذا معنى مجهول؛ لأنه ما يعلم كم الذي فيه الأشجار. فأبوا؛ لماذا أبوا؟ لأنهم خشيوا أن يكون الذي في الثمار لا يكفي ديونهم، فأبوا ذلك. فعند ذلك أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- لجابر بن عبد الله أن يبقي الثمر، وأنه سيغدو عليه -يعني: يأتيه في الصباح الباكر-. قال: «فغدا علينا حين أصبح -يعني: من أول الصباح- فطاف على النخل -مشى بينها- ودعا في ثمرها بالبركة -مشى بينها ودعا أن يبارك الله في الثمار- قال: فجددتها -يعني: قطعتها- قال: فقضيتها -قضى كل الديون- قال: وبقي لنا من ثمرها». والشاهد منه: والحديث فيه فوائد كثيرة؛ أن فيه دليلًا على جواز الصلح في الشيء المعلوم بالشيء المجهول. فإذا حصل خلاف، فالمقصود هو الصلح، والصلح خير. وأنت حين تصلح تطلب بعض الأطراف أن يسامح وأن يتجاوز. ويجوز أن يكون التسامح والتجاوز في مثل هذا. نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي -إن شاء الله- لدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.