كتاب الصيام 15

كتاب الصيام 15

الدرس في كتاب الصيام 15، الدرس الخامس عشر : من : ( باب أفضل الصيام وغيره ... لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث النهي عن الوصال

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى فيه عن الوصال في الصيام، وهو الاستمرار في الصيام دون إفطار في الليل. يُوضح أن النبي كان يواصل الصيام لكنه أخبر الصحابة أنه ليس كهم لأنه يطعم ويسقى من الله بطريقة غير مفهومة للبشر.

حكم الوصال في الصيام وتفاصيله

يناقش اختلاف العلماء في حكم الوصال في الصيام على ثلاثة أقوال: محرم، ومكروه، وجائز مع القدرة. واستدل كل فريق بأدلة من الأحاديث النبوية، وذهب الإمام أحمد إلى التفصيل في هذه المسألة.

تتمة الكلام عن الوصال وحكمه

يرى أن الوصال مكروه، ويجوز إلى السحر، والسنة هي الفطر عند غروب الشمس. يشرح أن النهي عن الوصال جاء في أحاديث نبوية، بينما أجاز النبي الوصال إلى السحر، مشيرًا إلى أن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.

ختام الدرس وتوجيه الحمد لله

يتم ختام الدرس بالإكتفاء بما تم ذكره، مع توجيه الحمد لله رب العالمين. يتم التأكيد على شكر الله وحمده على ما تم التطرق إليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الحافظ عبد الرحمن المزي، رحمه الله تعالى: «باب أفضل الصيام وغيره». قال: «الحديث الحادي والتسعون بعد المئة». هذا صحيح. «باب أفضل الصيام وغيره، الحديث الحادي والتسعون بعد المئة». قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الوصال». قالوا: «يا رسول الله، إنك تواصل». قال: «إني لسْتُ كهيئتكم، إني أطعم وأسقى». قال: ورواه أبو هريرة، وعائشة، وأنس بن مالك رضي الله عنهم. ولمسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في هذا الباب «باب أفضل الصيام وغيره». «باب أفضل الصيام وغيره»، أي: وغيره من الأحكام الأخرى التي سيذكرها في هذا الباب الذي اجتمع على مجموعة من المباحث. فمن مباحثه ذكر أفضل الصيام، ومن مباحثه ذكر كذلك الأيام المنهي عنها من الصيام، وغير ذلك مما سيذكره من أحاديث في هذا الباب. ومر معنا أن الباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، وفي الاصطلاح: مجموعة متشابهة من العلم. وأقرب الألفاظ لهذا اللفظ هو لفظ الإمام مسلم، رحمه الله تعالى. قال الإمام مسلم فيما ذكره في حديث رقم 1102: «حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الوصال». قالوا: «إنك تواصل». من دون جملة «يا رسول الله»، فإن هذه الجملة ليست موجودة في البخاري، ولا في مسلم. قالوا: «إنك تواصل». قال: «إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى». هكذا هو لفظ الإمام مسلم، رحمه الله. وفي لفظ البخاري في حديث 1962: «قال: إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى». وأما ما رواه أبو هريرة -يعني بهذا المعنى، وإلا ليس بهذا اللفظ، إنما فيه معنى هذا الحديث- وهو عند الإمام مسلم، رحمه الله، برقم 1103. وآتٍ كذلك في البخاري نحوه. وحديث عائشة كذلك عند مسلم 1105، والبخاري 1964. وحديث أنس كذلك نحوه -يعني بهذا المعنى- في البخاري 1961، وفي مسلم 1104. وأما قوله: «ولمسلم عن أبي سعيد»: فإن هذه اللفظة ليست في مسلم، بل هي عند البخاري فقط، رواه البخاري في حديث 1963. وأما مسلم فلم يخرج هذه الرواية من حديث أبي سعيد. وقد نبه على ذلك عبد الحق، والمجد، والحافظ كذلك ابن حجر، وجماعة من أهل العلم: أن هذه اللفظة التي ذكرها صاحب -مثل عمدة الأحكام- أخطأ في نسبة الحديث إلى مسلم. بل أشار صاحب «فتح الباري» إلى أن هذه اللفظة انفرد بها البخاري فقط في حديث 1963. قال الشيخ البسام، رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي... الشريعة الإسلامية سمح ميسرة، لا عنت فيها ولا مشقة. ومشرعها الحكيم يكره الغلو والتعمق؛ لأن في ذلك تعذيبا للنفس وإرهاقا لها. والله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وهذا من المؤلف، رحمه الله، إشارة إلى أن ما جاء من نهي عن الوصال بهذا الحديث: رحمة وشفقة بالعباد أن لا يشقوا على أنفسهم ويعسروا عليها. فإن الذي يصلحها هو الذي فرضه ربنا عز وجل عليها. قال: «ولأن التيسير والتسهيل أبقى للعمل وأسلم من السآمة والملل». وهذا هو المقصود. المقصود هو الاستمرار في العمل. فإذا كان كذلك، إذن ينبغي على الإنسان أن يحرص على العمل ما يقدر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث عائشة: «عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا». ومعنى ذلك: اقتصدوا في أعمالكم، لا تخلقوا أنفسكم من الأعمال أشياء، فبعد ذلك لا تستطيعون الاستمرار. قال: «وأسلم من السآمة والملل». ومعنى السآمة: يعني من السآمة، وهو التضجر. والملل: يعني التعب. وكذلك استقال العمل الذي به يكون ترك ذلكم العمل. قال: «وفيه العدل الذي وضعه الله في الأرض، وهو إعطاء الله ما طلبه من العبادة، وإعطاء النفس حاجتها من مقوماتها». وليس ذلك إلا بما شرع الله، وما جاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ففيه العدل فيما يحتاجه العبد، وفيما يصلحه من عبادته لربه. قال: «لهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الوصال في الصيام، وهو ترك ما يفطر، أو ما يفطر بالنهار، عمدا في ليالي الصيام». ومعنى أن يستمر في الصيام في الليل كذلك، كما كان في النهار. قال: «وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أعطاه الله ما لم يعطِه غيره يواصل الصيام». وسأتي معنى ما هذا الذي أعطاه الله عز وجل؟ هل هو طعام وشراب شيء؟ أم أنها قوة ويقين وانشغال بعبادة الله عز وجل وذكره؟ والصواب الثاني كما سيأتي. قال: «فقال الصحابة: إنك تواصل». ولنا فيك قدوة. قال: «وذلك قبل أن يعلمهم بميزته عليهم»، يعني: أن هذا من خصوصياته. فقال: «إني لست مثلكم؛ لأني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، وليس لكم هذا، فتقوون على الوصال». يعني: أنتم ما تستطيعون، وأنا أستطيع؛ لأني أختلف عنكم. قال: «وما دمتم راغبين في الوصال، فمن وجد من نفسه قوة عليه ورغبة فيه، فليواصل إلى السحر؛ لأنه تأخير لعشائه». هذا تعليل ذكره بعض العلماء للعلم، يعني: الإذن بالمواصلة إلى السحر هو بمثابة تأخير العشاء. وفائدة هذا التعليل مراد بذلك الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الرخصة؛ لأن أحاديث الرخصة هي بمثابة تأخير العشاء. وسأتي الكلام عليه في موضعه بعد قليل إن شاء الله. قال: «فيكون طعامه في ليالي الصيام وجبة واحدة». ومن فكرة من الصيام التخفيف من الطعام، يعني: كأنها لو أراد شيء من حكمة الصيام. اختلف العلماء في الطعام والشراب المذكورين على قولين: يعني في الحديث: «إني أطعم وأسقى». وفي الرواية الأخرى: «يطعمني ربي ويسقيني». قال رحمه الله تعالى: «أحدها: أنه طعام وشراب حسي، تمسكا باللفظ». والثاني: «أنه ما يفيض على قلبه من لذة المناجاة والمعارف؛ فإن توارد هذه المعاني الجديدة على القلب يشغله عن الطعام والشراب، فيستغني عنهما». وزيادة على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُوتي قوة لم يعطها سائر الرجال، فكان عنده من القوة عليه الصلاة والسلام ما يعينه على الصيام. قال رحمه الله تعالى: «ولو كان طعاما حِسيا لم يكن مواصلا»، يعني: ما كان مواصلا لو كان هو يطعم ويسقى طعاما حِسيا. لقال لهم: «إني أفطر أصلا إذا أفطرتم مثل ما أنا أفطر، فلا تتشددوا في الطعام الشرع». لكنه قال: «إني لست كهيئتكم»، يعني: إني أصوم نعم، أواصل، لكن أُعان على هذه المواصلة، وأنتم لا تُعانون. هذا معنى الحديث. إذ لو كان المراد به طعام وشراب حسي لم يكن عليه الصلاة والسلام مواصلا، ولكان ذلك كافيا في منعهم من المواصلة. قال رحمه الله تعالى: «ولو كان طعاما حِسيا لم يكن مواصلا، ولم يقل: لست كهيئتكم». وقد بسط القول به ابن القيم في «الهدي»، يعني في كتابه المشهور «زاد المعاد». قال: «واختلفوا بحكم الوصال على ثلاثة أقوال»، أو في حكم الوصال. واختلفوا بحكم الوصال على ثلاثة أقوال: محرم، ومكروه، وجائز مع القدرة. فذهب إلى جوازه مع القدرة عبد الله بن الزبير، وبعض السلف -كعبد الرحمن بن أبي نعم-. قالوا: إبراهيم بن زيد التيمي، وأبو الجوزاء. وهذا الذي يحكى عن هؤلاء -يعني من فعلهم-؛ لأن عبد الله بن الزبير روي عنه أنه كان يواصل صيام أيام متتالية. قيل: إنه كان يواصل صيام ثمانية أيام. والله أعلم بصحة ذلك، لكن أصل المواصلة ثبت عنه. قال: «وذهب إلى تحريمه إلى إمامة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي». وذهب إلى التفصيل لذلك الإمام أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعة من الحنابلة. فهو عندهم جائز إلى السحر، مع أن الأولى تركه تحقيقا لتعجيل الإفطار. ومكروه بأكثر من يوم وليلة. وهذا هو الذي دلت عليه الأدلة كما مر معنا قريبا. قالت لذلك المجيزون: بأنه صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه يومين، فهو تغير لهم عليه. ولو كان حراما لم يقرهم -يعني حين واصلوا- واصل بهم عليه الصلاة والسلام إلى آخر الشهر. ولو لم يظهر الهلال لاستمر بالمواصلة بهم ولم ينكر. ولكن سيأتي أن هذه المواصلة كانت على وجه التنكيل، يعني: ليس على وجه الرضاء. قال: «ولو كان حراما لم يقرهم»، يعني: على مواصلتهم معا. قال: «وبأن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الوصال رحمة بهم». قال: «فنهيهم عنه كنهيهم عن قيام الليل؛ خشية أن يفرض عليهم». ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه. هذا هو دليل من قال بالجواز. قال: «فإذا كان المواصل لم يرد التشبه بأهل الكتاب، ولا رضي عن السنة بتعجيل الفطر، لم يمنع من الوصال». هذا هو رأيهم، وسيأتي الجواب عليه. قال: «واستدل المحرمون بنهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم». والنهي يقتضي التحريم. صحيح أن النهي يقتضي التحريم، لكن لهذا النهي صارف. لهذا النهي صارف، وهو ما جاء في الرواية الأخرى في حديث أبي سعيد: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر». قال رحمه الله تعالى: «وأما واصلت بهم، فلم يقصد به التقرير، وإنما قصد به التنكيل، كما هو مبين في بعض ألفاظ الحديث». فحين نهاهم فلم ينتهوا، بل ألحوا في الطلب -يعني في طلب المواصلة- واصل بهم لتأكيد النهي والزجر -يعني كالتأديب لهم- حتى يدوقوا التعب ويتأكدوا أنهم ليسوا كهيئة النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام يصبر ويتحمل، وهم لا يستطيعون ذلك. قال رحمه الله تعالى: «قال: لتأكيد النهي والزجر، وبيان الحكمة في نهيهم، وبيان المسألة التي نهاهم لأجلها». قال: «فبعد بيان هذا يحصل منهم الإقلاع عنه، وهو المطلوب». وأما قول عائشة: «نهى عن الوصال رحمة بهم»، فلا يمنع أن يكون النهي للتحريم، بل يؤكده. فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم. وكل الأوامر والنواهي الشرعية مبنية على الرحمة والشفقة. وهذا القول كلمة سيأتي جوابه. وما مر من كلام يفهم منه الجواب على هذه الأدلة. قال: «وأما التفصيل الذي اختاره أحمد، فذكر ابن القيم: أنه أعدل الأقوال». لحديث أبي سعيد: «لا تواصلوا». «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر». رواه البخاري. فهو أعدل الوصال، وأسهله؛ لأنه بالحقيقة أخر عشاء. والصائم له في اليوم والليلة أكلة -يعني الصائم له أكلة واحدة-. قال: «ولكن الأحسن والأولى ترك الوصال مطلقا، ولو لم يكن فيه إلا ترك تعجيل الإفطار المرغب فيه لكفى». وهذا هو أعدل الأقوال كما قال ابن القيم، رحمه الله. لماذا؟ لأن به الجمع بين الأدلة. النبي عليه الصلاة والسلام كره الوصال، ونهى عن الوصال، كما في حديث عائشة، وفي حديث أبي هريرة، وفي حديث أنس. وهكذا ما يفهم من حديث عبد الله بن عمر. فكل هذه الأحاديث تدل على النهي عن الوصال. فعلم أن الوصال يكره. وأجاز ورخص النبي عليه الصلاة والسلام الوصال إلى السحر. فعلم أن هذا النوع استثني. ومع ذلك ليس هو بمستحب، ليس هو بمقروء، لكنه خلاف الأفضل. وبه نعرف أنه ليس كل سنة ضدها مكروه، وليس كل مكروه ضده سنة. فيوجد شيء جائز هو خلاف السنة. يوجد شيء جائز هو خلاف السنة. وهذه مسألة أصولية ذكرها بعض أهل العلم في كتب الأصول: هل كل سنة ضدها مكروه؟ وهل كل مكروه ضده سنة؟ والصواب أنه ليس كذلك. فيوجد شيء ليس بسنة، ومع ذلك ليس بمكروه -مثل هذا الذي عندنا الآن- فهو جائز، ولكنه خلاف السنة. جائز، وهو خلاف السنة. قال رحمه الله تعالى: «ما يؤخذ من الحديث». قال: «أولا: تحريم الوصال». والصواب أن نقول: ماذا؟ «تحريم الوصال الزائد عن السحر». هذا معقول. أما هكذا مطلقا: تحريم الوصال، هذا خلاف ما دلت عليه الأدلة كما مر معنا. فالأولى أن يقول: تحريم الوصال الزائد عن السحر؛ لأنه إضرار بالنفس. مع أن بعض أهل العلم لا يقول: تحريم، بل يقول: كراهة الوصال الزائد عن السحر. وهذا أحسن؛ لأنه لو كان حراما لما واصل به النبي عليه الصلاة والسلام اليوم واليومين. فإذا أعدل الأقوال أن نقول: الوصال مكروه، وإلى السحر جائز. والسنة هو الفطر في أول الوقت عند غروب الشمس. هذه هي مراتب هذه المسألة. قال: «ثانيا: جوازه للقادر عليه إلى السحر، وتركه أولا». وهذه الجملة تبين الجملة السابقة. لكن الأولى كذلك الجملة السابقة أن يقيدها. قال: «جوازه للقادر عليه إلى السحر، وتركه أولا». طيب. قال: «ثالثا: رحمة الشارع الحكيم الرحيم بالأمة؛ إذ حرم عليهم ما يضرهم». وهذا قد جاء بأدلة كثيرة من الكتاب، ومن السنة المجملة والمفصلة. ومنها هذه المسألة. قال: «رابعا: أنه عن الغلو في الدين». فإن هذه الشريعة سمحة مقصطة، تعبر رب حقها والبدن حقه. فإن الواجبات الشرعية وجبت لمصالح تعود إلى العبد بدينه ودنياه. وإن ملاحظة الشارع لتلك المصلحة هي السبب في الإيجاب على العبد -يعني أن الإلزام كان لمصلحة العبد-. قال: «خامسا: أن الوصال من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه الذي يقدر عليه وحده، ولا يلحقه أحد بهذا المقام»، يعني: ما يمكن أحد أن يكون مثله عليه الصلاة والسلام. قال: «سادسا: أن معنى الطعام والشراب بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث هو لذة المناجاة وسرور النفس الكبيرة في رضا محبوبها». وله شواهد في الناس. ومعنى الشواهد: يعني أنه يحصل للإنسان إذا شغل بشيء يحبه أنه ينشغل عن الطعام والشراب. ينشغل عن الطعام والشراب. انظر حتى الطفل الصغير لو أتيت له بلعبة جديدة، قلبه متعلق بها، يمكن ما يتغدى ولا يتعشى فوق هذه اللعبة التي هي جديدة، قلبه متعلق بها، فانشغل عن الطعام والشراب. فإذا كان هذا طفل لا يعقل، ومع ذلك يحصل له هذا الانشغال والتسلي بما يبعد عنه الشعور بالجوع والعطش، فما كان من مقام النبوة والرسالة أعظم. فإن الانشغال بلذة العبادة وذكر الله عز وجل، وكذلك اليقين وغير ذلك مما يقوي ويعين على الوصال -مع ما سبق من القوة الجسدية التي أوتيها النبي عليه الصلاة والسلام-. قال رحمه الله تعالى: «وهذا المعنى الذي يحصل لخليل الرحمن وحبيبه محمد صلوات الله وسلام عليه لا يلحق فيه أحد». «سابعا: أن غروب الشمس وقت للإفطار، ولا يحصل به الإفطار كما تقدم»، يعني: أنه علامة للإفطار، وليس معناه أنه أفطر. شاء أبا كما مر معنا. قال: «وإلا لما كان للوصال معنى. إذن صار مفطرا بغروب الشمس». لو كان بغروب الشمس صار الصائم مفطرا. جاء أبا إذن ما بقيادة من النهي عن الوصال، ومن الإذن بالوصال إلى السحر. وعلم بهذا أن ذاك الحديث المقصود به هو دخول وقت الإفطار. قال رحمه الله تعالى: «ثامنا: فيه ثبوت الخصائص للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وتكون مخصصة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ومعنى الخصائص: يعني دل هذا الحديث على أنه يوجد للنبي عليه الصلاة والسلام أحكام اختص بها دون سائر الأمة. كما أن في هذا الحديث دليل على أن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام: الاتساء بها. دليل على أن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام: الاتساء؛ إذ لو لم يكن الأصل في الاتساء لقال لهم عليه الصلاة والسلام: «وما شأنكم إذ أنا أواصل أن تواصلوا؟». لكن لما كان الأصل هو الاتساء به عليه الصلاة والسلام أقرهم على المتابعة، ولكن أنكر عليهم بوجود الفارق الذي جعل هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام. وإذ نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.