كتاب الصلاة 34

كتاب الصلاة 34

الدرس الرابع والثلاثون:من( الحديث السبعون:عن أنس بن مالك رضي الله عنه ... بعد أن قام بحق الدعوة والتعليم صلى الله عليه وسلم ومن الله علينا باتباعه في أفعاله وأخلاقه ).

شرح حديث أنس بن مالك في إمامة الرسول

يتناول المقطع شرح حديث أنس بن مالك رضي الله عنه حول إمامة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة بعد دعوته لطعام. يشرح الشارح غريب الحديث ومعناه الإجمالي.

مكان وقوف الإمام والمأموم وصفات وقوف المأمومين

يشرح المقطع مكان وقوف الإمام والمأموم في الصلاة، ويبين صفات وقوف المأمومين خلف الإمام مستنداً إلى أحاديث نبوية وآثار صحابية. يوضح كيفية وقوف الرجال والنساء في الصلاة.

حكم الصلاة خلف الصف وحالات جوازها وتفاصيله

يناقش المقطع حكم الصلاة خلف الصف، حيث يبين أن صلاة الرجل وحده خلف الصف باطلة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، ويستثنى من ذلك حالات معينة مثل امتلاء الصف أو صلاة المرأة منفردة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث السبعون، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: «قوموا فلأصلي بكم». قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف. ولمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأمه، صلى به وبأمه، فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا. قال: واليتيم هو ضميرة، جد حسين بن عبد الله بن ضميرة. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الإمامة والصفوف، فقال: عن أنس بن مالك إلى آخره. وأقرب الألفاظ إليه، ولفظ الإمام البخاري رحمه الله، قال: حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس رضي الله عنه، فذكر الحديث بلفظه، غير أنه قال: «قد اسود من طول ما لبس»، وليس في لفظ الصحيحين لفظ «لبث»، وإنما هو عند الإمام أحمد بإسناد صحيح. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قوله: «فنضحته بماء»، النضح: الرش، وقد يراد به الغسل. النضح معنى من معاني الرش، فهو أخص من الرش، إذ أن النضح قد يكون بنثر الماء من على الأصابع المبلولة، تبل أصابعك، ثم تنثرها فوق ما تريد أن تنضحه، فيسمى هذا نضحا. وأما الرش، فقد يكون باغتراف الماء في كف يدك، فترشه على ما تريد رشه، وقد يكون من الوعاء، تمسك بفوهته، فترش رشا. وبه تعرف أن الرش أكثر معنا، أو فرماء في الإفراغ، والنضح أقل. والنضح أقل من ذلك. ومع هذا، فقد يطلق النضح، ويراد به الرش، بل قد يطلق النضح، ويراد به الغسل. ولكنه لا شك أنه غسل ليس كالغسل بصب الماء، وإنما يكون التكثير النضح مع تعميم هذا التبليل يكون غسلا، يعني إذا عممت النضح، فكثرت نضحت بأصابع كفك مرات كثيرة، صار هذا النضح ماذا؟ غسلا. صار هذا النضح غسلا، ولا يسمى الغسل حقيقة نضحا. قال رحمه الله: المعنى الإجمالي، دعت مليكة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته، وقد جبله الله تعالى على أعلى المكارم وأسمى الأخلاق، ومنها التواضع الجم، فكان على جلالة قدره وعلو مكانه، يجيب دعوة الكبير والصغير والذكر والأنثى والغني والفقير، يريد بذلك الأهداف السامية والمقاصد الجليلة، من جبر قلوب البائسين والتواضع للمساكين وتعليم الجاهلين، إلى غير ذلك من مقاصده الحميدة. قال: فجاء إلى هذه الداعية، وأكل من طعامها. وتعبيره بالداعية، مراده رحمه الله أن يكون محل اقتداء، وأتساء للدعاة إلى الله أن يكون عندهم التسامح والتواضع ولين الجانب، بما يكون به وصولهم إلى أكبر كم من الناس بالمجتمع، فهذا تعامله ببيع وشراء، وذاك تزوره بمجورة، وذاك تعوده في مرض، وذاك تجيبه في دعوة، وغير ذلك من المواضع التي ينبغي أن يستعين بها الداعي إلى الله في أبواب الخير. قال: وأكل من طعامها، ثم اغتنم هذه الفرصة ليعلم هؤلاء المستضعفين الذين ربما لا يزاحمون الكبار على مجالسه المباركة، امرأة كبيرة ومعها شاب صغير وطفل يتيم أصغر، يعني يريد أين هؤلاء من الاستئناس بجلوسهم مع النبي عليه الصلاة والسلام والاستفادة منه، مع كبار الصحابة الذين هم حول النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأمرهم بالقيام ليصلي بهم، حتى يتعلموا منه كيفية الصلاة. وسيأتي معنا إن شاء الله أن فيه دليل على جواز صلاة الجماعة في النافلة أحيانا، لأجل التعليم، وليس لأجل التعبد بالجماعة بالنافلة، ولا كذلك لأجل التبرك. ولهذا قال أهل العلم: إذا قصد بالصلاة التبرك، فإنه من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، أي التبرك بآثاره. وأما إذا قصد به التعليم، فهذا عام للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره. قال: فعمد أنس إلى حصير قديم، قد اسود من طول المكفي. وفي رواية الصحيحين: من طول اللبس. ومعنى اللبس: أي الجلوس عليه. وفيه دليل على تسمية المجلوس عليه لبسا. واستدل به جمهور أهل العلم على تحريم الجلوس على سجادة الحرير وفراش الحرير وما كان بمعناه على الرجال، لأنه يسمى لبسا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم لبس الحرير للرجال، ومنه الجلوس على كراسي الذهب، فإنه من اللبس الذي لا يجوز للرجال. قال: فغسله بالماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بهم. وقيل: غسله كان لأجل تنقيته من الغبار الذي علق به من كثرة الجلوس. وقيل: لأجل ترطيبه، فيكون أليا لمن يجلس عليه وأبرد. والغالب أن الحصير في زمانهم كان من جريد النخل. وجريد النخل كما تعرفون، مع شدة الحر يكسب حرارة، يكسب حرارة. فإذا نضح بالماء، وانظر إلى لفظة النضح، وهو كما علمنا نثر قطرات الماء من أطراف الأصابع، نضح هذا الحصير بالماء، سبب لتبريده وتلطيف حرارته، مع ما فيه من تنقية. قال: وصف أنس ويتيم معه صفا واحدا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وصفة العجوز صاحبة الدعوة من وراء أنس واليتيم، تصلي معهم. فصل بهم ركعتين، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم، بعد أن قام بحق الدعوة والتعليم صلى الله عليه وسلم. ومن الله علينا باتباعه في أفعاله وأخلاقه. قال الشارح رحمه الله تعالى: وهذا هو الشاهد من هذا الحديث، كما سيأتي إن شاء الله. فإن هذا الحديث أورد لبيان محل الإمام من المأموم، ومقامات الإمام مع المأموم سبعة. أولها: أن يكون الإمام وحده، فإنه يصلي وحده، ولا شيء ولا إشكال في هذا. قال: فإن كان معه أحد، فإن كان واحدا ذكرا، فإنه يصلي عن يمينه، كما جاء في حديث ابن عباس في الصحيح: أنه قام عن يساره، فرده وجره النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقامه عن يمينه. وفي حديث جابر بن عبد الله: أنه قام عن يساره، فجره النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقامه عن يمينه. والحديثين في صحيح مسلم. قال: فإن كانوا ثلاثة، إمام ورجلان، فإن الرجلين يقفان خلف الإمام. ودليله هذا الحديث، حديث بن مسعود، وحديث جابر بن عبد الله. هذا الحديث حديث أنس، وجاء كذلك نحوه عن ابن مسعود، كما سيأتي إن شاء الله. وحديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، فإنه صلى عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عن يمينه، فجاء بعد قليل جبار بن صخر، فوقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فردهما النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه إلى خلفه. قال: فإذا كانوا اثنان، صليا خلف الإمام. وفي هذا الحديث كذلك، أن هذان الاثنان، ولو كان أحدهما صغيرا، ما دام مميزا ويحسن الصلاة، فإنه يقف مع صاحبه خلف الإمام. وقد اختلف أهل العلم في هذه الصورة، كما سيأتي الإشارة إليها إن شاء الله. فجمهور أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، يرون أن مقام الإمام إذا كان معه اثنان، أن يكون أمام الرجلين، أو أمام الاثنين. قال: وروي عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يرى أنهما يقفان عن يمينه وعن يساره. وروي ذلك عن بعض أصحاب عبد الله بن مسعود، وهو قول بعض أهل الكوفة من الحنفية وغيرهم. ودليلهم في هذا، ما رواه الإمام أحمد، وجاء عند النسائي وغيره، عن عبد الله بن مسعود: أنه جاءه الأسود بن يزيد، فدخل عليه مع عمه علقمة بن الأسود، فدخلوا على ابن مسعود، فأقام الظهر، صلى صلاة الظهر، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. هكذا جاء في بعض الألفاظ. قال: واستدل به جماعة من أهل العلم، وهي رواية عن الإمام أحمد: أنه يصف كذلك عن يمين وعن يسار الإمام، إذا كان الإمامة في اثنين. وبعض أهل العلم ذهب إلى أن هذا خاص فيما إذا كان الثاني صغيرا، وهو مضنت عدم التمييز، فإذا كان صغيرا، وهو مضنت عدم التمييز، فيكون الكبير عن اليمين، والصغير الذي هو مضنت عدم التمييز عن اليسار، لأن وجوده كعدمه. قال: وسواء كان كذا أو كذا، المقصود هو أخذ الفقه والعبرة من هذه القصة. ففيه قصة أم سليم، مقام المرأة إذا كان إمام ومعه مأموم واحد خلفهما. وفي قصة مليكة، مقام المرأة إذا كان خلف الإمام إثنان، أن تكون خلف الإثنين. قال: ومن أوجه الإمامة كذلك، أن يكون جماعة ذكور، فإنهم يقفون خلف الإمام. أو جماعة إناث، فإنهن يقفن بجانب المرأة، عن يمينها وعن شمالها، وتقف المرأة في الوسط. وهذا لما روي عن عدد من الصحابة في ذلك. فقد بوب الإمام البيهقي رحمه الله في سننه بابا، فقال: باب المرأة تأم النساء، فتقوم وسطهن. ثم ذكر حديثا عن عائشة رضي الله عنها، موقوفا عليها صحيح. وهكذا رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح: أنها أمت نساء في بيتها، فوقفت وسطهن. قال: وذكر حديثا آخر عن أم سلمة، فعلت نحو فعل عائشة رضي الله عنها. ورواه الإمام الشافعي كذلك. فهذه الآثار تدل على هذا الحكم الشرعي، وهو مع ما فيه من آثار الصحابة التي ينبغي أن يؤخذ بها ويستأنس ويعمل بها، فإن فعل الصحابي حجة بشروط، إذا لم يخالف النص، ولم يخالفه صحابي آخر. قال: ومن هذه الأحكام كذلك، إذا كان رجل واحد خلف الصف، وفي الصف بقية، فإنه لا يجوز، والصحيح أن صلاته باطلة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، أو لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وبيانه أنه لا صلاة له. وأما إذا كان الصف ممتلئا، فالصحيح أنه يجوز، فالضرورات تبيح المحظورات. ويستثنى من ذلك المرأة، والدليل قصة أنس التي بين أيدينا، فالمرأة تصلي خلف الصف منفردة، لا شيء عليها. قال الشارح رحمه الله تعالى: طيب، هذا نتركه لأنه سيطول، وتحته ما زال بقية حديث، نتركه للدرس اللاحق لانتهاء الوقت. إلى هنا والله تعالى.